Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن رمزية الأعلام وتقسيم المجتمعات في ضوء تجربة إيرلندا الشمالية

رايات من كل لون يتم تعليقها بصورة روتينية على أعمدة الإنارة في مختلف أنحاء البلاد، ليقوم موظفو المجالس المحلية المنهكون بإنزالها لاحقاً. فهل هذا دليل على جنون المجتمع وفقدانه السيطرة؟

تشهد بريطانيا حرب أعلام تعكس الانقسام في المجتمع (كوبايلوت للذكاء الاصطناعي)

ملخص

الأعلام في بريطانيا لم تعد مجرد رموز احتفالية، بل صارت أدوات سياسية تستخدم لإظهار الولاء أو الهوية، وهو ما يثير الانقسام ويؤجج الصراعات الثقافية، حتى بات انتشارها على أعمدة الإنارة مؤشراً إلى اضطراب المجتمع.

يبدو أن بريطانيا أصيبت بهوس الأعلام في الآونة الأخيرة، لكن ليس كما قد يظن البعض، بسبب الإنجاز الذي حققه منتخب كرة القدم الإنجليزي للسيدات - المعروف بـ"اللبؤات" - من خلال فوزه بـ"كأس أوروبا" مرتين متتاليتين، بل لأن دعوات انطلقت في الأوساط "الوطنية" على وسائل التواصل الاجتماعي، تحض الناس على "رفع الأعلام" (تعبيراً عن الولاء)، أي ببساطة إحضار سلم وتثبيت علم إنجلترا على أقرب عمود إنارة.

في مدينة بيرمنغهام، قام بعض المبدعين برسم صلبان كبيرة لـ "راية القديس جورج" (علم إنجلترا) على المستديرات الصغيرة في الطرقات، محولين تلك المعالم المرورية إلى رموز لـ... من الصعب الجزم بذلك، ربما تعبر عن الحماسة القومية.

هذا الواقع دفع بالمجالس المحلية من مقاطعة "ويست ميدلاندز" حتى شرق لندن، إلى إرسال موظفيها في محاولة للسيطرة على ما سميت "فورة الأعلام" أو flagtivism.

رأيت أيضاً صفوفاً من المنازل ترفع علم فلسطين من النوافذ، ومتاجر تعلقه على واجهاتها، وهو أمر أجده أقل إزعاجاً. كما ظهرت بعض أعلام "مجتمع الميم" بصور مختلفة، وأكثرها لفتاً للانتباه ما علق على امتداد "شارع ريجنت" وسط لندن خلال "شهر الفخر" [يونيو (حزيران) من كل سنة، يحتفل فيه عالمياً بحقوق "مجتمع الميم"] مرة أخرى، أرى أن هذه العروض لا تشكل تهديداً على الإطلاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم أشاهد صلبان "سواستيكا" المعقوفة (المرتبطة بالنازية)، سوى واحد على المعبد الهندوسي المحلي، لكنه هنا يفهم في بمعناه الأصلي كرمز للحظ السعيد.

كما تختار بعض المجالس المحلية في بريطانيا إضاءة مبانيها بألوان العلم الوطني لدول مثل الهند أو باكستان في يوم الاستقلال، وذلك كمبادرة حسن نية تجاه كثير من السكان الذين ترتبط جذورهم بتلك الدول.

للمرة الأولى، أجد نفسي متفقاً مع دانيال هانان المؤيد المعروف لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي - الذي عادة ما يكون مضللاً للغاية - عندما أشار إلى تصاعد حملات رفع الأعلام المتنافسة باعتباره اتجاهاً مثيراً للقلق، ويذكرنا بأكثر مناطق المملكة المتحدة انقساماً.

وقد عبر هانان عن ذلك بصورة جيدة على منصة "إكس" ("تويتر" سابقاً)، حيث يشكل ما أسميه "الابتهاج بالأعلام" flag-elation سمة شائعة في السير الذاتية والميمات على حد سواء. وقد قال في هذا الإطار: "باتت السياسة في إنجلترا تشبه بما هو قائم في إيرلندا الشمالية. فالأعلام تستخدم للدلالة على الجماعة التي تهيمن محلياً، ويتوقع من الناخبين أن يصطفوا خلف ’أتباعها‘. وهذا ليس بأمر يستحق الاحتفاء به. فالسياسة الطائفية تغذي، في أفضل الأحوال، الرضا عن الذات والفساد، وفي أسوأ الأحوال، الصراعات الأهلية".

إنه لأمر قبيح، وأنا لست من محبيه. أفضل أن تخصص الأعلام للمناسبات الخاصة - كالكرنفالات، وحفلات التتويج، ونهائيات الكؤوس الرياضية. أما عدا ذلك، فمن وجهة نظري، لتذهب جميعها إلى الجحيم.

أول ما يتبادر إلى ذهني عندما أرى علم إنجلترا متدلياً من نافذة أو مرفوعاً على سارية، هو التساؤل عما إذا كان الذي وضعه هو أحد مشجعي كرة القدم، أم أحد القوميين المتطرفين. أو ربما مجرد شخص عادي ليست لديه نزعة عنصرية، لكنه يشعر - كما كثيرين - بأن هويته مهددة بسبب الهجرة والتعددية الثقافية.

وعندما يرفع صليب القديس جورج أمام الفنادق التي يقيم فيها لاجئون ومهاجرون، يصبح الدافع الأخير أكثر وضوحاً. ويبدو الأمر خاطئاً وعدائياً، ويثير الشعور بأن رمزاً وطنياً عزيزاً يستغل لخدمة قضية سياسية محددة.

بطبيعة الحال ليس هذا بالأمر الجديد. وهنا أتذكر كيف استأثرت "الجبهة الوطنية" National Front بالعلم الوطني في سبعينيات القرن الماضي، وسارت به في تظاهرات حاشدة داخل أحياء مكتظة بأعداد كبيرة من المهاجرين. وأظن أن أوزوالد موزلي و"الاتحاد البريطاني للفاشيين" British Union of Fascists قاما بالشيء نفسه قبل الحرب. إنه لأمر مزعج دائماً أن يسرق أحدهم شيئاً منك، ويجعلك تشعر ببعض من الفتور في تقديرك للعلم البريطاني العزيز أو علم إنجلترا، خصوصاً عندما يستخدم كأداة لـ"استعراض السيطرة على الأرض"، كما وصفته فرقة "نيرفانا".

أما بالنسبة إلى العلم الفلسطيني، فغالباً ما يشاهد في التظاهرات وشوارع الأحياء ذات الغالبية المسلمة. أفضل اعتباره رمزاً للتضامن مع معاناة الشعب الفلسطيني - والتركيز على بعده الإنساني أكثر من الإسلامي. مع ذلك يمكنني أن أفهم لماذا يراه البعض تعبيراً عن دعم حركة "حماس" والإرهاب الإسلاموي، أو رغبة في تدمير إسرائيل واليهود. كما أن البعض يشعرون بأنه يحمل في طياته رسالة لتأكيد الهوية - قد تتخذ أحياناً طابعاً عدوانياً.

أما أعلام "قوس قزح"، والفخر بـ"مجتمع الميم"، والأعلام التقدمية، فيراها آخرون - وهذا غريب نوعاً ما - مسيئة لهم، حتى لو لم يفهموا معناها تماماً. لست خبيراً في هذا المجال، لكنني متحمس لرؤية أول علم لـ"نصف الجنسيين" Demisexual [الأشخاص الذين لا يشعرون بانجذاب جنسي إلا بعد تكوين رابطة عاطفية قوية] في الأماكن العامة...

هذه هي النقطة الجوهرية. فلا يمكن معرفة ما المقصود بدقة من رؤية قطعة قماش أو رسم على جدار، وهو ما قد يساء تفسيره بسهولة. قد يشير علم الاتحاد البريطاني المتدلي من نافذة علوية إلى الفرح بمناسبة ملكية، لكنه في سياق أعمال الشغب التي شهدناها العام الماضي، قد يفسر على أنه دعم صريح أو ضمني لحريق متعمد في فندق مأهول بالناس.

لا شك في أن الأعلام سرعان ما تحولت إلى أداة سياسية - لتصبح مثالاً صارخاً للصراعات المرتبطة بالهوية السياسية. وقد سعت بعض المجالس المحلية إلى إنزال بعض أو جميع هذه الرايات - الإنجليزية منها، والفلسطينية، وغيرها - وتعرضت للانتقاد بسبب ذلك. وإذا لم تتمكن هذه المجالس من مجاراة "نشطاء الأعلام" أو لم تظهر حيادها، فستتهم حينها باعتماد ازدواجية المعايير.

مجالس أخرى، ولا سيما منها تلك التي يديرها حزب "ريفورم"، لا تنزع الأعلام البريطانية غير الرسمية أو أعلام إنجلترا، لكنها قد تزيل على سبيل المثال علم أوكرانيا أو فلسطين أو باكستان، أو علم "مجتمع الميم" (أو علم الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيكون استفزازاً حقيقياً). وحتى الآن، لم يعرف بعد ما إذا كانت ستنزع أعلام إسرائيل أو الولايات المتحدة الأميركية.

ويبدي أتباع نايجل فاراج [زعيم حزب "ريفورم"] حرصاً شديداً على ما يسمح برفعه في قاعات المقاطعات وما هو ممنوع، ويصفون الأعلام المرتبطة بدول أخرى (مثل أوكرانيا) أو جماعات وقضايا مختلفة (باستثناء القوات المسلحة البريطانية) بأنها "مثيرة للانقسام". مع ذلك تبدو سياستهم في الواقع مثيرة للجدل، واستفزازية، ومسببة للانقسام، حتى وإن كان الهدف المعلن منها هو تعزيز الوحدة داخل مجتمعاتهم.

على المستوى الوطني، الأمور مربكة بالمقدار نفسه. فالمتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أراد - وهو أمر مفهوم - إبعاد زعيمه عن الحرب الثقافية الأخيرة، عندما قال "إن هذه المسألة تخص المجالس المحلية. لكن عندما يتعلق الأمر بوطنية رئيس الوزراء، فقد أوضح في سابقاً مدى أهمية هذه المسألة بالنسبة إليه. وكثيراً ما كان ستارمر واضحاً في مسألة فخره ببريطانيا، وبدا ذلك على سبيل المثال واضحاً في العرض المتكرر لعلم إنجلترا وغيره من الأعلام في مقر رئاسة الحكومة في "داونينغ ستريت".

في الواقع، هناك إرشادات رسمية حول ما يجوز وما لا يجوز رفعه في الأماكن العامة، لكنني أرى أن البلاد كانت أكثر سعادة حين كان "يوم العلم" مناسبة خاصة واحتفالية، ويقترن بجمع تبرعات لـ"الهيئة الملكية الوطنية لقوارب النجاة".

أما اليوم، فإن رؤية علم على كل عمود إنارة تبدو لي دليلاً على جنون المجتمع.

© The Independent

المزيد من تقارير