ملخص
في بريطانيا واصل الاقتصاد تسجيل معدل فقدان وظائف مستمر، أما في دول منطقة اليورو، فبلغ مستوى إلغاء الوظائف وتسريح العمال أعلى مستوى له منذ نهاية عام 2020، كما شهدت كندا وأستراليا انخفاضاً طفيفاً في أعداد القوى العاملة خلال الشهر الماضي.
في الوقت الذي يتركز فيه القلق العالمي في شأن الوظائف على مخاطر حلول الذكاء الاصطناعي محل العمالة البشرية، هناك أكثر من سبب آخر وراء ارتفاع معدلات تسريح العاملين وزيادة نسبة البطالة.
بحسب مسح أجرته مؤسسة "بي أم آي" (التي تصدر تقارير مؤشر مديري المشتريات عالمياً بصورة دورية كل شهر)، زادت معدلات تسريح العاملين وإلغاء الوظائف عالمياً خلال مايو (أيار) الماضي بشكل غير مسبوق.
وأجرت "بي أم آي"، التابعة لشركة "أس أند بي غلوبال" - وهي جزء من مجموعة مؤسسة "ستاندرد أند بورز" للتصنيف الائتماني - مسحاً على مستوى العالم لصالح بنك "جيه بي مورغان" الاستثماري الأميركي. وكانت نتيجة المسح أن إلغاء الوظائف وتسريح العاملين خلال الشهر الماضي جاء استثنائياً، على رغم النمو في الطلب العالمي.
وخلص تقرير المؤسسة إلى أن السبب في إلغاء الوظائف وتسريح العاملين يعود إلى قلق الشركات والأعمال في شأن استدامة نمو الطلب، وتدهور النظرة الاقتصادية للنمو الاقتصادي بشكل عام، وارتفاع الكلفة. وهذه الأسباب الثلاثة لا تستبعد أثر التطور في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، لكنها تعكس المخاوف من الوضع الاقتصادي العام ومؤشرات الاقتصاد الكلي، لا سيما في الدول الكبرى.
وإذا استثنينا التدهور الحاد في التوظيف وأعداد القوى العاملة خلال أزمة وباء كورونا، فإن نتائج مسح "بي أم آي" للشهر الماضي سجلت أكبر انخفاض في أعداد القوى العاملة عالمياً منذ مايو 2010، أي خلال أكثر من عقد ونصف العقد.
تدهور عالمي في سوق العمل
على رغم أن التدهور في سوق العمل في الاقتصادات الكبرى يبدو أكثر وضوحاً، فإن نتائج المسح تشير إلى أن إلغاء الوظائف وتسريح العاملين وتراجع التوظيف تمثل حال عامة حول العالم.
من بين الاقتصادات المتقدمة كانت اليابان فقط هي التي سجلت ارتفاعاً في عدد العاملين خلال الشهر الماضي، وحتى مع ذلك كان معدل نمو الوظائف عند أدنى مستوى له خلال سبعة أشهر.
وارتفع معدل إلغاء الوظائف وتسريح العمالة في الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، خلال الشهر الماضي إلى أعلى معدل له منذ الأشهر الأولى لأزمة وباء كورونا عام 2020.
وفي بريطانيا واصل الاقتصاد تسجيل معدل فقدان وظائف مستمر، أما في دول منطقة اليورو، فبلغ مستوى إلغاء الوظائف وتسريح العمال أعلى مستوى له منذ نهاية عام 2020، كما شهدت كندا وأستراليا انخفاضاً طفيفاً في أعداد القوى العاملة خلال الشهر الماضي.
وبالنسبة إلى دول الاقتصادات الصاعدة، تباطأ نمو التوظيف بوضوح في أكبر اقتصادين كانا يضيفان وظائف بأعلى معدل، وهما الهند والبرازيل.
وشهدت روسيا انخفاضاً واضحاً في أعداد العاملين، كما توضح قوائم الرواتب والأجور، وعلى عكس منحى تسريح العمالة وإلغاء الوظائف، عاد ثاني أكبر اقتصاد في العالم، الصين، إلى تسجيل نمو في معدلات التوظيف، في تحسن واضح مقارنة بالأعوام الثلاثة الماضية، وإن كانت الزيادة في أعداد الوظائف والعاملين ليست كبيرة.
وبحسب تقرير المسح، يأتي هذا التدهور في سوق العمل عالمياً في الوقت الذي تسجل فيه الأعمال والشركات زيادة في الطلب على منتجاتها من السلع والخدمات، إذ ارتفع الطلب بمعدل متسارع خلال الشهر الماضي، ما أدى إلى تأخر تسليم الطلبيات بشكل واضح. وعادة ما كان تأخر تسليم الطلبيات يعني لجوء الشركات والأعمال إلى زيادة التوظيف للوفاء بالتزاماتها، لكن العكس هو ما يحدث حالياً.
أسباب إلغاء الوظائف وتسريح العمالة
في تحليل الأسباب التي يقدمها المشاركون في المسح حول العالم للتخلص من العاملين والوظائف، تراجع عدد الاقتصادات التي ذكرت أن زيادة الطلب الاستهلاكي شجعتها على التوظيف إلى أدنى المستويات التي سجلها التقرير منذ بدء إجراء هذا المسح العالمي. ويشير تقرير المسح إلى أنه لم يحدث تراجع في العمالة مع زيادة الطلب سوى خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة وباء كورونا.
ومن أكثر القطاعات التي سجلت تقليصاً للعمالة المتأثرة بالطلب قطاع الخدمات وقطاع التصنيع، فعلى سبيل المثال، تضرر الطلب على خدمات المستهلكين، مثل السفر والسياحة، بسبب الحروب، ما أدى إلى تسريح العمالة وإلغاء الوظائف.
وعلى العكس من ذلك، ارتفع الطلب على السلع التكنولوجية في قطاع التصنيع نتيجة الاستثمارات الهائلة في الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى زيادة التوظيف في ذلك القطاع، إلا أن المحصلة النهائية لم تتمثل في زيادة عدد الوظائف والعاملين بالمعدلات المعتادة رغم ارتفاع الطلب.
وبحسب تحليل التقرير، فإن الزيادة في الطلب على السلع والخدمات قابلها قدر كبير من عدم اليقين في شأن مستقبل الأعمال ونمو الاقتصاد، ويعود ذلك إلى التطورات الجيوسياسية، مثل الحرب في الشرق الأوسط، وأيضاً تبعات فرض التعريفة الجمركية الأميركية. وهكذا تراجعت تقديرات النمو المستقبلي للشركات والأعمال خلال الشهر الماضي إلى أدنى مستوى لها منذ يونيو (حزيران) 2020، وارتفعت معدلات الاضطراب وعدم اليقين في شأن المستقبل إلى أعلى مستوى لها منذ ربع قرن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومما يسهم في هذه النظرة المتشائمة أن كثيراً من الشركات في قطاع التصنيع تشير إلى أن الزيادة الحالية في الطلب هي نتيجة عمليات التخزين المؤقت للمنتجات وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار وتدهور الإمدادات بسبب الحرب، بالتالي ترى الشركات أنه ما إن تصل عملية تكديس المنتجات إلى ذروتها أو تتعطل الإمدادات بصورة أكبر، فإن تلك الزيادة في الطلب ستختفي، وربما تتحول إلى تراجع في الطلب.
أما العامل الآخر الذي أسهم في زيادة إلغاء الوظائف وتسريح العاملين فهو ارتفاع كلفة الإنتاج بسبب زيادة أسعار الطاقة والمواد الخام ومدخلات الصناعات نتيجة الحرب، بالتالي زادت وتيرة خفض العمالة باعتبارها أداة أساسية لتقليل كلفة الإنتاج. وحدث ذلك بشكل كبير في قطاع التصنيع، وكذلك بصورة واضحة في قطاع الخدمات.
ويشير التقرير إلى أن استبدال العمالة البشرية بتطبيقات الذكاء الاصطناعي يعد أحد العوامل الأخرى وراء تدهور سوق العمل خلال الشهر الماضي.
لكن نادراً ما أشارت أي من الشركات والأعمال التي شملها المسح حول العالم إلى دور الذكاء الاصطناعي في تقليص العمالة، كما أن مسحاً آخر أجرته "أس أند بي غلوبال" مطلع عام 2026 لم يشر إلا إلى تأثير محدود للذكاء الاصطناعي في سوق العمل. بل إن الوظائف الجديدة التي تتوافر لإدارة تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعوض، إلى حد ما، الوظائف التي تُلغى نتيجة تطبيقه في الشركات والأعمال.
وعلى رغم أن تقرير المسح لا يقدم توقعات لسوق العمل، فإن خلاصة قراءة الجداول والبيانات الخاصة بالشهر الماضي تعني بوضوح أن استمرار الاضطرابات وعدم اليقين، وارتفاع كلفة الطاقة، وتراجع تقديرات النمو المستقبلي، ستظل عوامل ضاغطة سلباً على عمليات التوظيف في أغلب اقتصادات العالم.