Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تسييل وتقسيط... شركات التمويل مصيدة المصريين

أصبحت ملاذاً لكثر بعدما تحصلوا على مبالغ مالية من دون ضمانات كافية وسط شكاوى متزايدة من انتهاكات شركات التحصيل في حالة التعثر

يقدم التمويل الاستهلاكي خدمات مالية تتيح للأفراد شراء منتجات أو خدمات ودفع ثمنها على أقساط (ذكاء اصطناعي)

ملخص

الرسائل النصية المعتادة من شركة التمويل إلى معاذ للتذكير بموعد دفع القسط المتأخر، تبعتها بعد ثلاثة أشهر من عدم السداد رسائل أخرى من رقم شخص قال إنه من مكتب للتحصيل، طالب فيها بسرعة سداد المتأخرات وغرامات التأخير، ثم مكالمات استخدم فيها ذلك الموظف لهجة أكثر حدة، مثل مخاطبة معاذ بـ"يا مديون"، و"أنا هاجي لك البيت أفضحك"، مما دفع الشاب إلى الاقتراض من عدة أصدقاء لدفع جزء من مستحقات الشركة، تجنباً لـ"الفضيحة" أمام جيرانه في منزله الجديد، وإساءة صورته أمام عروسه بعد أسابيع من الزواج.

مع تضاعف الإقبال على شركات التمويل الاستهلاكي بوصفها حلاً سريعاً للضائقة المالية لدى ملايين المصريين، تحولت مليارات الجنيهات المتاحة للتمويل إلى أداة تحايل من مواطنين وتجار على الشركات، في مقابل انتهاكات يقول عملاء إنهم تعرضوا لها عند التعثر في السداد، وسط اتهامات من خبراء للشركات بأنها تسهم في "توريط" العميل عبر إغرائه بأموال تعلم أنه "لن يستطيع" سدادها، ليتحول الحل التمويلي إلى عقدة تهدد بيوتاً مصرية كثيرة.

ويهتم التمويل الاستهلاكي بتقديم خدمات مالية تتيح للأفراد شراء منتجات أو خدمات ودفع ثمنها على أقساط خلال فترة محددة لا تقل عن ستة أشهر، وغالباً ما تكون تلك الأقساط محمّلة بفوائد تصل أحياناً إلى 40 في المئة من المبلغ، وفقاً للقيمة ومدة التقسيط، وفي حالات معينة تكون الأقساط من دون فوائد، لكنها لا تتعدى 12 شهراً.

نشاط التمويل الاستهلاكي الذي بدأ تنظيمه وفق قانون صدر عام 2020 نشط سريعاً، إذ بلغ عدد العملاء 10.8 في 44 شركة بنهاية العام الماضي، مقابل نحو 4 ملايين عميل عام 2024، وفق تصريحات رئيس اتحاد التمويل الاستهلاكي سعيد زعتر.

وتجاوز إجمال قيمة التمويلات 96.3 مليار جنيه عام 2025 ارتفاعاً من 61.3 مليار جنيه في العام السابق، وفق تقرير للهيئة العامة للرقابة المالية التي أفاد أحدث تقاريرها بأن الارتفاع مستمر في عدد العملاء بإضافة 2.48 مليون عميل، خلال أول شهرين من العام الحالي بزيادة 64 في المئة على الفترة نفسها من عام 2025، فيما منحت الشركات تمويلات بقيمة 19.3 مليار جنيه، مقابل 11.94 مليار جنيه في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بزيادة نحو 62 في المئة.

وعلى عكس البطاقات الائتمانية البنكية أو القروض المصرفية التقليدية، لا تطلب شركات التمويل الاستهلاكي لتفعيل الحساب على تطبيقها سوى تقديم صورة بطاقة (هوية) العميل إلى أحد مكاتبها المنتشرة داخل المحال والمراكز التجارية، وهو ما يغري كثراً بالاتجاه إلى تلك الشركات بدلاً من البنوك التي تطلب إثباتاً للدخل وحداً أدنى للإيداع قبل فتح الحساب، إضافة إلى مصاريف الحساب المصرفي المتفاوتة من بنك لآخر.

هذا رصيدك "يا مديون"

فور فتح الحساب للعميل في أبلكيشن (تطبيق) شركة التمويل، يُحدد له رصيد متاح للشراء لا السحب النقدي، وذلك وفق قاعدة بيانات الجدارة الائتمانية للعملاء أو ما يعرف بـ"I-score". وفي حالات كثيرة يتيح التطبيق أرصدة كبيرة لعملاء ليس لديهم دخل يتناسب مع ما قد يقترضونه منها، إذ استعان معاذ صبري (29 سنة) بأحد تلك التطبيقات لشراء باقي مستلزمات شقته بعد انتهاء مدخراته قبيل حفل زفافه، وفوجئ السائق بأحد تطبيقات النقل الذكي بأن الشركة أتاحت له 250 ألف جنيه (4797 دولاراً) رصيداً محتملاً، أي إنه يمكنه شراء وتقسيط منتجات بتلك القيمة، على رغم عدم وجود أي وثيقة تثبت دخله باعتبار أن السيارة التي يعمل عليها ليست ملكه.

شعور معاذ بأنه يملك ربع مليون جنيه دفعه إلى شراء منتجات بأكثر من 100 ألف جنيه، على رغم أن ما ينقصه من أساسات قبل الزفاف لم يكن يتعدى 50 ألف جنيه. في حديثه إلى "اندبندنت عربية" قال الشاب العشريني إنه لم يفكر حينها في الفائدة المقدرة بـ30 في المئة سنوياً على المنتجات التي اشتراها، ولم يكتشف فداحة الدين سوى بعد شهرين من الزفاف حين تراكمت عليه ثلاثة أقساط لم يستطع دفعها، لأن حاجاته المالية زادت بعدما "فتح بيت".

الرسائل النصية المعتادة من شركة التمويل إلى معاذ للتذكير بموعد دفع القسط المتأخر، تبعتها بعد ثلاثة أشهر من عدم السداد رسائل أخرى من رقم شخص قال إنه من مكتب للتحصيل، طالب فيها بسرعة سداد المتأخرات وغرامات التأخير، ثم مكالمات استخدم فيها ذلك الموظف لهجة أكثر حدة، مثل مخاطبة معاذ بـ"يا مديون"، و"أنا هاجي لك البيت أفضحك"، مما دفع الشاب إلى الاقتراض من عدة أصدقاء لدفع جزء من مستحقات الشركة، تجنباً لـ"الفضيحة" أمام جيرانه في منزله الجديد، وإساءة صورته أمام عروسه بعد أسابيع من الزواج.

 

أما نرمين محمد فتعرضت لموقف أصعب، فبعد تعثرها في دفع أربعة أقساط لأحد أشهر تطبيقات التمويل الاستهلاكي، لاحقها موظفو الشركة على رغم توضيحها أنها التزمت لأكثر من عام لكنها تركت العمل، مطالبة بفرصة للسداد فور حصولها على عمل جديد.

تقول نرمين لـ"اندبندنت عربية"، إن الشركة أحالت ملفها إلى أحد مكاتب التحصيل الذي لاحقها برسائل يومية عبر "واتساب" مطالباً بسداد الأقساط، وعلى رغم توضيح موقفها وأنها لا تتهرب هددها موظفوه بفضحها أمام جيرانها في منطقة سكنها، وهو ما حدث حين فوجئت بموظفة من مكتب التحصيل أمام بيتها وتوجه إليها ألفاظاً نابية أمام جيرانها، موضحة أنها هددتها بالحبس في حال عدم سداد المديونية بالكامل.

حازم إبراهيم تعرض لتهديدات موظفي مكتب التحصيل بالقدوم إلى منزله ومقر عمله وفضحه أمام جيرانه وزملائه، إذا لم يسدد متأخرات أقساط شاشة تلفزيون وغسالة اشتراهما عبر أحد تطبيقات التمويل، لكن حازم كان أكثر إيجابية ولجأ إلى خدمة العملاء في شركة التمويل للشكوى من ممارسات مكتب التحصيل، لكنهم اكتفوا باعتذار شفهي مبررين الأمر بأنها "مكاتب خارجية تؤدي مهمتها"، مطالبين إياه بسداد المتأخرات فوراً.

وللتخلص من المطاردة وتجنباً لتفاقم الأزمة، قدم الشاب شكوى في الشركة لهيئة الرقابة المالية بسبب الغرامات الإضافية، لكنه في النهاية اقترض المبلغ من أحد أصدقائه مسدداً المديونية، وقرر وضع خطة مالية لسداد كل الأقساط وغلق التطبيق نهائياً.

هذه الحالات تشبه آلافاً أخرى، وتنتشر الشكاوى على مواقع التواصل الاجتماعي دون حلول، فعلى موقع "فيسبوك" يوجد 33 ألف شخص في مجموعة "متضررو تطبيقات القروض والنصب الإلكتروني في مصر".

التحصيل... من الرسائل الإلكترونية إلى الطرق على الأبواب

في المقابل، يصف عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي أحمد أسامة تلك الممارسات بالفردية التي لا ترضاها الشركات، مؤكداً في تصريحات تلفزيونية ضرورة التزام العملاء بدفع الأقساط وفق العلاقة التعاقدية مع الشركة.

لكن شهادة حصلت عليها "اندبندبنت عربية" من موظف سابق في شركتين من كبرى الشركات بمجال التمويل الاستهلاكي، تشير إلى أن التحصيل بأي طريقة "لا يعد سلوكاً فردياً"، إذ كشف محسن سمير (اسم مستعار) عن أن الشركات تعتمد في البداية على موظفي المبيعات (السيلز) لإلزام العميل بخطة دفع الأقساط الشهرية ومتابعة المتأخرات، في حين تخصص شركات أخرى فرقاً مستقلة للتحصيل.

وأضاف أنه مع تزايد حجم التعثر، تلجأ الشركات إلى مكاتب وشركات تحصيل خارجية لتولي المهمة دون ربط اسمها بالشركة بصورة مباشرة، نظراً إلى أن البنوك هي الجهات الوحيدة التي تملك الحق القانوني في رفع قضايا على العملاء المتعثرين، بينما لا تتمتع شركات التمويل الاستهلاكي بهذا الحق.

وأشار سمير إلى أن موظفي التحصيل يطالبون العملاء بالسداد عبر المكالمات المكثفة والرسائل، وقد يصل الأمر في بعض الشركات إلى إرسال مندوبين إلى منازل العملاء بناءً على حجم المبالغ ومستويات التأخر وردود فعلهم. وأفاد بأن الموظفين يلتزمون بمستهدفات محددة (تارجت) للتمويل والتحصيل، وعلى أساس نسبة الوصول إلى المستهدف تحدد نسب الحوافز المالية التي تكون الجانب الأكبر من دخلهم، لأن الراتب الأساس ضئيل، بالتالي يجد الموظف نفسه أمام إشكالية الاضطرار لتحصيل الأموال من العملاء بأي صورة كي لا يتأثر دخله في نهاية الشهر، مشيراً إلى أن معدل تغيير الموظفين سريع في تلك الشركات لصعوبة بيئة العمل.

 

وذكر الموظف السابق أن طبيعة العمل التي شاهدها في الشركتين هي الاعتماد على إشعار العميل بالتهديد بحدوث مشكلة في حال عدم السداد، إذ يتدرب الموظفون الجدد عبر الاستماع إلى مكالمات زملائهم الأقدم لاتباع هذا الأسلوب بوصفه الوسيلة الفعالة لتحصيل الأموال، مشيراً إلى أن الأسلوب المهذب في التعامل مع العميل لا يؤتي ثماره في تحصيل المتأخرات.

وأشار إلى أن الشركات تضع موظفيها في الواجهة وتتخلى عن حمايتهم في حال تعرضهم لأزمات، مستشهداً بواقعة لزملائه توجه فيها موظفون لتهديد أحد العملاء المتعثرين، فقام الأخير باحتجازهم داخل محله التجاري وتهديدهم بالخطف، دون أن تتحرك الشركة لمساعدتهم إلا في اليوم التالي، بينما كان الموظفون قد نجحوا في حل الأزمة ودياً مع العميل للسماح لهم بالخروج، وبخاصة أن موظفة كانت بين الفريق.

خبير التشريعات الاقتصادية أحمد سعيد أوضح أن بعض شركات التمويل الاستهلاكي تستعين بمكاتب محاماة مستقلة، تمارس ما وصفه بـ"الملاحقة الشخصية" ترهيباً للعملاء وانتظارهم أسفل منازلهم أو مقار عملهم، مؤكداً أن هذا الإجراء غير قانوني ويمثل "جريمة ترويع وإهانة".

يقول سعيد لـ"اندبندنت عربية" إن المسار الشرعي الوحيد لملاحقة العملاء غير الملتزمين بالسداد هو "الملاحقة القانونية" عبر الإنذارات الرسمية والمحاكم، إذ لا تمتلك هذه الشركات سلطة تنفيذية، إنما يتعين عليها الحصول على حكم قضائي ليقوم "معاون التنفيذ" بالمحكمة رفقة قوات الشرطة بإجراءات الحجز القانوني على المنقولات.

ولا ينص القانون على حبس المتعثرين في سداد مديونية شركات التمويل الاستهلاكي، و"أقصى العقوبات تتمثل في الحجز على بعض الممتلكات أو تدهور الجدارة الائتمانية للعميل"، وفق تصريحات صحافية لرئيس الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي.

ودعا سعيد المواطنين إلى الاتصال بالشرطة فوراً في حال التعرض لأي ملاحقة شخصية أو ترهيب، لافتاً إلى أن الهيئة العامة للرقابة المالية ألزمت هذه الشركات بالتأمين على التمويلات ضد العجز والوفاة لحماية أموالها، بمبلغ يساوي رصيد التمويل المستحق على العميل، مما يعني أن شركات التمويل قد ضمنت الحصول على أموالها، بالتالي لا يوجد مبرر لإهانة المواطنين. وأكد أن العقاب الحقيقي للمتعثر هو حرمان العميل من تقييمه الائتماني (آي سكور) ومنعه من الحصول على تمويلات مستقبلاً، ليكون التمويل أداة لمساعدة الشباب والمستهلكين على الإنتاج لا تخويفهم.

 

كذلك، أكد المحامي محمد فؤاد أنه لا يوجد كيان قانوني تحت مسمى "شركة تحصيل ديون"، بل إن شركات التمويل تُسند هذه المهمة إلى مكاتب محاماة أو مكاتب محاسبة قانونية تتولى نيابة عنها عملية ملاحقة العملاء والمطالبة بالتحصيل، وذلك لتوفير نفقات تأسيس قطاع كامل للشؤون القانونية، ولتجنب المساءلة المباشرة عن أي تجاوزات قد تصدر من موظفيها المعينين.

وفي حديثه إلى "اندبندنت عربية" أشار إلى أن هذه المكاتب تحصل مقابل خدماتها على نسبة من قيمة المديونية التي يسددها العميل، وتختلف بحسب قيمة المديونية والجهة، إلا أنها في الغالب لا تقل عن 20 إلى 25 في المئة من قيمة المبلغ المحصل، على غرار آلية العمل في قضايا التعويضات.

ورصد فؤاد من خلال عمله على قضايا مشابهة عدداً من الممارسات غير القانونية التي تمارسها بعض مكاتب التحصيل للضغط على العملاء، وتتمثل في الاتصالات المتكررة ورسائل التهديد عبر تطبيق "واتساب"، وإرسال الإنذارات التي تصل في بعض الأحيان إلى حد التجاوزات اللفظية والشتائم، مؤكداً أن هذه الممارسات تنطوي على شق قانوني خطر يتعلق بـ"انتهاك سرية بيانات العملاء"، إذ إن العميل يربطه عقد رسمي مع شركة القرض ينص على سرية بياناته، وحين يجري تسريب هذه المعلومات الحساسة لأشخاص ووكلاء خارجيين واستخدامها في التهديد، يصبح هذا الإجراء بحد ذاته مادة للمقاضاة القانونية ضد الشركة.

من يضبط فوضى التحصيل؟

وتتناقض ممارسات مكاتب التحصيل مع قرار أصدرته الهيئة العامة للرقابة المالية في يناير (كانون الثاني) الماضي، في شأن تنظيم شركات وجهات تحصيل مستحقات شركات التمويل غير المصرفي، اشترط الوجود في سجل لقيد تلك الجهات، ومنع التعامل مع جهات التحصيل غير المقيدة، وذلك "بما يضمن حماية حقوق العملاء وتعزيز الانضباط والحوكمة داخل أنشطة التمويل غير المصرفي"، وفق بيان للهيئة.

وألزم القرار شركات التمويل غير المصرفي عند التعامل مع شركات التحصيل المقيدة بالسجل، "بإخطار العملاء ببيانات شركة التحصيل المصرح لها بالسداد، ووسائل التحقق من هوية المحصلين وبيانات التواصل معهم، والبيانات التي يحظر على العميل الإفصاح عنها".

ويرى خبير التشريعات الاقتصادية أحمد سعيد أن قطاع التمويل الاستهلاكي الذي عملت الدولة على تقنينه، كان الهدف منه إتاحة حلول تمويلية تحتاج إليها قطاعات كبيرة من المصريين، لكن الممارسة الفعلية شهدت عدداً من الأنشطة غير المنضبطة، إذ توجد "فوضى مخيفة" بغياب سقف محدد لأسعار الفائدة، إذ تلجأ بعض الشركات إلى فرض فوائد تصل إلى 50 في المئة دون الإعلان عنها بوضوح بدعوى نقص الضمانات، فضلاً عن استمرار بعضها في إجبار المواطنين على توقيع "إيصالات أمانة" على رغم حظر هذا الإجراء قانوناً، معتبراً أن تمرير قروض لسلع غير إنتاجية لأشخاص لا تسمح دخولهم بالسداد يمثل خللاً مقصوداً في دراسة الجدارة الائتمانية للعميل.

 

وطالب سعيد بتدخل تشريعي ورقابي لـ"تهذيب" وتقنين ممارسات التمويل الاستهلاكي في مصر، مشدداً على أن وجود مخالفات وفوضى في آليات التحصيل وأسعار الفائدة لا يعني منع هذا القطاع الحيوي، بل يتطلب ضبطه وتوجيهه نحو الأغراض التنموية.

فيما يدافع مسؤولو تلك الشركات عن مستويات الرقابة لديها، إذ قال الرئيس التنفيذي لإحدى شركات التمويل الاستهلاكي وليد حسونة إن شركات القطاع تلتزم بضوابط ائتمانية صارمة، على رأسها أن لا تتجاوز أقساط والتزامات العميل الشهرية 50 في المئة من دخله، إلى جانب إجراء تقييم ائتماني (آي سكور) قبل منح التمويل، وفق تصريحات صحافية.

هذه حيلتي: "تسييل الرصيد"

وفي مقابل شكاوى العملاء من ممارسات الشركات، تبرز تحذيرات مقابلة من الشركات في شأن اتجاه بعض العملاء إلى تحويل "أرصدتهم المفترضة" في التطبيقات إلى أموال نقدية، لمواجهة ضائقة مالية أو التعامل مع حدث طارئ، مثل أحمد سمير الموظف الإداري بإحدى المدارس الخاصة، الذي حاول اقتراض 50 ألف جنيه (958 دولاراً) لإجراء جراحة لوالدته في الجهاز الهضمي، عجز عن تدبيرها من دائرة معارفه وأصدقائه، فنصحه أحد أصدقائه باللجوء إلى تطبيقات التمويل الاستهلاكي.

أتاح التطبيق لسمير رصيداً بقيمة 60 ألف جنيه، فلجأ إلى حيلة "تسييل سعر المنتج" مقابل خسارة جزء من ثمنه، إذ اشترى هاتفاً بذلك المبلغ بالتقسيط على 12 شهراً دون فوائد أو مصروفات إدارية. وفي اليوم التالي، باع أحمد الهاتف إلى صديقه في محل الهواتف بمقابل 54 ألف جنيه، ليتمكن من سداد كلفة العملية الجراحية لوالدته.

واعتبر الشاب، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن خسارة الـ6 آلاف جنيه مقبولة بالنسبة إليه في ظل صعوبة اقتراض المبلغ سريعاً، إضافة إلى إمكانية سداده لاحقاً دون ملاحقته من أي مقترض آخر.

على عكس أحمد، لم يفلح محمد فرغلي سائق تاكسي في تسييل رصيد 40 ألف جنيه يمتلكها بأحد أشهر تطبيقات التمويل الاستهلاكي، فقرر اللجوء إلى ما يعرف عبر مواقع التواصل الاجتماعي بـ"تسييل الكاش"، في ظل حاجته إلى المال لإجراء "عمرة محرك" لسيارته.

تواصل فرغلي مع أحد "تجار الكاش" وأرسل إليه رقم الهاتف المسجل بالتطبيق، وبعد إنهاء الإجراءات حول التاجر مبلغ 34000 جنيه (85 في المئة) من إجمال المبلغ فقط للسائق على محفظته الإلكترونية.

وإلى جانب خسارته 6 آلاف جنيه من رصيده في التطبيق، قام التاجر بتقسيط المبلغ على 12 شهراً بفوائد 15 في المئة يدفعها فرغلي لشركة التمويل، مما ضاعف خسارته، لكنه قال لـ"اندبندنت عربية" إنه كان مضطراً للحصول على المال بتلك الطريقة كي لا يتعطل التاكسي مصدر رزقه الوحيد.

 

وتبين لنا من خلال التواصل مع ثلاثة تجار في القاهرة والجيزة والإسكندرية أن "تسييل الكاش" أصبح سلعة رابحة لكثير من التجار، وتعني أن التاجر يدوّن على التطبيق شراء منتج ما بنظام التقسيط صورياً دون بيع فعلي، مقابل منح مقابل المنتج نقداً، وهو الرصيد المفترض في التطبيق إلى العميل، مع خصم نسبة بالطبع لمصلحة التاجر، بالتالي يدفع العميل في مقابل النقد الفوري أقساط منتج لم يشترِه محملة بالفوائد، إضافة إلى ما خسره من رصيد محتمل حصل عليه التاجر.

وقال التجار الثلاثة إن التسييل يجري مقابل أرباح تراوح ما بين 9 و15 في المئة من المبلغ، موضحين أن العميل تقع عليه خسارة أكبر بسبب الفوائد على أقساط المبلغ في حال تقسيطها على أكثر من ستة أشهر.

أحد التجار، وهو صاحب محل هواتف بأحد المراكز التجارية الشهيرة في حي مدينة نصر شرق القاهرة، قال إن العميل ينفذ معاملة شراء وهمية من متجره دون الحصول على أي منتج ثم يتسلم المبلغ. ويعرض هذا التاجر خدماته عبر إعلانات على "فيسبوك" وتواصلنا معه من خلالها.

فيما أوضح تاجر آخر في محافظة الإسكندرية، أنه يحصل على مكاسب أكبر من عملية "التسييل" من مقابل بيع الهواتف، مشيراً إلى حصوله على نحو 13 في المئة من رصيد العميل، إضافة إلى نسبته من الفوائد على الأقساط وعدم احتياجه إلى شراء بضاعة جديدة بأسعار مختلفة، بالتالي يستخدم "منتجاً واحداً" في تحقيق أرباح متراكمة.

ويلجأ بعض "تجار التسييل" إلى العمل أونلاين، إذ يطلب التاجر من العميل اسمه الرباعي ورقم الهاتف المسجل عليه التطبيق ورقم بطاقة الرقمي القومي، وبعد الحصول على كلمة السر المتغيرة OTP من العميل وإنهاء العملية، يقوم بتحويل المبلغ على محفظته الإلكترونية أو حسابه البنكي عبر "إنستا باي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن تنتشر شكاوى واستغاثات عدة على صفحات مواقع التواصل من عملاء تعرضوا للنصب من بعض التجار، إذ يقوم التاجر بتقسيط العملية لصالح متجره وغلق هاتفه دون تحويل الأموال لصاحبها مرة أخرى.

وتستمر عمليات التسييل بصورة شبه علنية، على رغم إعلان هيئة الرقابة المالية في ديسمبر (كانون الأول) 2025 انتهاء اتحاد التمويل الاستهلاكي من أول قاعدة بيانات موحدة لجهات تسييل التمويل الاستهلاكي وعمليات الاحتيال، تضم من يثبت قيامهم بالتسييل النقدي للتمويل الاستهلاكي سواء كانوا عاملين أو تجاراً أو سماسرة، بحيث تضيفهم الشركات وتعتمدهم لجنة مكافحة الاحتيال بالاتحاد.

وحذر رئيس الاتحاد المصري للتمويل الاستهلاكي من "التسييل المفرط"، مؤكداً عبر تصريحات صحافية أنه يخرج القطاع عن هدفه بتمويل السلع والخدمات، مشيراً إلى أن الاتحاد يعمل على تقليل عمليات التسييل من خلال ربط التمويل مباشرة بالموردين أو مقدمي الخدمة.

وبحسب الأرقام الصادرة عن الاتحاد، تراوح نسبة التعثر في السداد لشركات التمويل الاستهلاكي ما بين ثلاثة إلى أربعة في المئة حالياً، فيما حذر رئيس اتحاد شركات التمويل الاستهلاكي من أن تجاوز النسبة خمسة في المئة سيعني الدخول في منطقة الخطر، مع اختلاف قدرة كل شركة على التعامل مع هذا المستوى من التعثر.

ووفق تقرير الهيئة العامة للرقابة المالية عن الربع الثالث من العام الماضي، تصدرت السيارات والأجهزة الكهربائية أنواع السلع التي يجري تمويلها من خلال شركات التمويل الاستهلاكي بنسبة 18 في المئة لكل منهما.

وتواصلت "اندبندنت عربية" مع رئيس مجلس إدارة اتحاد شركات التمويل الاستهلاكي سعيد زعتر وعضو مجلس الإدارة أحمد أسامة للرد على تساؤلات بشأن الشكاوى من شركات التحصيل، وكذلك تحويل العملاء أرصدتهم إلى نقود، لكننا لم نتلق رداً منهما.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات