ملخص
نشهد اليوم تآكل فاعلية الردع النووي في مواجهة الحروب الحديثة، إذ لم تمنع الترسانات النووية أوكرانيا من ضرب أهداف روسية استراتيجية، ولا إسرائيل أو الهند وباكستان من التعرض لهجمات تقليدية. وترى كاتبة المقال أن الطائرات المسيرة والصواريخ الرخيصة باتت تقوض منطق الردع القائم على التهديد النووي، ما يستدعي التركيز على الدفاعات والقدرة على الصمود بدلاً من توسيع الترسانات النووية، مع تعزيز القواعد الدولية التي تمنع التصعيد نحو كارثة نووية.
في يونيو (حزيران) 2025، شنت أجهزة الأمن الأوكرانية ضربة جريئة داخل الأراضي الروسية. فقد تمكنت من التسلل إلى البلاد وإخفاء طائرات هجومية مسيرة قصيرة المدى داخل شاحنات شحن قرب مجموعة من القواعد الجوية الروسية، امتدت حتى منطقة آمور على الحدود مع الصين. وكانت معظم هذه القواعد تضم قاذفات استراتيجية روسية ثقيلة، وهي طائرات قادرة على حمل أسلحة نووية. وباستخدام شبكة الهواتف المحمولة الروسية، أطلق عملاء أوكرانيون هذه المسيرات عن بُعد، ونجحوا في تدمير ما لا يقل عن عشر قاذفات، وإلحاق أضرار بـ 41 طائرة أخرى، من بينها طائرات تُستخدم في منظومة القيادة والسيطرة النووية، وفقاً لتقديرات أوكرانية.
الهجوم الذي عرف باسم "عملية شبكة العنكبوت" كان مغامرة استثنائية بكل المقاييس. لكن الجانب الأكثر أهمية في الهجوم لم يكن الفارق الهائل بين تكلفة الهجوم والخسائر التي تسبب بها (إذ قال أحد المحللين أن "طائرة مسيرة واحدة لا تتجاوز تكلفتها 500 دولار دمرت قاذفة استراتيجية قيمتها عشرات الملايين من الدولارات")، ولا البراعة في اختراق الاتصالات الروسية، بل حقيقة أن مثل هذا الهجوم كان ممكناً من الأساس. فلطالما أصرت موسكو، كجزء من عقيدتها الراسخة، على أن أي هجوم تقليدي على أصولها الاستراتيجية قد يستدعي رداً نووياً. لكن ذلك لم يردع كييف. فقد كانت أوكرانيا مستعدة لاستهداف القدرات النووية الروسية، وكانت روسيا عاجزة عن منع تدميرها.
وشكلت العملية الأوكرانية مثالاً صارخاً على اتجاه أوسع نطاقاً: الردع النووي لم يعد يُجدي نفعاً. فلطالما افترضت الدول أن امتلاك الأسلحة النووية هو الضمان الأكيد لأمنها. في الواقع، رأى كثير من المراقبين أن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 أثبت أن كييف أخطأت عندما وافقت عام 1994 على التخلي عن الترسانة النووية التي ورثتها من الاتحاد السوفياتي. فلو كانت أوكرانيا تمتلك القنبلة النووية، كما يقول هؤلاء، لما تجرأت روسيا على شن مثل ذلك الهجوم. وعلى نحو مماثل، لو أن إيران كانت قد طورت بالفعل ترسانتها النووية الخاصة، لما تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة من مهاجمتها مثلما فعلتا منذ فبراير (شباط) الماضي، حين قُتل قادة إيرانيون ودُمرت البنية التحتية العسكرية الإيرانية. وانطلاقاً من هذه الحجة ينبثق استنتاج يبدو حتمياً مفاده أن مزيداً من الدول قد تسعى بشكل منطقي إلى امتلاك السلاح النووي بوصفه ضماناً ضد أي عدوان، إذ إن الدول تحتاج في نهاية المطاف إلى أسلحة الدمار الشامل هذه لردع أخطر خصومها.
لكن الصراعات الأخيرة تشير بوضوح أكبر إلى النقيض التام لهذا التصور. فأوكرانيا لا تكتفي باستهداف مواقع عميقة داخل الأراضي الروسية فحسب، بل تستهدف أيضاً منشآت مرتبطة مباشرة بقدرات روسيا النووية. وإيران ووكلاؤها هاجموا مراراً إسرائيل، التي يُعتقد على نطاق واسع أنها تمتلك أسلحة نووية. ووجهت طهران الصواريخ والطائرات المسيرة نحو مدن إسرائيلية، بل وحتى نحو منشآت نووية. كذلك انخرطت الهند وباكستان، اللتان تمتلكان أسلحة نووية، في أخطر صراع بينهما في هذا القرن، إذ نفذتا هجمات عميقة داخل أراضي بعضهما البعض في مايو (أيار) 2025. وفي جميع هذه الحالات، لم يمنع احتمال التصعيد النووي والرد الانتقامي اللجوء إلى الحرب التقليدية والهجينة. بل إن جهات فاعلة، حكومية وغير حكومية، باتت تختبر فعلياً حدود مصداقية تهديدات القوى النووية.
قد تبدو الأسلحة النووية عاجزة أمام الهجمات التقليدية والهجينة المستمرة؛ ففي حروب اليوم، لا يُمكن لترسانة من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات المزودة برؤوس نووية، ولا لأسطول من الغواصات النووية، ولا لأسراب من القاذفات الاستراتيجية، أن تردع وابلاً من الطائرات المسيرة المنخفضة التكلفة، ما دامت الدول النووية غير مستعدة لاستخدام أسلحتها النووية فعلياً. وهذا ينبغي أن يدفع القوى النووية الحالية أو الدول التي قد تسعى إلى امتلاك هذه الأسلحة إلى إعادة التفكير ملياً.
وقد خضعت قوة المحظور النووي لاختبار حقيقي في الأشهر الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا، عندما بدا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قريباً من استخدام أسلحة نووية تكتيكية لمنع الهزيمة الساحقة لقواته في جنوب شرقي أوكرانيا. ويبدو أنه تراجع نتيجة مزيج من نصائح قادته العسكريين، والضغوط العلنية من نظرائه في الصين والهند، وبلا شك أيضاً الضغوط غير المعلنة التي مارستها واشنطن. وعلى رغم أن هذا المحظور لا يشكل حاجزاً مطلقاً أمام استخدام الأسلحة النووية، فإن القادة الذين يفكرون في استخدامه يواجهون معارضة شديدة. وعليهم أن يدركوا أنهم سيُذكرون في التاريخ باعتبارهم ثاني شخص يستخدم القنبلة النووية في معركة، وهو إرث ثقيل سيمنحهم سمعة تاريخية مخزية وشديدة الوطأة.
بالنسبة إلى الدول النووية، لا شك في أن دروس هذه المرحلة يجب أن تكون صادمة. فالخصوم، سواء كانوا دولاً أو جهات غير حكومية، باتوا أكثر استعداداً وقدرة على ضرب القوى النووية باستخدام أسلحة تقليدية. وهذا يُزعزع منطق الردع النووي التقليدي. فالردع القائم على التهديد بالانتقام النووي، الأداة التقليدية التي ضمنت الاستقرار النووي لعقود، آخذ في التراجع. وقد يصبح الردع بالمنع، أي تثبيط عزيمة المهاجم من خلال جعل الهجوم يبدو عبثياً وعديم الجدوى، أكثر أهمية في المستقبل.
وسيتطلب هذا النهج أولويات مختلفة من الحكومات. فبدلاً من استثمار مبالغ طائلة في تحديث المنصات النووية الحالية، قد يكون من الأجدى للدول النووية تعزيز الدفاعات حول منشآتها النووية، والتركيز على القدرة على الصمود بدلاً من التركيز على زيادة القدرات النووية نفسها. ويتعين عليها أيضاً إيجاد سبل لدعم وتعزيز المعايير التي تنظم الاستهداف التقليدي، وذلك من خلال التعهد، على سبيل المثال، بعدم ضرب محطات الطاقة النووية والمنشآت النووية العسكرية. ومن شأن هذه الإجراءات أن تساعد في الحد من التصعيد خلال الأزمات، عندما تشعر الأطراف المتحاربة بجرأة أكبر لضرب منشآت العدو النووية. أما بالنسبة إلى الدول غير النووية، فإن تراجع فاعلية الردع النووي التقليدي ينبغي أن يحمل تحذيراً أشمل، فبدلاً من أن تجلب القنبلة النووية اليقين بالأمن، قد تفتح الباب ببساطة أمام أشكال جديدة ومقلقة من الخطر.
تراجع الردع
منذ بداية الحرب الباردة، نشرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ومن بعده روسيا، ثالوثاً من الأنظمة النووية لتهديد الخصوم وردعهم في آن واحد: الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق من البر، والصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة. وتستطيع هذه الأنظمة إيصال رؤوس حربية إلى مدى يتجاوز 5500 كلم، وهو ما يفسر وصفها بأنها "قدرات هجومية استراتيجية". فالولايات المتحدة تستطيع استهداف الأراضي الروسية مباشرة، مثلما تستطيع روسيا استهداف الولايات المتحدة القارية. أما الصين، فقد سعت من خلال توسعها النووي السريع في العقود الأخيرة إلى الوصول إلى مستوى مماثل لموسكو وواشنطن. ومن خلال الحفاظ على هذا المزيج من الأنظمة، تضمن الدولة عدم تعرضها لـ"ضربة أولى حاسمة"، التي تعني هجوماً نووياً يمنعها من الانتقام، وبذلك تبقى قادرةً على الرد. واحتمال التعرض لرد نووي هو العامل الأساسي الذي يردع الدول النووية عن استخدام أسلحتها ضد بعضها البعض. كما أن هذا المزيج من القدرات هو ما يُرسي الاستقرار الاستراتيجي تقليدياً، أي المبدأ السائد في العلاقات الدولية الذي ينص على أن الدول المسلحة نووياً ينبغي ألا تمتلك أي حافز على الإطلاق لاستخدام أسلحتها الفتاكة.
وعندما تواجه دولة ما خصماً لا يمتلك أسلحة نووية، يمكنها اللجوء إلى استعراض القوة النووية لترهيبه. لنأخذ على سبيل المثال القاذفات الاستراتيجية الروسية. يمكن استخدام هذه الطائرات لحمل قنابل تقليدية، لكن موسكو شددت على استمرار دورها النووي، وأعلنت عام 2024 أن أي هجوم على الأصول الاستراتيجية الروسية قد يؤدي إلى رد نووي. وكان من المفترض أن يمنح هذا الغموض القادة الروس هامشاً من المرونة، فهم لم يكونوا مُلزمين باللجوء إلى الأسلحة النووية رداً على الهجمات الأوكرانية، لكنهم كانوا يأملون أيضاً أن يدفع احتمال استخدام الأسلحة النووية أوكرانيا إلى التفكير ملياً والامتناع عن ضرب أصولهم الاستراتيجية.
وفي "عملية شبكة العنكبوت"، اختبرت أوكرانيا هذا الغموض الروسي، لتكتشف أنه ليس سوى غطاء للحذر والتردد. فبعد الصدمة التي أحدثها تدمير القاذفات الاستراتيجية الروسية، لم تضغط موسكو على الزر النووي، بل إنها لم ترد حتى بجولة أخرى من التهديدات النووية العلنية. وبدلاً من ذلك، شنت هجوماً تقليدياً على كييف مستخدمةً 400 طائرة مسيرة و40 صاروخاً.
في الواقع، جسد هذا الرد الروسي الديناميكية السارية حالياً، ألا وهي تصادم منطق الردع النووي القديم مع حقائق الحروب المعاصرة. وكما أثبتت أوكرانيا منذ عام 2022، فإن مجرد امتلاك الأسلحة النووية لا يحمي المعتدي من التعرض لرد تقليدي. فامتلاك أقوى الأسلحة على وجه الأرض لن يوفر حماية لدولة كبيرة في مواجهة دولة أصغر مصممة على الدفاع عن نفسها.
وتتعلم إسرائيل درساً مشابهاً. فالقادة الإسرائيليون يتكتمون على قدرات بلادهم النووية، ولكن لطالما تملكهم شعور ضمني بالثقة بأن الأسلحة النووية ستوفر الحماية لإسرائيل من خلال منع الهجمات التي قد تشنها دول أو جهات غير حكومية.
غير أن هجوم حركة "حماس" على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 قد نسف هذا الاعتقاد تماماً. وكذلك فعلت الأحداث اللاحقة. فقد واجهت إسرائيل في السنوات الأخيرة، ومنذ بدء الحملة الأميركية- الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في فبراير الماضي، وابلاً من الهجمات الصاروخية القادمة من إيران و"حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن. ولم ترَ هذه الدول أو الجماعات المسلحة في القدرات النووية الإسرائيلية سبباً يدفعها إلى الامتناع عن مهاجمة الأراضي الإسرائيلية، بل إن إيران استهدفت في مارس (آذار) الماضي مفاعل إنتاج البلوتونيوم الإسرائيلي في ديمونا، في إشارة إلى أن الردع النووي الإسرائيلي لا يفشل في أداء غايته المفترضة فحسب، بل أصبح أيضاً هدفاً يجذب الهجمات.
وقد تَمثل الرد الإسرائيلي على هذه الهجمات الصاروخية في تعزيز دفاعاتها الصاروخية بشكل كبير ومتواصل على مستويات متعددة، بدءاً من نظام "القبة الحديدية" المصمم لاعتراض الهجمات قصيرة المدى، ومروراً بنظام "مقلاع داود" الذي يعترض الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى، وصولاً إلى منظومة "آرو" للدفاع الصاروخي المخصصة للتصدي للصواريخ الباليستية بعيدة المدى. وقد صُممت هذه الدفاعات الصاروخية متعددة الطبقات للتعامل مع مجموعة متنوعة من الهجمات، من الصواريخ الفردية إلى الرشقات الكثيفة، ويمكنها التمييز بسرعة بين المقذوفات المتجهة نحو أهدافها وتلك التي ستسقط من دون أن تسبب ضرراً.
القنبلة النووية قد تفتح الباب أمام أشكال جديدة من الخطر
وتكمن مفارقة هذا الوضع في جانبين. أولاً، أدى الانتشار الواسع للصواريخ والطائرات المسيرة والمركبات الجوية غير المأهولة المنحفضة التكلفة بين جيران إسرائيل، وحتى بين خصومها من الجماعات المسلحة، إلى خلق معادلة غير مواتية من حيث التكلفة والعائد مقارنة بأنظمة الدفاع المتطورة مثل "القبة الحديدية". وقد استفادت إسرائيل، شأنها شأن دول أخرى في الشرق الأوسط، من التجربة الأوكرانية في تطوير وسائل دفاع فعالة ومنخفضة التكلفة لمواجهة المسيرات الرخيصة، على رغم أن الحكومة الإسرائيلية امتنعت عمداً عن تزويد أوكرانيا بأنظمة دفاع صاروخي متطورة طوال حربها مع روسيا.
أما المفارقة الثانية، فهي أن إسرائيل، من خلال تطوير أنظمة دفاع صاروخي متعددة الطبقات ومتطورة، تنتهج استراتيجية "الردع بالمنع". فوفقاً لهذه النظرية، يُفترض أن يحجم الخصوم عن مهاجمة إسرائيل لأنهم سيدركون أن أي هجوم سيكون عديم الجدوى: فبراعة الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية كفيلة بإحباط أي محاولة لضرب أهداف داخل البلاد. لكن هذه النظرية تتعرض لاختبار قاسٍ في الحرب الحالية مع إيران، إذ أمطر خصوم إسرائيل المدن والقوات الإسرائيلية بالصواريخ والطائرات المسيرة، ونجح بعضها حتماً في اختراق الدفاعات وإحداث أضرار. كذلك فإن انخفاض تكلفة الأسلحة التقليدية الحديثة وسهولة الحصول عليها يدفعان إسرائيل اليوم إلى البحث عن وسائل دفاعية أقل ثمناً.
وفي الوقت نفسه، فإن الرادع الآخر الذي تمتلكه إسرائيل المتمثل في التهديد بالرد النووي، قد تراجع إلى حد كبير عن المشهد. فحتى في التعليقات الرسمية المتعلقة بالهجوم على ديمونا، لم تصدر عن الحكومة الإسرائيلية أي إشارة يمكن تفسيرها على أنها تلويح باستخدام السلاح النووي. ويبدو أن إسرائيل لا تزال متمسكة بسياسة الغموض النووي، ربما لتجنب اندلاع سباق تسلح نووي إقليمي أو لتفادي التعرض لعقوبات دولية جديدة. ونتيجة لذلك، لا يجد خصوم إسرائيل، سواء كانوا دولاً أو جهات غير حكومية، سبباً يدفعهم إلى أخذ قدراتها النووية في الحسبان أو إلى الارتداع بشبح القنبلة الإسرائيلية.
اتفاقيات جديدة
لا شك في أن الأسلحة النووية لا تزال تحث على ضبط النفس في ظروف معينة. فمنذ عام 2022، رفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مستوى مساعداتهم العسكرية لأوكرانيا تدريجاً وبصورة محسوبة، بما لا يؤدي إلى رد تصعيدي من جانب روسيا. وفي المقابل، تجنبت روسيا استهداف أراضي الناتو طوال فترة الحرب، على رغم أن شحنات الأسلحة التي يرسلها الحلف أصبحت هدفاً مشروعاً للهجوم بمجرد عبورها إلى أوكرانيا. وقد حرص كل من روسيا والناتو على تجنب أي مواجهة مباشرة قد تتطور إلى تصعيد أكبر.
في هذا السياق، لا تزال النظرية التقليدية للردع النووي قائمة. فمن المحتمل أن العدد الهائل من الأسلحة النووية في الترسانتين الأميركية والروسية (يمتلك كل طرف نحو أربعة آلاف سلاح نووي) يجبر موسكو، وكذلك واشنطن وحلفاءها، على ممارسة أقصى درجات الحذر. فأي تبادل للصواريخ النووية بين الجانبين ينطوي على خطر التصعيد السريع نحو فناء عالمي شامل. وقد يكون ثمة تفسير آخر مرتبط بالطبيعة الفريدة للعلاقة النووية التي نشأت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. فالولايات المتحدة وروسيا تُبقيان قواتهما النووية في حالة تأهب قصوى، تسمح بإطلاقها بسرعة. لكن أياً منهما لا يملك القدرة على تنفيذ ضربة أولى ساحقة أو "حاسمة" تقضي بالكامل على قدرة الطرف الآخر على الرد. وقد أدى هذا التوازن أو الاستقرار الهش القائم على "عدم جدوى الضربة الأولى" إلى ربط واشنطن وموسكو بعلاقة نووية عالية المخاطر لا يرغب أي منهما في إنهائها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال الحرب الباردة، كان كل معسكر يخشى أن يحقق خصمه "مفاجأة استراتيجية"، أي تطوير سلاح أو نظام دفاعي جديد يقلب التوازن القائم على "استحالة الحسم بضربة أولى". ولم يتحقق هذا السيناريو، لكن الخوف من حدوثه لا يزال قائماً حتى اليوم. ويتجلى ذلك في قلق واشنطن بشأن التوسع النووي الصيني، الذي قد يضع الولايات المتحدة في نهاية المطاف في مواجهة ندين نوويين يمتلكان ترسانات نووية هائلة. إذا حدث ذلك، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على الرد على أي عدوان من جانب الصين أو روسيا بالطريقة التي ترغب بها. وقد تَضعف المظلة النووية الأميركية، مما يجعل الحلفاء أكثر عرضة للهجمات التقليدية الصينية والروسية. وحتى الآن، فإن الردع النووي الأميركي الممتد أسهم في منع اندلاع صراع تقليدي في أوروبا وشرق آسيا، لكنه قد يفقد فاعليته في المستقبل مع استمرار الصين في تعزيز قدراتها النووية بوتيرة متسارعة.
وفي جنوب آسيا، لم تمنع الأسلحة النووية اندلاع الحروب التقليدية. فالهند وباكستان تمتلكان أسلحة نووية، لكنهما انزلقتا عام 2025 إلى أخطر صراع تقليدي بينهما منذ عام 1999. ودائماً ما تثير الاشتباكات المباشرة بين هاتين القوتين النوويتين مخاوف داخل المنطقة وخارجها. وقد تدخلت الولايات المتحدة سريعاً في أكثر من مناسبة للمساعدة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وكان آخرها عام 2025. وتزعم الصين أيضاً أنها ساعدت في إنهاء القتال العام الماضي. وهكذا، فإن خطر التصعيد النووي يدفع القوى الخارجية إلى التدخل. وفي هذه الحالة، لا تردع الأسلحة النووية الصراعات التقليدية، لكن الخوف من استخدامها يسهم في إنهاء القتال سريعاً.
باختصار، كشفت الأحداث الأخيرة عن اتجاهات متناقضة في ما يتعلق بالردع النووي. فالاستقرار النووي بين القوتين العظميين اللتين برزتا خلال الحرب الباردة لا يزال يبدو قادراً على منع الصراعات التقليدية في أوروبا وشرق آسيا. أما الصين، باعتبارها المنافس الجديد، فقد تهدد هذا الاستقرار، لكنه لا يزال صامداً في الوقت الحالي. في المقابل، وعلى النقيض من ذلك، تشهد منطقة جنوب آسيا حروباً تقليدية على رغم امتلاك كلا الجانبين أسلحة نووية. وتشير هذه الحقائق إلى ضرورة أن تستمر القوى النووية القائمة في الحفاظ على ترساناتها النووية، حتى مع تزايد التهديدات التقليدية وتعدد الجهات القادرة على شنها. فبعض عناصر الردع تعتمد على إرساء توازن نووي مستقر، وستظل كذلك ما دامت الأسلحة النووية موجودة. وفي الوقت نفسه، ينبغي لجميع الدول النووية، سواء كانت أطرافاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أم لا، أن تتعهد بالحد من مخزوناتها النووية وتقليصها عندما تتوافر الظروف المناسبة. فما زال التخلص من الأسلحة النووية هدفاً أساسياً من أهداف البشرية.
وقد يشجع المناخ الدولي الراهن على المضي في هذه العملية، إذ تُثير الحروب الدائرة شكوكاً متزايدة حول جدوى الأسلحة النووية في حفظ السلام. فمن المؤكد أن إيران وأوكرانيا والحوثيين في اليمن، وجماعات أخرى، تتصرف وكأن مخاطر التعرض لرد نووي تكاد تكون معدومة. ففي نهاية المطاف، أثبت المحظور النووي قوته، إذ لم يُبدِ أي زعيم حتى الآن استعداداً لكسره. ومع حصول مزيد من الدول والجماعات المسلحة على أنظمة صاروخية وطائرات مسيرة متطورة، ستصبح هذه الأطراف أكثر قدرة على شن هجمات أكثر جرأة، حتى ضد الدول التي تمتلك أقوى الأسلحة في العالم.
الأسلحة النووية لا تحمي دولة كبيرة من دولة صغيرة
هذا العجز النووي ينبغي أن يوجه رسالة إلى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا الذين باتوا يشككون في موثوقية التزامات واشنطن بالردع النووي الممتد، وبدأوا يتداولون علناً فكرة حيازة أسلحة نووية. فقد اقترح رئيس بولندا أن تسعى بلاده إلى امتلاك قنبلة نووية، كذلك صرح عدد من السياسيين الألمان بأن على ألمانيا أن تفعل الأمر نفسه. وفي شرق آسيا، تُظهر الاستطلاعات أن الرأي العام في كوريا الجنوبية بات يؤيد بصورة متزايدة تطوير سيول لترسانة نووية خاصة بها، وحتى الرأي العام في اليابان، الدولة الوحيدة التي تعرضت لهجوم نووي، يبدو أكثر استعداداً لقبول النقاش حول امتلاك أسلحة نووية. وفي الشرق الأوسط، تشعر الدول بالقلق إزاء هجمات محتملة من إسرائيل أو الولايات أو حتى من جيرانها.
لكن امتلاك مزيد من الدول للأسلحة النووية لن يمنع اندلاع الحروب التقليدية. فالأسلحة النووية لا تُوقف تدمير القاذفات الاستراتيجية الروسية، ولا تحمي المدن الإسرائيلية من الهجمات الصاروخية المكثفة والمتكررة، ولا تُثني الهند وباكستان عن إلحاق الدمار المتبادل بأراضي بعضهما البعض.
إن انتشار الأسلحة النووية ينطوي على مخاطر جسيمة. فعلى رغم أن المحظور النووي ظل صامداً منذ عام 1945، فإنه لا يشكل ضمانة مطلقة ضد التصعيد النووي، ولا سيما في ظل التحولات التي تُحدثها تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي في عملية صنع القرار في الحروب، وما قد يرافقها من زيادة مخاطر التصعيد غير المقصود. وسيؤدي ارتفاع عدد الدول النووية إلى زيادة فرص الاستخدام غير المصرح به أو العرضي للأسلحة النووية. ولن تمتلك الدول النووية الجديدة الخبرة الكافية التي تتمتع بها القوى النووية القائمة في ضمان سلامة وأمن ترسانتها النووية. كذلك فإن وفرة الأسلحة النووية تمنح الجماعات المسلحة الناشطة فرصاً أكبر للحصول على سلاح نووي، مما يعيد إلى الأذهان شبح التهديد النووي الإرهابي الذي ظل يطارد صانعي السياسات في أوائل تسعينيات القرن العشرين بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
القليل يصنع الفارق
إن الأسلحة النووية مكلفة للغاية. فالدول التي تمتلك بالفعل ترسانات نووية ضخمة تستثمر مبالغ طائلة في تعزيز قدراتها النووية. وتعمل الولايات المتحدة وروسيا والصين، أكبر ثلاث قوى نووية في العالم، على تحديث صواريخها الباليستية العابرة للقارات وغواصاتها النووية وقاذفاتها الاستراتيجية، بتكلفة باهظة للغاية. ولكن قد لا يكون هذا الاستثمار مجدياً. وسيكون من الأجدى الاستثمار في تعزيز القدرة على الصمود، وفي قابلية البقاء والاستمرار (من خلال تعزيز مواقع الانتشار وتطوير أنظمة نووية أكثر مرونة)، وفي الدفاعات، لا سيما أنظمة الدفاعات الجوية والصاروخية المتكاملة القادرة على صد الهجمات على البنية التحتية النووية الحيوية. ومع تزايد عدم اليقين بشأن فاعلية الردع النووي، وتنامي دقة الهجمات التقليدية وقدرتها التدميرية، قد تُثبت هذه الاستثمارات أنها أكثر قيمة واستدامة من ضخ مزيد من الموارد في التحديث النووي.
وكما اكتشفت روسيا خلال حربها ضد أوكرانيا، لم تعد أراضي الوطن ملاذاً آمناً هذه الأيام، والقواعد التي تضم أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية قد تتعرض للهجوم. فإذا تمكن الخصوم، سواء أكانوا دولاً أم جهات غير حكومية، من إطلاق طائرات مسيرة دقيقة أو صواريخ قصيرة المدى، فإن هذه القواعد ستصبح عرضة لهجمات تقليدية. وهذا التهديد يعني أن القواعد النووية تحتاج إلى دفاعات جوية وصاروخية قادرة على العمل في ظل فترات إنذار قصيرة وعلى مسافات قصيرة. ومن الناحية المثالية، ينبغي أن تشبه هذه الدفاعات أنظمة الدفاع عالية الكفاءة ومنخفضة التكلفة التي يطورها الأوكرانيون وينشرونها لمواجهة الطائرات المسيرة، بل ويزودون بها حتى دول الخليج في الشرق الأوسط اليوم. يجب أن تكون أنظمة الدفاع منخفضة التكلفة ومتوافرة بأعداد كبيرة لمواجهة وابل الصواريخ الحديثة وأسراب الطائرات المسيرة.
يجب على الدول التي تنشر أسلحة نووية أن تكون مستعدة لحمايتها والدفاع عنها ضد الهجمات التقليدية. ويبدو أن تدابير تعزيز القدرة على الصمود من خلال طبقات دفاعية متعددة أكثر نفعاً من نظرية الردع التقليدية، التي لم تقدم سوى تهديدات جوفاء بالانتقام النووي. ولهذا السبب، يتعين على القوى النووية إعادة النظر في سياستها التصريحية، أي الرسائل العلنية التي تبعث بها الحكومات حول كيفية استخدام أسلحتها النووية والأوقات والظروف التي قد تلجأ فيها إليها. وقد وجدت روسيا أن الأوكرانيين تجاهلوا ببساطة العقيدة النووية الروسية المتعلقة بالهجمات التقليدية على الأهداف النووية. وعلى رغم أن روسيا هددت برد نووي على مثل هذه الهجمات، إلا أنها لم تنفذ تهديدها، حتى بعد تعرض أسطولها من القاذفات النووية لأضرار جسيمة. إن مثل هذه الرسائل الجوفاء تؤدي إما إلى إضعاف قدرة الردع التي تتمتع بها الأسلحة النووية أو إلى خلق ضغوط لا تُحتمل تدفع نحو التصعيد النووي.
بدلاً من ذلك، يتعين على الدول النووية وغيرها أن تعتمد مبادئ معيارية جديدة من شأنها أن تضع حواجز إضافية أمام التصعيد النووي. فعلى سبيل المثال، أصبحت محطات الطاقة النووية أهدافاً في الحروب الدائرة في أوكرانيا والشرق الأوسط. وقد حثت الوكالة الدولية للطاقة الذرية الدول على التعهد بعدم مهاجمة المحطات النووية أثناء الحروب. وقد اتفقت الهند وباكستان بالفعل على عدم مهاجمة المنشآت المرتبطة بالأنشطة النووية التابعة للطرف الآخر؛ ففي كل عام، في يوم رأس السنة الجديدة، يتبادلان قوائم بالمنشآت النووية التي يتفقان على عدم استهدافها بالأسلحة التقليدية. وكما اقترح بعض المحللين، ينبغي للدول عموماً أن تتعهد بتجنب استهداف المناطق المحيطة بالمنشآت التي تضم رؤوساً نووية. ويمكن توسيع نطاق هذه التعهدات لتشمل جميع المنشآت النووية العسكرية، ويمكن للدول التي تملك الأسلحة النووية أن تتبناها. وفي مرحلة لاحقة، يمكن اعتماد هذا التعهد عالمياً، ومنح جميع الدول فرصة الانضمام إليه.
قد لا تكون الاستثمارات في تحديث الترسانات النووية مجدية
والهدف من ذلك هو توسيع نطاق المحظور النووي ليشمل الهجمات التقليدية على الأهداف النووية، سواء كانت مدنية (مثل محطات الطاقة النووية) أو عسكرية (مثل منشآت الأسلحة النووية). وينبغي أن تجد الدول النووية وغير النووية على حد سواء مصلحة في مثل هذه التعهدات. فحتى بالنسبة إلى الدول غير النووية، من شأن هذه الخطوة أن تعزز القواعد والمعايير الدولية المناهضة لاستخدام الأسلحة النووية من خلال الحد من مخاطر التصعيد غير المقصود. كذلك ستمنع وقوع كارثة إشعاعية قد تنجم عن هجوم تقليدي على منشأة نووية.
واستطراداً، ينبغي على الدول غير النووية التي تفكر حالياً في امتلاك أسلحة نووية أن تعيد النظر في قرارها. فقد ثبت أن الردع النووي الإسرائيلي الغامض لا يشكل عائقاً أمام الهجمات التقليدية، وكذلك الحال بالنسبة إلى الردع النووي الروسي الصريح والضخم. لذا، قد تُفضل الدول الطامحة إلى امتلاك أسلحة نووية تعزيز دفاعاتها التقليدية وقدرتها على الصمود في وجه الهجمات التقليدية والهجينة. وينبغي لحلفاء الولايات المتحدة أن يبذلوا قصارى جهدهم لضمان صيانة قدرات الردع الموسعة الموجودة على أراضيهم والحفاظ على جاهزيتها من خلال التدريبات المنتظمة. فالحلفاء قد لا يتمكنون من التنبؤ بسلوك أي رئيس أميركي، لكن بإمكانهم التأكد من أن قدرات الردع النووي الموسعة المنتشرة على أراضيهم صالحة لأداء مهمتها وجاهزة للعمل عند الحاجة.
وفي هذه اللحظة النووية المربكة، قد تواجه الدول حالة من عدم اليقين، ما قد يؤدي إلى استنتاجات خاطئة. ويتمثل السيناريو الأسوأ في أن تتجاهل القوى النووية الدروس المستخلصة من الحروب الحالية، وأن تواصل تعزيز هيكل قوتها النووية بشكل أعمى، من دون أن تأخذ في الحسبان التهديدات التقليدية الجديدة التي ستواجهها من كل حدب وصوب، وليس فقط من خصومها النوويين التقليديين. فحتى الجماعات المسلحة، من المرجح أن تمتلك، في وقت قريب، أعداداً كبيرة من الطائرات المسيرة والصواريخ السريعة والدقيقة، وغير المكلفة. وقد لا يكون الهجوم الإرهابي المقبل على هدف أميركي موجهاً ضد أبراج شاهقة في مدينة ساحلية كبرى، بل قد يستهدف مواقع انتشار الأسلحة النووية، وربما حتى في قلب الولايات المتحدة، إذا حصل الإرهابيون على صواريخ أبعد مدى.
إن الحل لمواجهة مثل هذه التهديدات لا يكمن في امتلاك مزيد من الأسلحة النووية، إذ إن قدرتها على الردع أصبحت موضع شك بشكل واضح. وبدلاً من ذلك، يتعين على البلدان أن تدرك طبيعة التحولات الجارية في الحرب التقليدية وأن تفهم كيف باتت الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية تهدد الدور الاستراتيجي المركزي للأسلحة النووية. ويتعين على الحكومات أن تعمل على تطوير دفاعات أفضل، وبناء حصن مرن وقادر على الصمود في وجه الهجمات التقليدية على قواتها النووية. ويتعين عليها أن تعمل على ترسيخ معايير وقواعد تثبط استخدام الأسلحة النووية وتمنع وقوع كوارث إشعاعية. وبهذه الطريقة، يمكن للأسلحة النووية أن تستمر في أداء وظيفتها المتمثلة في ردع القوى النووية الأخرى عن الهجوم، ومنع التصعيد الذي قد يقود إلى كارثة.
روز غوتيمولر هي محاضرة في كرسي ويليام جاي بيري في مركز التعاون والأمن الدولي، وزميلة باحثة في معهد هوفر بجامعة ستانفورد. وفي الفترة الممتدة بين 2016 و2019، شغلت منصب نائبة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي. وهي مؤلفة كتاب "الأمن عبر التعاون: الفضاء والأسلحة النووية والعلاقات الأميركية الروسية بعد الحرب الباردة".
مترجم عن "فورين أفيرز"، يوليو (تموز)/ أغسطس (آب) 2026