ملخص
يظهر إهمال الجانب الأيسر أو الإهمال النصفي المكاني بصورة أوضح في صعوبة ملاحظة الأشياء الموجودة على الجانب الأيسر. فمثلاً، قد يصطدم الناجون الذين يعانون إهمال الجانب الأيسر بإطارات الأبواب على جانبهم الأيسر أو قد لا يلاحظون تناول الطعام الموجود على الجانب الأيسر من الأطباق، وغالباً ما يبدو الأمر كما لو أنهم لا يرون الأشياء الموجودة على اليسار، لكن هذه ليست مشكلة بصرية حقيقية، بل هي مشكلة انتباه.
تخيل أنك تتجاهل نصف عالمك من دون أن تدرك ذلك، كأن تأكل نصف الطبق وتترك الآخر، أن تحلق نصف ذقنك الأيمن ولا ترى النصف الأيسر، أو أن تقرأ النص بدءاً من منتصف الصفحة، أن تمشي ولا تدرك كل ما هو على يسارك، فأنت فقط ترى الجزء الأيمن من العالم. في الحقيقة هذا ليس خيالاً إلا للأصحاء، أما أولئك المصابون بما يسمى الإهمال النصف المكاني، فإنهم يعيشون النصف من كل شيء، وبسبب إصابتهم في الجانب الأيمن لا ينظر ولا يلوي رأسه المريض إلى اليسار، ولا ينتبه للمحفزات البصرية أو السمعية أو اللمسية الواقعة على يساره، لذلك غالباً ما يأكلون فقط من الجانب الأيمن للطبق، أو يرسمون نصف الأشياء الأيمن فقط عند نسخها، أو يقرأون نصف الجمل أو الكلمات من دون أن يعانوا أي عجز حسي يفسر ذلك.
مشكلة انتباه
يُعد الإهمال البصري المكاني الأيسر مؤشراً معروفاً إلى ضعف النتائج الوظيفية بعد السكتة الدماغية في النصف الأيمن من الدماغ، وعلى مدى الأعوام الـ60 الماضية، وُصفت وقُيمت 18 طريقة مختلفة تهدف إلى الحد من آثار هذا الخلل. وعلى رغم وجود بعض الأسباب للتفاؤل، لا سيما في ما يتعلق بالتأثيرات القصيرة المدى على الخلل، فإن درجة الإعاقة التي يعانيها كثير من المرضى لا تزال مرتفعة، كذلك الفاعلية السريرية للطرق المختلفة من ناحية التحسن الوظيفي الطويل الأمد (أي تحسن الإعاقة أو العجز) غير واضحة.
فقد تُسبب إصابة النصف الأيمن من الدماغ إهمالاً للنصف الأيسر، وتُعرف هذه الحالة أيضاً باسم إهمال الجانب الأيسر، أو الإهمال الأحادي الجانب، أو الإهمال النصفي المكاني، وهي من أغرب أعراض إصابات الدماغ، وقد تكون من أكثرها إزعاجاً. ويُستخدم مصطلح "إهمال الجانب الأيسر" لوصف نقص الوعي الذي يحدث بعد إصابة الجانب الأيمن من الدماغ، وبسبب هذه الإصابة، يجد الدماغ صعوبة في التركيز على الأشياء التي تقع في النصف الأيسر من الدماغ.
إذ يظهر إهمال الجانب الأيسر أو الإهمال النصفي المكاني بصورة أوضح في صعوبة ملاحظة الأشياء الموجودة على الجانب الأيسر. فمثلاً، قد يصطدم الناجون الذين يعانون إهمال الجانب الأيسر بإطارات الأبواب على جانبهم الأيسر أو قد لا يلاحظون تناول الطعام الموجود على الجانب الأيسر من الأطباق، وغالباً ما يبدو الأمر كما لو أنهم لا يرون الأشياء الموجودة على اليسار، لكن هذه ليست مشكلة بصرية حقيقية، بل هي مشكلة انتباه.
عملية تجاهل
يقول المحاضر الأول في علم الأعصاب في إمبريال كوليدج لندن، الطبيب باريش مالهوترا "عادة ما يحدث الإهمال النصفي المكاني بعد السكتة الدماغية، فهو ليس عمى في إحدى العينين وليس تلفاً في القشرة الحسية الأولية، بل هو عملية تجاهل، إن صح التعبير، جانب واحد من الفضاء". فألن بورغيس البالغ من العمر 64 سنة، كان قد تدرب في الأصل كرسام تصميم أدوات، وقبل إصابته بالجلطة، كان يعمل سائقاً، إلا أن ضعف بصره حال دون قدرته على القيادة، مما اضطره إلى التقاعد المبكر، والأهم أنه لم يسبق له أن مارس الرسم قبل إصابته بالجلطة، لكنه أصبح متنفساً مهماً له بعدها.
ولكن بالنظر إلى أعماله الفنية، لن تكون الألوان الزاهية وحدها ما يلفت الانتباه، فقد عرض على الطبيب مالهوترا رسماً تخطيطياً لخنزير نصف رأسه مفقود، ثم لطائرين من طيور أبو الحناء منسوخين من بطاقة معايدة لعيد الميلاد، وكان الطائر على اليمين مليئاً بالتفاصيل الدقيقة، أما الطائر على اليسار فبقي غير مكتمل. وعن هذا يقول مالهوترا "إن حاسة البصر تتأثر بصورة ملحوظة لأننا كائنات بصرية، ولكن حاسة السمع واللمس والتمثيل والشعور بالذات تتأثر أيضاً".
لذلك فغالباً ما يكون الأشخاص المصابون بإهمال نصف المجال البصري غير مدركين لحالتهم، وقد يقترح عليهم الأصدقاء أو الأقارب النظر إلى الجانب المهمل من دماغهم، لكن هذا التوجيه يُسيء فهم المشكلة التي يواجهونها في التنقل بالمساحة المحيطة بهم. فمثل حالة بورغيس ومن يعانون مثله إهمال النصف المكاني، لا يدركون أن شيئاً ما مفقود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لمن هذه الذراع في سريري
إن الدماغ في هذه الحالة لا يولي اهتماماً للمعلومات الصادرة من الجانب الأيسر للشخص، فقد يتمتع الناجي بمهارات بصرية ممتازة، إلا أن الرسالة التي يرسلها دماغه هي أن الجانب الأيسر من عالمه غير موجود أساساً، مما يؤدي إلى إهمال الجانب الأيسر من الرؤية. ولكن لا يقتصر إهمال الجانب الأيسر على الجوانب البصرية فحسب، بل قد يتجلى أيضاً في عدم الانتباه للصوت أو اللمس في الجانب الأيسر. فمثلاً، قد يشكو الناجون ضعف السمع في أذنهم اليسرى، على رغم أن فحوصات السمع تُظهر سلامة السمع لديهم، وقد لا يلاحظ الناجون انحشار أيديهم اليسرى في عجلات كراسيهم المتحركة، مما يؤدي إلى إصابتها، وفي الحالات الشديدة قد لا يتعرف الناجون إلى أطرافهم اليسرى كجزء من أجسادهم، وقد يتساءلون "لمن هذه الذراع في سريري؟".
لذا تؤدي الاختلافات الدقيقة في الضرر الذي لحق بأجزاء مختلفة قليلاً من الجانب الأيمن من الدماغ إلى مظاهر مميزة بصورة ملحوظة للإهمال الأيسر، مما يجعل تجارب كل ناجٍ مختلفة، وقد تؤدي أعراض إهمال الجانب الأيسر إلى صعوبات كبيرة قد تُسبب مشكلات خطرة تتعلق بالسلامة. وعلى سبيل المثال قد لا ينتبه الناجي إلى قدر ماء يغلي موضوع على الموقد على جانبه الأيسر، فيصطدم به، مما يُسبب حروقاً خطرة نتيجة انسكاب الماء المغلي. وبالمثل، قد لا ينتبه الناجي للسيارات على يساره ويحاول عبور شارع مزدحم في لحظة غير مناسبة، مما يعرضه لخطر الدهس، إذ من الشائع أن يعاني الناجون الذين يعانون إهمال الجانب الأيسر كدمات متكررة في الجانب الأيسر من أجسامهم نتيجة اصطدامهم بالأشياء.
التكنولوجيا تيسر الفهم والعلاج
وعليه، يضطر ألن في كثير من الأحيان إلى التوقف والتفكير ليفهم العالم من حوله، فأثناء سيره في الشارع يلتزم الجانب الأيمن من الرصيف، محاذياً الجدران والأسوار النباتية، ولن يلاحظ أي أخطار محتملة قادمة من اليسار، لذا لا يستطيع الخروج بمفرده. وهنا يقول مالهوترا "لا أستطيع وصف كيف يبدو العالم عند إهمال المرضى، فجزء من صعوبة الأمر يكمن في أننا لا ندرك حقاً كيف يبدو العالم لأنفسنا، فنحن نعتقد أنه مجرد شاشة جميلة يمكننا من خلالها رؤية كل شيء، لكن هذا شيء يقوم دماغنا بمعالجته وإخبارنا أننا نراه".
ولكن للطبيب تيموثي ريتش رأي آخر، إذ يركز بحث ريتش الحالي، على المظهر المحدد لعسر القراءة الناتج عن إهمال الجانب الأيسر، وهو اضطراب في القراءة يتسبب في حذف أو تشويه بدايات الكلمات أو سطور النص (أي الجانب الأيسر). ولدراسة هذا الاضطراب، يستخدم نظارات مبتكرة لتتبع حركة العين، تسمح للمشاركين بالتحرك بصورة طبيعية، بدلاً من الجلوس ورؤوسهم مثبتة على مسند للذقن، فتاريخياً، لم يكن بإمكان الباحثين قياس حركة العين إلا عندما يكون رأس المشارك ثابتاً، وهذه القيود جعلت البيانات دقيقة ولكنها غير واقعية.
لذا فقد صرّح ريتش قائلاً "بفضل التكنولوجيا القابلة للارتداء الجديدة، يمكننا أخيراً أن نرى كيف تعمل العينان والرأس معاً في القراءة اليومية، فلم يسبق لأحد أن نظر حقاً في حركات الرأس لدى هذه الفئة من السكان، لكنها قد تكون أداة تعويضية رئيسة"، إذ يهدف ريتش في البداية إلى تحسين التقييم من خلال تطوير أدوات أكثر دقة مدعومة بالتكنولوجيا، قادرة على رصد التغيرات الطفيفة في الانتباه المكاني، وفي المقابل، يمكن لعمله أن يرسي الأساس لعلاج أفضل، مستفيداً مما يتعلمه عن أنماط النظر الطبيعية لابتكار تدخلات تدعم السلوك الآمن والوظيفي.