ملخص
يبدو أن طغيان الترفيه بمعناه الكبير الذي يشمل الفضائح والغرائب والنميمة وأسرار الغير، شهد صعوداً خلال الأشهر الأخيرة في مصر، مما قد يعني سداً لفجوات اقتصادية، أو ملئاً لفراغات سياسية، أو رأباً لخواءات ثقافية وفكرية، أو كل ما سبق.
على رغم شكوى المصريين المستمرة من تصاعد مستمر لغلاء المعيشة، وعلى رغم انغماس تام في مشكلات الحياة اليومية التي لا تترك وقتاً أو جهداً أو طاقة في نهاية اليوم للقيام بنشاط مختلف، فإن الملايين غارقون حتى الثمالة مع "أم شيماء"، وقبلها "أم مكة" و"أم سجدة"، وأثناءهما "سوزي الأردنية" وعلياء قمرون وحلقة الانغماس لا تنقطع.
على مدى الأشهر الأخيرة، لا تخرج القاعدة العريضة من المصريين من حلقات انغماسها مع هؤلاء "الأمهات" والمؤثرات وصانعات المحتوى إلا "للشديد القوي". تارة يخرجون حين تُعلن زيادة غير متوقعة في أسعار الوقود، وأخرى يطلون عبر نوافذ الفيديوهات لمعرفة ما جرى في مباراة كرة قدم مصيرية، وثالثة للإلمام بنتائج التحقيق في قضية كبرى أو حدث ضخم مثل اعتداء على أطفال في مدرسة أو افتتاح المتحف المصري الكبير أو مؤتمر دولي يحضره كبار العالم، وسرعان ما يعودون لمقارهم أمام الشاشات المتصلة على مدى الـ 24 ساعة بفيديوهات "الأمهات" ومحتوى لا يمكن وصف غالبيته إلا بـ"الترفيهي" من باب الأدب واللياقة، أو التافه أو الجريء أو المثير أو الصادم أو شديد الالتزام لدرجة التزمت والتشدد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والأيام الأخيرة شهدت موجدة جديدة من موجات الانغماس الشعبي الجماعي في محتوى "أم شيماء"، والانغماس هذه المرة بدا وكأنه غير مسبوق، هو انغماس "فيروسي" مذهل. ولا يخلو بيت أو مقهى أو باص أو عربة قطار أو مكالمة بين أصدقاء من إشارة إلى "أم شيماء"، والإشارة تتطور إلى نقاش، والنقاش ينجم عنه فريق محلل لمحتوى ما تقوله "أم شيماء"، وآخر مبرر لكلماتها، وثالث مهاجم لظهورها، ورابع مطالب بحجبها، وخامس متضامن أو متعاطف أو متفهم لما تفعل.
الغمر بالـ"سوشيال ميديا"
الحكاية بدأت قبل أيام بعرض مسلسل عنوانه "ورد وشوكولاتة" تشابهت أحياناً إلى حد التطابق أحداثه وواقعة مقتل مذيعة مصرية شابة عام 2022 على يد زوجها القاضي وبمساعدة آخر، وإخفاء معالم الجريمة بمواد كيماوية ودفنها في مزرعة في البدرشين (محافظة الجيزة)، بعدما هددته بفضحه عبر ملفات فساد وفيديوهات.
خرجت والدة المذيعة المقتولة والملقبة بـ "أم شيماء" عبر لقاءات صحافية وفيديوهات سجلتها بنفسها لتعبر عن غضبها من أن المسلسل يتناول تفاصيل قصة ابنتها بطريقة غير دقيقة، وأنه قدم أحداثاً غير صحيحة عن حياتها وملابسات الجريمة، واتهمت صناع المسلسل بالاعتماد على تصريحات أدلت بها بعد الجريمة، ثم حولوها إلى مادة درامية من دون مراعاة لسير القضية أو مشاعر الأسرة.
وبعيداً من أن منتج المسلسل جمال العدل قال إن العمل مستوحى من أحداث حقيقية، لكنه ليس سرداً وثائقياً للقضية، وبعيداً أيضاً من أن الجريمة عمرها ثلاث سنوات، وبعيداً من أن "أم شيماء" قررت عبر فيديوهاتها الـ "لايف" أن تتعرض لصديقة ابنتها التي اتهمتها وأمها في عرضهما واتهمتهما بسرقة ملابس ابنتها الداخلية، وزجت بحفيدتها، ابنة شيماء، لتكون طرفاً في كيل الاتهامات وتوزيع التهديدات واللعنات، وبعيداً من تفتق ذهب أبو شيماء بالخروج في هذا التوقيت بالذات ليقول إن زوجته "السابقة" (أم شيماء) لديها سجل حافل بالقضايا، بينها ثلاث قضايا آداب (دعارة)، ورد "أم شيماء" بأن ظهور زوجها السابق فجأة هدفه الحصول على قطعة من كعكة الـ"ترند" الحالي وجزء من ميراث الابنة، جاء انغماس الملايين في محتوى "أم شيماء" المثير للجدل والغضب والتأييد والتنديد والتعاطف والهجوم والرفض والقبول والسخرية كاشفاً عن ظاهرة غريبة ووليدة في المجتمع المصري.
وربما تكون وسيلة جماعية للهروب، يسمونها الغمر أو الغمس بالـ"سوشيال ميديا"، ومن المحتمل أن تكون وسيلة للتعايش أو التزود بالقدرة على المواجهة، وربما هي هروب جماعي يسكن الآلام موقتاً، ويذهب العقل ويغبيه، لو لبضع ساعات يومياً من دون الأعراض الجانبية للمواد المخدرة، وقد يكون فيروساً رقمياً ضرب الملايين.
الكاتب خالد منتصر يميل إلى تفسير ما يشهده المجتمع المصري من انغماس فريد في محتوى "أم شيماء" في ضوء "علم الفيروسات"، وكتب تحت عنوان "ظاهرة أم شيماء والفيروس الرقمي" (ديسمبر- كانون الأول الجاري) أن ما يجري يستحق دراسة سوسيولوجية خاصة ومتعمقة، مرجحاً أنه "لم تظهر في مصر شخصية فرضت نفسها على الـ’ترند‘ بهذه الكثافة منذ اختراع ’فيسبوك‘"، ويشير إلى أن "فيسبوك" أصبح فجأة مليئاً بأحاديثها الصحافية والتلفزيونية، وأن البث المباشر الذي تقدمه يتخطى ملايين المشاهدات.
هروب جماعي
يستبعد منتصر أن يكون السبب الوحيد عرض مسلسل تصادف أو تعمد تطابق أحداثه مع جريمة قتل المذيعة، ويتساءل "ماذا حدث للمزاج المصري؟ ما سر هذا الولع بالطريقة الفضائحية في عرض القضايا؟ أم شيماء لم تنتشر لنبل القضية التي تعرضها عن العنف الاجتماعي ضد المرأة مثلاً، لكنها انتشرت لأنها أم شيماء، والشعب المصري يريد سماعها ويتابعها لكي يسمع حكاياتها عن زوجها وصديقة ابنتها التي اتهمتها بسرقة ملابس ابنتها الداخلية، وخوضها في عرض أم صديقتها بالحديث عن ضبط فكهاني تحت السرير، إلى آخر تلك الحكايات التي مهما رفضت سماعها فهي تتسلل إليك مع ذرات الأوكسجين".
ويخلص منتصر عبر نظريته عن الفيروس الرقمي إلى أنه لا يدين لهاث المصريين لمتابعة وتقفي أثر والغرق في "خناقات الأزقة والحارات على الـ’سوشيال ميديا‘" بقدر ما يرى ما يجري أمراً يستدعي الرصد الجاد، ولا سيما وسط الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع المصري. ويقول "أحداث جسام وقعت أثناء ’ترند‘ أم شيماء لو حدثت في بلد آخر لانتفضت الدنيا، واستنفر المجتمع كله مثل التحرش في المدارس ونتائج الانتخابات وتوابع قانون الإيجارات، كل هذه الأحداث والمصريون يتابعون أم شيماء".
وتجري دراسات وبحوث عدة في العالم عن استخدامات الناس للـ"سوشيال ميديا"، المعقول منها وغير المعقول الذي يحتاج إلى بحث وتقصٍّ للفهم والتحليل. والمجتمع البحثي المصري عامر بقدر وافر من بحوث تتعلق بأثر الـ"سوشيال ميديا" على الاستقطاب في المجتمع المصري، وآثار المحتوى على تشكيل الرأي العام والأيديولوجيا السياسية وكذلك الدينية على مدى أعوام. أما الهروب الجماعي أو الإغراق الشعبي في الاحتماء بالـ"سوشيال ميديا"، فبحوثه غائبة.
وتشير ورقة بحثية منشورة في "الدورية الدولية للصحة العقلية والإدمان" تحت عنوان "نسخة إيطالية من مقياس التواصل الاجتماعي للهروب من الواقع: التكيف والتحقق والتقييم النفسي" (يناير – كانون الثاني الماضي) إلى أن الهروب الجماعي يؤدي وظيفتين متميزتين، فهو بمثابة آلية حماية توفر وسيلة لتجنب مواجهة التحديات الشخصية التي قد تعد ساحقة، وهو أيضاً وسيلة لتجنب المواجهات مع أوضاع معيشية أو حياتية، ولا سيما تلك التي تبلغ درجة من الشدة أو التعقيد أو التفاقم تجعل عدم الهروب منها والإصرار على الاشتباك معها، حماقة.
وعلى رغم أن الدراسة أجريت على المجتمع الإيطالي، فإن الهروب الجماعي يظل سلوكاً أو مهرباً بشرياً، وهي تشير إلى أن المشاركة في أنشطة الهروب الجماعي إلى الـ"سوشيال ميديا" تحرر الأفراد من ضغوط التحليل الذاتي المتواصل والمقارنة بين أنفسهم وآخرين وانتقاد الأوضاع، فضلاً عن أنها توفر راحة موقتة من هموم الحياة ومشكلاتها، والتركيز على لحظات الرضا أو إشباع الفضول والإثارة آنياً، وتخفف من وطأة الحالات العاطفية السلبية.
وتوصلت الدراسة إلى أن إنكار الواقع يقوم أحياناً بدور آليات التكيف، مما يسمح للأفراد بتحويل انتباههم بعيداً من مشكلاتهم، وقد يتحقق الهرب من المشكلات الشخصية أو المعيشية عبر الإغراق في مشكلات الآخرين أو غرائبهم أو فضائحهم.
وفضائح "أم شيماء" و"أبو شيماء" وابنة شيماء وصديقة شيماء وشيماء نفسها، وعرض كل ما سبق على علن الـ"سوشيال ميديا"، ومنها إلى برامج وبودكاست ومحتوى معاد تدويره عنكبوتياً يحقق درجة غير مسبوقة من الانتشار والاهتمام، بما في ذلك الاهتمام المضاد، أي من يتطرقون إلى منظومة "أم شيماء" ولكن بغرض الانتقاد والرفض والاستنكار.
التناول السطحي للظاهرة يكتفي بالمطالبة بتقنين الأفراد لأنشطة الـ"لايك" والـ "شير" والتعليق، من منطلق أنها تسهم في مزيد من انتشار "أم شيماء"، ووصل الأمر إلى درجة أن بعضهم يطالب، على سبيل التفكه، بالإفراج عن "أم سجدة" ورفع الحظر عن "أم مكة" والعفو عن "سوزي الأردنية" ("تيك توكرز" وجهت لهم اتهامات عدة خاصة بالمحتوى)، للحد من "ماسورة فيديوهات أم شيماء التي تنفجر في وجوه الجميع".
أخطر من الهروب
وجوه الجميع وأياديهم التي تدق على الشاشات وعقولهم التي تختار مشاهدة الفيديوهات وقراءة التعليقات ومتابعة المفاجآت التي يفجرها "أبو شيماء" أو الأسرار التي تكشف عنها صديقة شيماء أو الاتهامات التي توزعها "أم شيماء"، تعكس ما هو أكثر من مجرد اختيار، وتكشف عما هو أعمق، وربما أخطر من هروب موقت أو البحث عن ملاذ أو مهرب.
وضمن دراسة تعود لعام 2019 عن "الاستقطاب السياسي في منصات التواصل الاجتماعي ودوره في تشكيل اتجاهات الجمهور المصري"، أشار الأستاذ في كلية الإعلام جامعة بني سويف محمود أحمد عبداللطيف إلى أن استخدام المصريين للـ"سوشيال ميديا" شهد تحولاً من التركيز على الخطاب العام إلى محتوى إما أكثر استقطاباً سياسياً، أو يطغى عليه الترفيه بأنواعه.
ويبدو أن طغيان الترفيه بمعناه الكبير الذي يشمل الفضائح والغرائب والنميمة وأسرار الغير، شهد صعوداً خلال الأشهر الأخيرة، مما قد يعني سداً لفجوات اقتصادية، أو ملئاً لفراغات سياسية، أو رأباً لخواءات ثقافية وفكرية، أو كل ما سبق.
والمشهد السياسي من ناحية الأحزاب والمعارضة وأداء الوزراء ومهمات الوزارات وملامح التغيرات وغيرها، لم يعُد حديث الجميع، أو مثار اهتمام كبير، إلا في أوقات الأحداث الكبرى أو الأزمات الخطرة.
ولعل مشهد الانتخابات البرلمانية الحالي، وما عكسه من عوار كبير في العملية الانتخابية، بدءاً بالنظام الانتخابي فالمقاعد الفردية والقوائم المغلقة المطلقة، مروراً بصعوبة فهم النظام، وانتهاء باعتبار بعضهم هذا النظام مفصلاً لمصلحة أفراد أو مجموعات بعينها، وتدوينة الرئيس عبدالفتاح السيسي التي أشارت إلى أنه على علم بالأحداث التي وقعت في بعض الدوائر الانتخابية، مع تلميحه بإمكان إلغاء نتائج أو إعادة إجرائها في دائرة أو أكثر، مما عضد الشعور الشعبي بالهوة السحيقة التي تفصل بين الناس والانتخابات والأحزاب والقوائم والمرشحين والمجالس وما ينتج منها.
والناخبون غارقون في منظومة "أم شيماء"، وهو غرق عبثي في فيديوهات عبثية تملاً فراغاً وتسكن أوجاعاً، والمؤكد أن "أم شيماء" وفيديوهاتها ستذهب إلى حال سبيلها، مهما طال الـ"ترند" وتوسع وتوغل، والمؤكد أيضاً أن (أمّاً) أخرى ستحل محلها، أو فيديوهات مثيرة مختلفة ستملأ الفراغ، أو محتوى غريب جديد سيخاطب الخواء.
خالد منتصر تساءل في مقالته إن كان الفيروس الرقمي يؤثر في فراغ اجتماعي؟ ويجيب أن "الفيروس الرقمي يحتاج إلى ثقافة فضائحية، ومجتمعاً مولعاً وجاهزاً لاستقبال هذه الثقافة التي تعتمد على ثلاث نظريات، نظرية الفرجة التي لخصها الكاتب الفرنسي غي ديبور في أن العالم أصبح عرضاً مستمراً والناس متفرجين دائمين، ونظرية المراقبة وهي أن كل شخص يعيش تحت كاميرا المجتمع، وهناك لذة في مراقبة الآخرين، ونظرية القطيع والتحرش الرقمي إذ إن الملايين يتجمرون حول ضحية رقمية ويشاركون في قتلها الرمزي"، محذراً من أن قراءة عقل المجتمع من خلال "ترنداته" تنبئ بكارثة.
وسواء كانت "ترندات" المجتمع تنبئ بكارثة، أو تعكس خواءً، أو تملاً فراغاً، أو توفر ملجأً ومهرباً، فإن الأرقام تقول إن "المصريين يواصلون كتابة ملحمتهم الرقمية"، بحسب ما تشير أرقام وإحصاءات مؤسسة "ناوس سولوشنز" المتخصصة في بحوث الإنترنت والسوق، وبلغت نسبة مستخدمي الإنترنت نحو 72 في المئة، مما يعني أن هذه الغالبية رابضة أمام شاشاتها، غارقة في ما تقدمه من محتوى، ولا سيما القادر على توفير مسكنات اقتصادية ومهدئات معيشية، وتملأ فراغاً تركه ولع موقت بالسياسة في أعقاب أحداث عام 2011، وكذلك جراء أحداث عام 2013.
يصعب القول إن المصريين من الشعوب المولعة بالسياسة، إذ إن التاريخ الحديث يشير إلى ولعهم بها لدرجة الإغراق عقب حوادث كبرى أو أحداث تاريخية، لكن سرعان ما يعودوا لـ"كنباتهم"، وإن ظلت أسباب العودة مختلفاً عليها بين تحميل الأنظمة السياسية مسؤوليتها سواء بسبب سلب الحياة السياسية تعدديتها أو حراكها، أو ضعف الأداءات الاقتصادية التي تبقي الغالبية في خانة الانشغال بلقمة العيش اليومية، ولا تترك هامشاً للاهتمام بالسياسة والمشاركة فيها، وبين المواطنين أنفسهم نظراً إلى أن اللامبالاة السياسية نوع من أنواع التنازل عن الحقوق، وفي قول آخر التقاعس عن الواجبات.
وبعيداً من تحديد المسؤولية وتوزيع الاتهامات والبحث عن الأسباب، تبقى حقيقة أن الفراغ الناجم عن ضعف المشاركة السياسية، وخفوت الإيمان بقدرة الأحزاب والمرشحين والنواب والمجالس على القيام بدور ما لتحسين الأحوال المعيشية، يتم ملؤه عبر الغوص في أغوار الـ"سوشيال ميديا"، وانهيار المقاومة أمام الهجمات الفيروسية، سواء كانت "أم شيماء" أو أياً من بقية الأمهات.