ملخص
تسلط الطروحات القياسية لشركة "سبيس أكس" الضوء على الفجوة المتسعة بين أسواق المال الأميركية وبورصة لندن، إذ تستمر الشركات في تفضيل "وول ستريت" للإدراج.
على رغم أن الملياردير الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة "تيسلا "ومالك منصة "أكس"، إيلون ماسك لم يخف انتقاداته للمملكة المتحدة، سواء بسبب سياساتها المتعلقة بالهجرة أو موقفها من حرية التعبير، فإن هناك شريحة من البريطانيين قد يكون لها دور مباشر في تعزيز ثروته القياسية.
بحسب تقديرات، استثمر نحو 100 ألف بريطاني في شركة "سبيس أكس" المملوكة لماسك، بعد إدراج أسهمها في بورصة "ناسداك" الأميركية، وهي الخطوة التي ساعدت في ترسيخ مكانته كأول شخص في العالم تتجاوز ثروته حاجز التريليون دولار.
لكن هذا الواقع يطرح تساؤلات لدى بعض المستثمرين البريطانيين الذين قد تكون لديهم تحفظات على دعم ثروة ماسك المتنامية أو توجيه مدخراتهم إلى شركة أميركية، فبالنسبة إليهم، يبدو السؤال الأهم هو إذا لم تكن هناك فرص استثمارية محلية مماثلة من حيث الحجم والنمو، فأين كان يمكن توظيف هذه الأموال؟
أما سلسلة مكتبات "ووترستونز"، فبحسب التقارير، يعمل مالكها منذ العام الماضي على التحضير لطرح الشركة في سوق لندن إلى جانب نظيرتها الأميركية "بيرنز أند نوبل"، إلا أن هذه الخطط لم تسفر حتى الآن عن أي طرح فعلي في البورصة.
ليست سلسلة "ووترستونز" وحدها التي تعثرت في طريقها إلى الإدراج في بورصة لندن فقد واجهت شركات وأصول أخرى المصير نفسه، من بينها شركتا خدمات المساعدة على الطرق "أي أي" و"آر أي سي" وسلسلة الصيدليات "بوتس"، ومالك "سوبر درغ"، وشركة "أي أس واتسون"، إضافة إلى شركة المدفوعات "سم آب" وشركة البرمجيات "فيسما".
ويعكس هذا الواقع حال الجمود التي تهيمن على ساحة الاكتتابات العامة في "باترنوستر سكوير"، المقر التاريخي لبورصة لندن. وحتى الآن، لم تشهد البورصة خلال العام الحالي أي طرح عام أولي (IPO) تتجاوز قيمته 100 مليون جنيه استرليني (133.6 مليون دولار)، وفقاً لبيانات بنك الاستثمار "بيل هانت".
سوق الأسهم البريطانية تتخلف عن منافسيها
قال الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار المتخصص (كافندش) جوليان مورس لصحيفة "التايمز"، إن مستوى الاهتمام بطرح الشركات للاكتتاب العام أصبح أعلى حتى مما كان عليه خلال فترة جائحة كورونا، التي شهدت آخر موجة قوية من الطروحات في الأسواق.
لكن هذا الاهتمام الواضح من جانب المالكين لم يترجم إلى خطوات عملية، مما ترك المستثمرين البريطانيين المحتملين في حال انتظار، ودفع كثراً منهم إلى البحث عن فرص استثمارية في الولايات المتحدة. وقال أحد المصرفيين المخضرمين في قطاع الاستثمار، "أصبح من شبه المستحيل إقناع أي شركة بتنفيذ طرح عام أولي في هذا البلد".
في المقابل، تواصل الأسواق الأميركية جذب الطروحات الكبرى، إذ أصدرت شركة الفضاء التابعة لإيلون ماسك أسهماً بسعر 135 دولاراً للسهم أول من أمس الجمعة، مما منح الشركة تقييماً بلغ 1.77 تريليون دولار.
ويمثل ذلك الاكتتاب العام رقم 171 في الأسواق الأميركية هذا العام، وفق بيانات منصة "ستوك أناليسيز"، مع توقعات بأن تتبعها طروحات ضخمة لشركات الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك" و"أوبن أي آي"، فلماذا تتخلف سوق الأسهم البريطانية عن منافسيها، وهل يمكن لموجة جديدة من "الاكتتابات العملاقة" أن تعيد الحياة إلى بورصة لندن وتفرج عن قائمة متزايدة من الشركات التي تنتظر الإدراج؟
بطبيعة الحال، لا تنقص أصحاب الشركات ومديريها المبررات لتأجيل طرح أسهم شركاتهم في البورصة، فعلى رغم أنها أصبحت عبارة متكررة، فإن المستثمرين المحتملين يكرهون بالفعل حال عدم اليقين.
التوترات الجيوسياسية التي طبعت عقد العشرينيات، والتسارع الهائل في تطورات الذكاء الاصطناعي، والحروب التجارية المرتبطة بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، كلها عوامل تلقي بظلال من الغموض على آفاق الأعمال حول العالم، وتدفع المساهمين إلى القلق في شأن العوائد المستقبلية وتوزيعات الأرباح.
لكن هذا لا يفسر سبب ركود السوق البريطانية في وقت تشهد خلاله الولايات المتحدة، في عهد الرئيس ترمب، موجة قوية من الاكتتابات العامة الأولية.
وقال المدير العام ورئيس أسواق رأس المال في المملكة المتحدة لدى "بي أن بي باريباس" توم سنوبول "إذا نظرنا إلى الأسواق العالمية، فإن أحجام الاكتتابات العامة جيدة". وأضاف "أحجام الطروحات في الولايات المتحدة كانت قوية جداً حتى قبل طرح ’سبيس أكس‘، كما أن النشاط في آسيا جيد، وسوق هونغ كونغ والصين نشطة للغاية. أما أوروبا، بما فيها المملكة المتحدة، فهي المتأخرة عن الركب لأنها أكثر انشغالاً وتأثراً بالصراع في الشرق الأوسط وبالعوامل المرتبطة به، مثل الضغوط التضخمية الناجمة عن تلك التوترات". وتابع سنوبول "أتحدث بانتظام إلى زملاء يسافرون إلى الولايات المتحدة بصورة متكررة، وعندما يذهبون إلى هناك يجدون سوقاً صاعدة بكل معنى الكلمة، فلا أحد يبدو قلقاً حيال أي شيء، بل يسود شعور عام مفاده ’لنتجه جميعاً إلى الفرصة التالية ونواصل الاحتفال بالارتفاعات‘".
عدم اليقين والتقلبات
ورأى جوليان مورس من بنك "كافندش" أن حال عدم اليقين والتقلبات أصبحت واقعاً لا مفر منه للشركات البريطانية. وقال "أصبح هذا هو الوضع الطبيعي الجديد. وللأسف، يعود جزء كبير من ذلك إلى ترمب، فمنذ الرسوم الجمركية التي فرضها في "يوم التحرير" قبل 14 شهراً، إلى التطورات الجيوسياسية الأخرى، شهدت الأسواق قدراً هائلاً من التقلبات". وأضاف "إن التوصل إلى تسوية في شأن إيران من شأنه أن يمنح سوق الاكتتابات العامة لدينا دفعة قوية مجدداً، لكن الشركات لا تستطيع الانتظار إلى ما لا نهاية، فالجميع يدرك أن الاكتتاب العام يظل وسيلة فعالة لجمع رؤوس الأموال. وإذا استمر الصراع الإيراني لفترة طويلة، فسيتعين ببساطة احتساب تأثيره ضمن تقييمات الشركات".
أسهم الذكاء الاصطناعي وتأثيراته المستقبلية غير الواضحة على مختلف القطاعات في زيادة حذر الشركات الأوروبية، في وقت أسهم خلاله في تحفيز شهية المستثمرين في الولايات المتحدة. وقالت رئيسة خدمات الاستشارات لأسواق رأس المال البريطانية في "كي بي أم جي"، سفيتلانا ماريوت للصحيفة "لا يوجد نقص في الشركات الراغبة في دخول السوق، لكن ما نلاحظه هو تأجيل الصفقات باستمرار، بداية بسبب المخاوف المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي على التقييمات، ثم بسبب التطورات الجيوسياسية المرتبطة بإيران".
من جانبه، قال توم سنوبول من "بي أن بي باريباس"، "نريد أن نرى هذه الصفقات تنفذ كل ما نبحث عنه هو قدر أكبر من الاستقرار".
جعل لندن أكثر جاذبية للإدراج
يمثل نقص رأس المال المحلي القابل للاستثمار في الشركات البريطانية مصدر قلق مزمن، وقال مورس "شهدنا تغييرات تنظيمية كانت مفيدة للغاية، لكن العامل الحاسم هو توافر رأس المال. إذا كان رأس المال متاحاً، فإن هذه الصفقات ستبدأ بالحدوث، وهذه المشكلة لم تُحل بالكامل بعد".
حاولت وزيرة الخزانة راشيل ريفز ضخ مزيد من رأس المال المحلي في مدينة لندن عبر تشجيع صناديق التقاعد على الاستثمار داخل المملكة المتحدة. وبموجب قانون صناديق التقاعد، جرى تحديد هدف طوعي يقضي بأن يستثمر مديرو الصناديق ما يصل إلى 10 في المئة من أصولهم في مجالات مثل الملكية الخاصة ورأس المال الجريء والائتمان الخاص والبنية التحتية، على أن يكون نصف هذه الاستثمارات داخل المملكة المتحدة.
وأشارت الخطة إلى أن الوزيرة تحتفظ بحق تحويل هذا الهدف إلى التزام إلزامي إذا لم تلتزم الصناديق به، إلا أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن الالتزامات الطوعية لم تحقق تقدماً ملموساً حتى الآن.
وفي الوقت نفسه، أدخلت الجهات التنظيمية حزمة واسعة من التعديلات على القواعد بهدف جعل لندن أكثر جاذبية للإدراج، إذ دخلت قواعد جديدة حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) الماضي، تسهل عمليات جمع رأس المال وتخفف من متطلبات تنظيمية كانت تعد مرهقة في السابق.
على سبيل المثال، أصبحت الإصدارات اللاحقة من الفئة نفسها من الأسهم تعامل تلقائياً على أنها مدرجة في البورصة، في حين كانت في السابق تتطلب تقديم طلب إدراج جديد وإجراءات إضافية.
وعلى رغم أن سوق الأسهم رحب بهذه الخطوة، فإنها لم تنجح حتى الآن في فك الاختناق الذي يعانيه خط أنابيب الاكتتابات. وقال مورس إن هذه الإصلاحات "تدفع بعض الشركات إلى طاولة النقاش التي لم تكن لتصل إليها سابقاً"، لكن سفيتلانا ماريوت من "كي بي أم جي" توقعت أن هذه التغييرات "لن تحدث تحولاً جذرياً في مصير أسواقنا، لأن قرارات الإدراج تعتمد على مجموعة واسعة من العوامل وليس التنظيم فقط".
وفي موازنة عام 2025، أعلنت الحكومة عن إعفاء من رسوم الدمغة لمدة ثلاثة أعوام للشركات البريطانية التي تطرح أسهمها في البورصة. وكانت مدينة لندن طالبت منذ فترة طويلة بإلغاء هذه الضريبة بالكامل - علماً أن عدداً من الأسواق مثل الولايات المتحدة لا تفرض ضريبة على تداول الأسهم - لكنها رحبت بهذا الإجراء الموقت.
ازدهار سوق صفقات تحويل الشركات المدرجة إلى ملكية خاصة
إلا أن اندلاع الحرب في إيران ألقى بظلاله على هذه الجهود الرامية إلى إنعاش سوق الطروحات الجديدة.
وعلى رغم ذلك، لم يكن نشاط بورصة لندن خاملاً بالكامل، إذ شهدت الأشهر الأخيرة زيادة في عمليات جمع رأس المال، إذ جمعت شركة "دبليو أتش سميث" نحو 106 ملايين جنيه استرليني (141.6 مليون دولار) الأسبوع الماضي، فيما حصلت شركة "يونايتد يوتيليتز" على تمويل ضخم بقيمة 800 مليون جنيه استرليني (مليار دولار) الشهر الماضي.
وفي المقابل، هناك قطاع واحد يشهد ازدهاراً واضحاً في السوق، وهو صفقات تحويل الشركات المدرجة إلى ملكية خاصة، إذ تواصل شركات الأسهم الخاصة الاستحواذ على شركات مدرجة بعلاوات كبيرة على أسعار أسهمها.
بلغت قيمة صفقات الاستحواذ على شركات بريطانية مدرجة 34.5 مليار جنيه استرليني (46.1 مليار دولار) العام الماضي، بينما تجاوزت حتى الآن في عام 2026 أكثر من 47 مليار جنيه استرليني (62.8 مليار دولار).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن هذا قد يعد نتيجة إيجابية لمساهمي تلك الشركات، فإنه يعني في المقابل تراجع عدد فرص الاستثمار المتاحة للمستثمرين الآخرين.
وقال الرئيس التنفيذي لبنك الاستثمار "بيل هنت" ستيفن فاين إن "من غير المنطقي أن يغادر هذا العدد الكبير من الشركات العامة السوق. نحن نولي اهتماماً كبيراً جداً للأسواق الخاصة، ونحول قدراً كبيراً من أموالنا إلى صناديق الأسهم الخاصة الأجنبية".
وفي الأسبوع الماضي، أصبحت شركة الأغذية "تيت أند لي لي" أحدث الشركات التي أعلنت نيتها الشطب من البورصة، بينما أكدت شركة الطاقة المدرجة في مؤشر "فوتسي 100"، "دي سي سي" أنها تميل إلى قبول عرض استحواذ مقدم من صندوق أسهم خاصة.
وقال فاين إن الوضع "يقترب تقريباً من مستوى العار الوطني"، مشيراً إلى وجود "غياب في التركيز، وافتقار إلى الاهتمام، ونقص في رأس المال المحلي في أسواق المملكة المتحدة".
نجاح "سبيس أكس" قد يلهم الجانب الآخر من الأطلسي
ويرى بعض المسؤولين، من بينهم وزير الأعمال بيتر كايل، أن جذور ضعف أداء بورصة لندن تعود إلى نحو عقد من الزمن، وتحديداً إلى صفقة استحواذ مجموعة "سوفت بنك" على شركة تصميم الشرائح الإلكترونية "كامبريدج آرم" بقيمة 24 مليار جنيه استرليني (32 مليار دولار) وإخراجها من مؤشر "فوتسي 100".
وأعادت "سوفت بنك" لاحقاً إدراج "آرم" في الولايات المتحدة، إذ أصبحت اليوم واحدة من أكثر الشركات قيمة في العالم، وتقدر قيمتها بأكثر من 400 مليار دولار. ولمح كايل الأسبوع الماضي إلى أن تلك الصفقة كان ينبغي منعها.
وأشار فاين إلى "الطبيعة المقومة بأقل من قيمتها الحقيقية" للأسواق البريطانية، قائلاً "إذا جرى طرح شركات مثيرة للاهتمام في السوق بتقييمات معقولة، فإن رأس المال سيجد طريقه إليها، هذا واضح تماماً. لكن ما دامت السوق العامة تسعر بصورة خاطئة وتميل إلى الانخفاض، فإن نشاط الاندماجات والاستحواذات الهائل يجعل الأمر أكثر صعوبة".
وقالت سفيتلانا ماريوت إن مشكلة إضافية في لندن تتمثل في أن شركات الأسهم الخاصة باتت تحتفظ بالأصول لفترات أطول أملاً في تحسن تقييمات الأسواق العامة. وأضافت "الواقع الذي نواجهه الآن هو أن كثيراً من مالكي الأسهم الخاصة يحتفظون بالأصول لفترة طويلة جداً، إذ كانت المدة عادة ثلاثة أو أربعة أعوام، لكنها الآن وصلت إلى سبعة أعوام".
ومع ذلك، قد يلوح بعض الأمل في الأفق، في الأقل لدى بعض المصرفيين الأكثر تفاؤلاً في لندن، إذ يعتقدون أن نجاح إيلون ماسك مع شركة "سبيس أكس" قد يلهم - ولو جزئياً - نشاطاً مماثلاً في هذا الجانب من الأطلسي، وكما قال توم سنوبول "هذه لعبة يخلق فيها النجاح مزيداً من النجاح".