ملخص
حتى الاطلاع التفصيلي على نصوص واضحة لاتفاق موقع عليه، ستبقى الشكوك في مضمون ما جرى قائمة لتطاله شكلاً وأهدافاً، فهل ما جرى ويجري مجرد هدنة يحتاج إليها ترمب لتمرير شهر المونديال، وتريدها طهران لإتاحة تشييع جثمان المرشد علي خامنئي بهدوء وفي سياق تعبئة شعبية ضرورية للنظام ومستقبله؟
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ختام 100 يوم من الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران أن لحظة الاتفاق حانت، ثم وفي لحظة استعداد لتوجيه ضربة على بلاد فارس، انكفأ فجأة ليعلن أن إدارته والقيادة الإيرانية قد توصلتا إلى اتفاق شامل، ينهي الحرب، سيُوقع خلال أيام.
في آخر نسخة من إعلاناته الـ40 عن التوصل إلى تفاهم على وقف الحرب، قال ترمب إن التوقيع على اتفاق بهذا الخصوص سيحصل اليوم الأحد الموافق الـ14 من يونيو (حزيران) الجاري، وهو اليوم ذاته الذي حدده رئيس الوزراء الباكستاني للتوقيع الإلكتروني من بعد، في إسلام آباد، على اتفاق سلام منجز، من دون أن يذيع صيغته النهائية.
لكن إيران التي كانت تحدثت بلسان وزير خارجيتها عباس عراقجي عن توقيع إلكتروني خلال أيام، لم تؤكد حصول اتفاق على حفل التوقيع في إسلام آباد أو غيرها، فيما شهدت إيران تظاهرات هتفت ضد المفاوضين الإيرانيين قاليباف وعراقجي.
ما الذي جرى ويجري؟ وهل هناك اتفاق أم لا؟ وهل هناك صيغة موحدة لمثل هذا الاتفاق أم لا؟ وهل هي مجرد أفكار وشروط متبادلة في الصيغ التي جرى تداولها، بحيث يصبح المنشور منها أشبه بجدول أعمال لمفاوضات مقبلة أكثر منه توافقاً منجزاً حول قضايا قامت حرب الـ100 يوم ثم المفاوضات والوساطات من أجل إيجاد حلول لها؟
ثم إنه في لوائح الاتفاق المتسربة من هذه الجهة أو تلك ما يحمل رغبات هذه الجهات من جهة، ويجعلها تبدو في موقع المنتصر بينما الآخر هو المهزوم، ولهذا سيسأل المتابع أين الاتفاق؟ وأين وجه الخلاف؟ ومن المتحدث الصادق المعبر عن خلاصة واقع الحال؟
ونأخذ مثالاً من نشر معلومات عن الاتفاق من مصدرين، واحد قريب للوسطاء والآخر إيراني مباشرة، بحسب المصدر الأول تتضمن تفاصيل "مسودة البنود النهائية" للاتفاق بين واشنطن وطهران التالي:
- استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.
- تنسيق ترتيبات الأمن البحري مع الشركاء الإقليميين.
- خلال الـ60 يوماً سيجري التفاوض على اليورانيوم عالي التخصيب.
- أميركا ستخفف العقوبات عن إيران وترفع الحصار بموجب الاتفاق.
- أميركا ستسهل الوصول إلى "أصول إيرانية مجمدة مختارة".
- الحوار في شأن لبنان والأمن الإقليمي سيستمر بعد الاتفاق.
- المفاوضات النووية ستناقش آليات التحقق وعمليات التفتيش والقيود المستقبلية.
- المفاوضون سيعملون على التوصل إلى تسوية سياسية دائمة خلال الـ60 يوماً.
بعد هذه المسودة خرجت وكالة "مهر" الإيرانية بلائحة البنود الـ14 باعتبارها مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، بحسب مصدر مقرب من فريق التفاوض الإيراني، وفي ما يلي تفاصيل هذه المسودة الإيرانية:
-
وقف دائم وفوري للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.
-
تعهد أميركا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران واحترام سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
-
الرفع الكامل للحصار البحري خلال 30 يوماً.
-
تعهد أميركا بسحب قواتها من محيط إيران.
-
إعادة فتح مضيق هرمز خلال 30 يوماً بترتيبات إيرانية.
-
تعليق عقوبات بيع النفط والمنتجات البتروكيماوية والمشتقات، وتمكين إيران من الوصول الكامل إلى مواردها المالية.
-
ضرورة تقديم أميركا وحلفائها خططاً لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
-
فترة 60 يوماً من المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي قائم على المسائل النووية، والرفع الكامل للعقوبات الأولية والثانوية، وعقوبات أميركا، وقرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
-
تأكيد إيران التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) وعدم إنتاج أسلحة نووية.
-
خلال فترة المفاوضات، تتعهد أميركا بعدم إضافة قوات إلى المنطقة، وعدم فرض عقوبات جديدة.
-
تحرير 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة الـ60 يوماً للمفاوضات النهائية، على أن يكون نصف هذا المبلغ متاحاً لإيران قبل بدء المفاوضات.
-
تشكيل آلية رقابية لتنفيذ الاتفاق.
-
المصادقة على الاتفاق النهائي بقرار من مجلس الأمن الدولي.
-
لن تبدأ المفاوضات النهائية قبل تحرير نصف الأموال الإيرانية المجمدة، وتعليق العقوبات النفطية على إيران، ورفع الحصار البحري. وسيجري الاتفاق النهائي فقط حول مسألة مصير المواد المخصبة والتخصيب، ورفع العقوبات، وبرنامج إعادة إعمار الاقتصاد الإيراني. وتابعت الوكالة الإيرانية أنه "جرى إخراج ملف البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم فصائل المقاومة بصورة نهائية من جدول الأعمال".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع ذلك، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن هذا النص لا يزال في حاجة إلى دراسة واعتماد من قبل المؤسسات المعنية في إيران، وكأن إقراره في الولايات المتحدة قد بات منجزاً.
إجمالاً، إن الإنجاز الأبرز لهذه الصيغ المطروحة هو وقف الحرب والعودة إلى ما قبل الـ100 يوم الماضية، في تجاهل شبه تام للمطالب الأميركية التي طُرحت خلال شهر المعارك الأول، وأبرزها النووي والصواريخ والأذرع، وهو ما سيمكن إيران بعد إقرار الصيغة المطروحة الخروج من حرب أثخنتها جراحاً لتقول إنها انتصرت، وسيمكن لترمب أن يقول إنه انتصر في إعادة فتح مضيق لم يكن مطروحاً كأحد مسببات الصدام، أما حديثه عن إنجاز في الملف النووي فسيُقابل في واشنطن بالقول إنه ذاهب في مفاوضاته المؤجلة إلى اتفاق أسوأ من اتفاق أوباما، فيما يغيب الحديث عن الصواريخ الإيرانية والأذرع الإقليمية، ليحل بند ربط معركة لبنان ووقفها بالحرب الأميركية - الإيرانية في الاتفاق من بوابة "الذراع" اللبنانية بنداً أساساً يكرس النفوذ الإيراني الإقليمي.
ومع ذلك لم يبد الإيرانيون حماسة مساوية لحماسة ترمب في الذهاب إلى التوقيع، خصوصاً يوم ذكرى ميلاده.
أعلن ترمب منذ اللحظة الأولى لانطلاق حديث التوافق أنه سيرسل نائبه جي دي فانس للتوقيع لأنه غير قادر على الحضور شخصياً، وردت طهران أنها تفضل توقيعاً إلكترونياً من بعد، وتبنى الوسيط الباكستاني الصيغة الإيرانية لحفل الشاشات المنتظر.
على الأرجح، وحتى الاطلاع التفصيلي على نصوص واضحة لاتفاق موقع عليه ستبقى الشكوك في مضمون ما جرى قائمة لتطاله شكلاً وأهدافاً، فهل ما جرى ويجري مجرد هدنة يحتاج إليها ترمب لتمرير شهر المونديال، وتريدها طهران لإتاحة تشييع جثمان المرشد علي خامنئي بهدوء وفي سياق تعبئة شعبية ضرورية للنظام ومستقبله؟ سنرى ماذا سيحصل ابتداء من لحظة التوقيع، والأهم معرفة النص الحقيقي الواضح لأي اتفاق مزعوم.