ملخص
ثمة تحول لافت في خطاب الجماعات الجديدة الخارجة عن عباءة "الجيش الجمهوري الإيرلندي"، إذ لم يعد يقتصر على القومية الإيرلندية ومعارضة الوجود البريطاني، بل بدأ يوظف قضية الهجرة التي أصبحت من أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل المملكة المتحدة.
في الـ28 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أصدرت منظمة "الجيش الجمهوري الإيرلندي الجديد" فيديو أعلن فيه عودة ظهوره. وأعلنت الجماعة في الفيديو الافتتاحي أن ممثلي الحكومات المحلية مسؤولون عن الهجرة الجماعية والتلقين الفكري، وأنهم الآن "أهداف مشروعة".
منظمة "الجيش الجمهوري الإيرلندي الجديد" فصيل منشق عن "الجيش الجمهوري الإيرلندي" الذي خاض عقوداً من العنف والصراع المسلح ضد الحكم البريطاني في إيرلندا الشمالية لتوحيد الجزيرة الإيرلندية لتصبح جمهورية واحدة مستقلة، ذلك قبل عقد اتفاق "الجمعة العظيمة" في بلفاست عام 1998 الذي انطوى على خطة للسلام شملت المشاركة في الحكم وتخلى المنظمة عن السلاح والعمل السياسي عبر حزب "شين فين". لكن رفضت جماعات صغيرة داخل المنظمة إلقاء السلاح وانشقت عن التنظيم الرئيس وتقوم من حين لآخر بعمليات محدودة لكنها لا تحظى بالزخم الشعبي أو السياسي.
الجيش الجمهوري الإيرلندي الجدي
وبينما ظل الخطاب التقليدي لتلك الفصائل التي تأتي تحت اسم "الجيش الجمهوري الإيرلندي الجديد" قائماً على القومية الإيرلندية، تكشف تهديداتها الأخيرة توسع نطاق الخطاب والأهداف ليشمل قضية اللاجئين والهجرة، التي باتت أزمة متصاعدة داخل المملكة المتحدة تحولت إلى ملف استقطابي يشعله من حين لآخر التنافس الانتخابي أو الحوادث التي يكون مرتكبوها من خلفيات مهاجرة. وربما وجدت المنظمة في قضية الهجرة وسيلة للتعبئة وحشد الدعم أو لتبرير العنف، مما يثير تساؤلات حول تطور عمليات تلك المنظمة في ظل زخم متزايد يشعله اليمين الشعبوي المعادي للمهاجرين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال الأسبوع الماضي، في أعقاب هجوم بالسكين داخل بلفاست ارتكبه لاجئ سوداني، أضرمت مجموعات إيرلندية النيران في منازل وسيارات وحافلة وقذفت الشرطة بقنابل المولوتوف، رداً على الهجوم. المشهد هو تكرار لما حدث قبل عام، بعد توجيه تهمة الاغتصاب لمراهقين رومانيين، إذ شهدت المنطقة ثمانية أيام من الاضطرابات، بما في ذلك هجمات استهدفت المهاجرين ومن يعتقد أنهم مهاجرون، وفي أغسطس (آب) 2024، اضطرت الشرطة إلى الاستعانة بتعزيزات من اسكتلندا لقمع أسبوع من العنف المعادي للمهاجرين.
يقول مراقبون إن هناك قصة فريدة تتعلق بإيرلندا الشمالية، وهي كيفية تحول الجماعات شبه العسكرية السابقة من جماعات طائفية تستهدف في ما بينها الكاثوليك والبروتستانت، إلى استهداف الأجانب والمهاجرين حالياً. وقد اتبع المنظمون أسلوباً أكثر دهاء لتجنب الاعتقال، شمل ارتداء الأقنعة، وحث الناس على إطفاء كاميرات المراقبة المنزلية وأجهزة المراقبة الأخرى، مما أسهم في انخفاض معدل الاعتقالات بين صفوف حشود الشغب في إيرلندا الشمالية.
تحول داخل فصائل الجيش الجمهوري
بينما ينتمي التيار الرئيس للقوميين الإيرلنديين أو الجماعات الجمهورية مثل حزب "شين فين"، لليسار السياسي ولا يحمل أفكاراً مناهضة للمهاجرين والهجرة، فإن فصائل جمهورية معارضة أصغر جحماً وبعض المجتمعات القومية من الطبقة العاملة تميل للخطاب المعادي للمهاجرين لا سيما في ظل تحديات اقتصادية تواجه تلك الطبقة.
فوفق الباحث الإيرلندي شاني كالدويل، فإن حزب "شين فين" (الجناح السياسي التاريخي للجيش الجمهوري الإيرلندي) يجد نفسه في مأزق، فمن جهة يدافع سياسياً عن المهاجرين ويرفض العنصرية، ومن جهة أخرى يخشى خسارة قاعدته الانتخابية من الطبقة العاملة المتضررة من نقص المساكن. وقد امتنع الحزب سابقاً عن توقيع بيان أصدرته مجموعة من المعتقلين والقياديين السابقين في الفصائل المسلحة للجيش الجمهوري الإيرلندي يتبرأ من النبرة القومية التي تروج لها بعض الجماعات التي وصفها البيان بالعنصرية، كما هاجموا منظمي الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين ودعوا الشارع الإيرلندي إلى مقاومة أي محاولة من تلك الجماعات لادعاء عباءة الجمهورية الإيرلندية لأنفسهم.
ويقول كالدويل إن امتناع قادة حزب "شين فين" عن توقيع البيان عام 2023 يوضح رغبتهم النأي بأنفسهم عن أي خطابات قد تبدو مرتبطة بالإرث العنيف، وفي الوقت نفسه محاولة استيعاب غضب الشارع دون الانزلاق إلى العنصرية، غير أن الكاتب الإيرلندي يرى تحولاً جاداً بين بعض الفصائل داخل البيئة الجمهورية، لإعادة صياغة "إرث المقاومة الإيرلندي" وتحويل مفهوم "الدفاع عن الوطن" من سياقه الأصلي الذي كان يتمثل في "مقاومة الاستعمار البريطاني" إلى سياق مناهض للمهاجرين واللاجئين.
صدى شعبي
ويبدو أن هذا التوجه وجد صدى شعبياً داخل البلاد، فبدت ردود السكان في أحاديثهم مع وسائل الإعلام في شأن العنف الذي اندلع الأسبوع الجاري، متقاربة وربما تسعى للوحدة بين خصوم الأمس في مواجهة ما يعتبرونه تهديداً مستجداً يتمثل في المهاجرين. وفي مقابلة مع شبكة "سي بي أس نيوز" الأميركية، تحدث شخصان ينتميان إلى طرفين مختلفين من الطوائف التي تصارعت قديماً في البلاد، بنفس الكلمات. فكريس وجون ينتميان إلى طائفتين مختلفتين، أحدهما إلى "القوميين" الذين ينتمون في غالبيتهم إلى عائلات كاثوليكية، والذين يرغبون في توحيد إيرلندا، والآخر ينتمي إلى "الوحدويين" الذين يميلون إلى البروتستانت، والذين يرغبون في بقاء المقاطعة جزءاً من المملكة المتحدة، وهما طائفتان لهما تاريخ من العداء وعقود من العنف، قالا إنهما ذهبا إلى المنطقة للصلاة معاً بعد حادثة الطعن.
وقال كريس لشبكة "سي بي أس نيوز"، "الأمر المقلق هو أن الناس متفاجئون نوعاً ما، لكنهم ليسوا متفاجئين من الهجوم". وأضاف "انظروا إلى الحادثة التي وقعت في ساوثهامبتون، وهي مجرد واحدة من بين حوادث كثيرة"، في إشارة إلى مقتل الطالب هنري نواك في جنوب إنجلترا على يد طالب من أصل مهاجر، والذي أشعل فتيل احتجاجات مناهضة للهجرة واشتباكات مع الشرطة في وقت سابق من الشهر الجاري.
وأوضح كريس أن الناس قلقون في شأن الهجرة، لا سيما داخل المناطق العمالية حيث توجد قوائم انتظار طويلة للحصول على السكن الاجتماعي، ويعاني نظام الرعاية الصحية الوطني ضغوطاً كبيرة. وأضاف "إنهم يريدون سياسة هجرة منطقية، وألا يُهمل هؤلاء السكان لأن أصواتهم لا تسمع. هذا هو السبب، السياسيون لا يصغون، والناس يشعرون أن عليهم اتخاذ موقف ولفت الانتباه".
استغل نشطاء اليمين المتشدد وشخصيات سياسية طريقة تعامل الشرطة مع قضية نواك كمثال على ما سماه بعضٌ "التمييز في تطبيق القانون"، إذ يوجه هؤلاء اتهامات للمسؤولين بمنح المهاجرين معاملة أفضل من المقيمين البريطانيين. وكان نائب الرئيس جي دي فانس من بين الشخصيات البارزة التي انتقدت طريقة التعامل مع قضية نواك. وكتب فانس في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن المراهق الأبيض كان سيبقى على قيد الحياة "لو أن الأجيال القليلة الماضية من النخب الأوروبية وقفت في وجه سياسات كراهية الذات والغزو الجماعي للمهاجرين، الذين يكره كثير منهم الغرب ومن يحبه".