ملخص
يرى منتقدو "طالبان" أن تركيز الحركة على المدارس الدينية ودور الأيتام يهيئ الأرضية لتنشئة جيل جديد تعرض منذ طفولته لروايتها الأيديولوجية الخاصة. وبحسب هؤلاء، فإن استخدام أبناء المقاتلين القتلى في الأنشطة الدعائية، فضلاً عن محدودية الوصول إلى محتوى المناهج التعليمية في تلك المؤسسات، من شأنهما أن يضمنا استمرار النفوذ الفكري والأيديولوجي لـ"طالبان" بين شريحة من أجيال أفغانستان المقبلة.
تستخدم حركة "طالبان" أبناء منفذي العمليات الانتحارية، وكذلك أبناء مقاتليها الذين قضوا، بوصفهم أدوات دعائية، وتستثمر حضورهم في الترويج لأفكارها بين الناس، فضلاً عن توظيفهم في تعزيز تماسك عناصرها وترسيخ ارتباطهم بنظام "طالبان" وأيديولوجيا الجماعة.
وفي إحدى الحالات، ألقى طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، وهو نجل أحد منفذي العمليات الانتحارية التابعين لـ"طالبان"، قُتل بإحدى الهجمات، كلمة أمام جمع من عناصر الحركة وأنصارها، قال فيها إن والده لقي مصرعه خلال هجوم انتحاري نفذه بواسطة دراجة نارية، زاعماً أنه قام بذلك دفاعاً عن "إمارة طالبان الإسلامية".
وأضاف الطفل "اشترى والدي دراجة نارية بمساعدة التبرعات التي قدمها الناس، وفي أحد الأيام أخذ من والدتي 150 أفغانياً (العملة المحلية)، أنفق منها 50 أفغانياً لتعبئة خزان الدراجة بالوقود، وفي مساء ذلك اليوم أعادوا لمنزلنا جثمانه مغطى بالدماء. أما الـ100 أفغاني الباقية، فلا تزال محفوظة في خزانة منزلنا حتى اليوم".
لكن هذه ليست الحالة الوحيدة التي تستخدم فيها "طالبان" أبناء عناصرها القتلى ضمن أنشطتها الدعائية. فمنذ عودتها للسلطة قبل أربعة أعوام ونصف العام، دأبت الحركة أيضاً على توظيف الأطفال في دور الأيتام والمدارس الدينية للترويج لأفكارها ونشر أيديولوجيا "إمارة طالبان الإسلامية".
وتتولى "طالبان" تعليم عدد من أبناء عناصرها الذين قُتلوا في المعارك داخل المدارس الدينية ودور الأيتام الخاضعة لسيطرتها. وفي هذه المؤسسات، يتلقى الأطفال تدريبات على فنون الخطابة وإلقاء الكلمات أمام الجمهور، قبل أن يجري توظيفهم لاحقاً بوصفهم أدوات دعائية تخدم خطاب الحركة وأهدافها.
وخلال فترة نظام الجمهورية في أفغانستان، كان يحظر استخدام الأطفال واليافعين، ولا سيما المقيمين داخل دور الأيتام، في الأنشطة السياسية والدعائية. أما اليوم، فباتت "طالبان" تستخدم الأطفال الموجودين في دور الأيتام والمدارس الدينية كأدوات للترويج لأفكارها وأيديولوجيتها.
وفي الوقت الراهن، يتلقى أطفال دور الأيتام في أفغانستان أناشيد تتضمن كلمات تمجد الحرب والعنف والتفجيرات والعمليات الانتحارية، يؤدونها لدى استقبال مسؤولي الحركة أو أثناء زياراتهم التفقدية لتلك المؤسسات.
وتظهر مقاطع فيديو وصور متداولة من هذه المراكز أن الأطفال يُنقلون في بعض الحالات إلى المناسبات الرسمية التي تنظمها "طالبان"، فيؤدون أناشيد وقصائد تمجد مقاتلي الحركة الذين قُتلوا، وتشيد بـ"إمارة طالبان الإسلامية".
وبحسب تقارير متداولة، يتلقى أطفال دور الأيتام تعليماً دينياً قائماً على أيديولوجيا "طالبان"، فيما لا تُدرَّس في تلك المؤسسات العلوم الحديثة أو المناهج المدنية (العلمانية)، بما يحول دون اطلاع هؤلاء الأطفال على التطورات العلمية والتكنولوجية، ويجعل أقصى ما يغرس في مخيلتهم، كما يقول منتقدو الحركة، أن يسلكوا المصير ذاته الذي سلكه آباؤهم، أي التضحية بحياتهم من أجل أهداف "طالبان".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبهذه الكيفية، وفي حال استمرار حكم "طالبان"، ستتمكن الحركة من بناء قاعدة بشرية شديدة الولاء، تلقت على مدى أعوام طويلة تعليماً مستنداً إلى قراءات متشددة للإسلام، لتتحول لاحقاً إلى جنود المستقبل في خدمة "إمارة طالبان الإسلامية".
ولا تسمح "طالبان"، باستثناء عناصرها وأنصارها، لأية جهة بالاطلاع على المدارس الدينية التي تقدم ما تصفه بـ التعليم الجهادي"، أو زيارة دور الأيتام حيث يقيم أبناء عناصرها القتلى. كما أن طبيعة المواد التعليمية المقدمة في تلك المؤسسات لا تزال غير معروفة، مع رفض الحركة الكشف عن مضامينها للرأي العام.
وفي السياق ذاته، سعت "طالبان" إلى إحكام سيطرتها بصورة أكبر على مراكز رعاية الأطفال الأيتام وفاقدي الرعاية الأسرية في أفغانستان، بهدف إخضاع أعداد أكبر من الأطفال لإشرافها المباشر.
وقبل نحو خمسة أشهر، أعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية التابعة لحكومة "طالبان" حظر نشاط جميع دور الأيتام الخاصة في أفغانستان، مؤكدة أن الأطفال المقيمين فيها سينقلون إلى دور أيتام تديرها السلطات التابعة للحركة.
وزعمت الوزارة عبر بيانها أن الهدف من هذه الخطوة يتمثل في توفير إمكانات أفضل وتعليم سليم، موضحة أنه سيجري إنشاء دور أيتام منفصلة للبنين والبنات في مختلف الولايات الأفغانية، على أن تتجاوز الطاقة الاستيعابية لبعض هذه المراكز 10 آلاف طفل يتيم.
ويرى منتقدو "طالبان" أن تركيز الحركة على المدارس الدينية ودور الأيتام يهيئ الأرضية لتنشئة جيل جديد تعرض منذ طفولته لروايتها الأيديولوجية الخاصة. وبحسب هؤلاء، فإن استخدام أبناء العناصر القتلى في الأنشطة الدعائية، فضلاً عن محدودية الوصول إلى محتوى المناهج التعليمية في تلك المؤسسات، من شأنهما أن يضمنا استمرار النفوذ الفكري والأيديولوجي لـ"طالبان" بين شريحة من أجيال أفغانستان المقبلة.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"