ملخص
يوسع مشروع القانون نطاق المسؤولية ليشمل المؤسسات الإعلامية أيضاً، إذ ينص على أنه في حال ارتكاب هذه الأفعال عبر الصحف أو محطات الإذاعة أو التلفزيون أو المنصات الإلكترونية أو قنوات التواصل الاجتماعي أو غيرها من وسائل الاتصال، فقد تواجه المؤسسات الإعلامية نفسها عقوبات مالية وتعليق أو إلغاء تراخيصها التشغيلية.
أثار مشروع قانون اقترحته اللجنة القانونية الدائمة لبرلمان إقليم تيغراي الإثيوبي، جدلاً واسعاً بسبب بنوده التي تجعل التعبئة العسكرية التزاماً قانونياً، مع فرض عقوبات قاسية على الأفراد والمؤسسات الإعلامية المتهمة بتثبيط التجنيد، أو انتقاد جهود التعبئة، أو نشر معلومات تُعد ضارة بالمصالح الأمنية.
ويتضمن التشريع الذي يسعى إلى وضع إطار قانوني للتعبئة الوطنية وإدارة الحرب، سلسلة من الأحكام التي تمنح السلطات صلاحيات واسعة على الأنشطة المدنية والمؤسسية والإعلامية خلال فترات التعبئة.
ويتمحور مشروع القانون حول إلزام المواطنين المدعوين إلى التعبئة الوطنية الامتثال لأوامر التجنيد. كذلك يحدد مشروع القانون عقوبات للأفراد الذين يتهربون من أداء الخدمة الإلزامية، أو لا يمتثلون للاستدعاء، أو يساعدون الآخرين في التهرب من التعبئة، أو يعرقلون جهود التجنيد بأي طريقة من الطرق.
وينص أحد البنود على أن الأفراد الذين "يثبطون عزيمة أفراد القوات المسلحة أو هياكل التعبئة، أو يرهبونهم، أو يضللونهم عمداً"، أو يشجعونهم على ترك الخدمة أو تسليم أسلحتهم، قد يواجهون أحكاماً بالسجن تصل إلى حد 25 عاماً في الحالات الخطيرة.
أيضاً يوسع مشروع القانون نطاق المسؤولية ليشمل المؤسسات الإعلامية، إذ ينص على أنه في حال ارتكاب هذه الأفعال عبر الصحف أو محطات الإذاعة أو التلفزيون أو المنصات الإلكترونية أو قنوات التواصل الاجتماعي أو غيرها من وسائل الاتصال، فقد تواجه المؤسسات الإعلامية نفسها عقوبات مالية وتعليق أو إلغاء تراخيصها التشغيلية.
إعدام المخالفين
إضافة إلى ذلك، يجرم بند آخر نشر أو توزيع المعلومات التي تعدّها السلطات "كاذبة أو مضللة" حول العمليات العسكرية أو الخسائر أو التهديدات الأمنية أو تطورات الحرب. ويرى مراقبون أن هذه الصياغة "فضفاضة" ومن الممكن أن تعرض الصحافيين والمؤسسات الإعلامية للملاحقة القضائية بسبب تغطيتهم قضايا مثيرة للجدل تتعلق بالتجنيد أو تطورات ساحة المعركة أو المظالم العامة.
كذلك أثار بند في المشروع الجديد بصورة خاصة جدلاً واسعاً، والذي يتعلق بما يصفه مشروع القانون بأنه "دعاية عدائية أو حملات إعلامية أو أنشطة علاقات عامة تدعم أهداف العدو"، إذ يفرض هذا الاتهام أشد العقوبات، بما في ذلك أحكام بالسجن لمدد طويلة والسجن المؤبد، وفي أشد الظروف خطورة عقوبة الإعدام.
عقوبات في غياب المعايير
وأشارت صحيفة إلكترونية معارضة إلى أن مشروع القانون المقترح يعاقب على أفعال يعتبرها مشرعو المقترح الجديد "ضارة بالأمن القومي"، من دون تحديد معايير واضحة لهذا الضرر، والإشارة إليها بوصفها "مضعفة للسلطة الدستورية أو النظام العام خلال فترات التعبئة العامة". إضافة إلى ذلك، يلزم المقترح المؤسسات العامة والمنظمات الخاصة والشركات والهيئات المجتمعية ووسائل الإعلام التعاون مع جهود التعبئة العامة والامتثال للتوجيهات الصادرة عن السلطات. ويتضمن أيضاً أحكاماً تقيّد الإفراج بكفالة عن بعض الجرائم، وتجيز إجراءات خاصة لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أي من التهم التي صاغها المشرعون بعناوين فضفاضة.
ويأتي مشروع القانون المقترح في ظل استمرار ورود تقارير عن التجنيد العسكري القسري من مناطق متفرقة في تيغراي.
فخلال الأشهر الأخيرة، أفاد سكان من مناطق متعددة لوسائل إعلام محلية بتعرض شباب للاعتقال والاحتجاز والضغط للانضمام إلى المؤسسات العسكرية. وبالمثل، اتهمت أحزاب المعارضة التيغراوية السلطات بتنفيذ حملات تجنيد قسري، بينما حذرت منظمات حقوقية من أن هذه الممارسات تهدد بانتهاك الحقوق الأساسية وتفاقم استياء الرأي العام.
حقوقيون يدينون المشروع
ووثّق تقرير حديث صادر عن منظمة "هيومن رايتس فيرست إثيوبيا" (HRFE) مزاعم التجنيد العسكري القسري في مناطق عدة من الإقليم. وذكرت المنظمة أن أفراداً، بمن فيهم طلاب وشباب، تعرضوا للضغط والاحتجاز وغير ذلك من الإجراءات القسرية التي تهدف إلى إجبارهم على المشاركة في الأنشطة العسكرية. ودعت المنظمة إلى التزام معايير حقوق الإنسان، وحثت السلطات على ضمان بقاء ممارسات التجنيد طوعية وقانونية.
وفي هذا السياق، يقول مراقبون وإعلاميون ومحللون قانونيون إن مشروع القانون قد يؤثر بصورة كبيرة في النقاش العام حول ممارسات التجنيد. ويحذرون من أن الأحكام التي تجرم الخطاب الذي "يثبّط" الخدمة العسكرية، فضلاً عن القيود المفروضة على التقارير التي تُعد ضارة بجهود التعبئة، قد تثير حالاً من عدم اليقين لدى الصحافيين الذين يغطون مزاعم التجنيد الإجباري أو المعارضة الشعبية لحملات التجنيد.
لكن مؤيدي مشروع القانون يجادلون بأن تيغراي تواجه تحديات أمنية استثنائية تتطلب فهماً شاملاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تدابير حرب غير معلنة
بدوره يرى المتخصص في شؤون تيغراي محاري سلمون أن "مسودة القانون الجديد تكشف عن شروع الحكومة التيغراوية التي عادت للسلطة بعد إقالة الرئيس المعين من قبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في تفعيل إجراءات الطوارئ، وأنها ماضية نحو استكمال استعداداتها لحرب محتملة".
ويضيف "منذ أن جرى تعليق العمل بــ’اتفاق وقف الأعمال العدائية‘ الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022 مع الحكومة المركزية في أديس أبابا، كان من الواضح أن الطرفين في كل من مقلي وأديس أبابا، يجريان استعداداتهما لخوض غمار حرب أخرى، بعد نحو أربعة أعوام من إسكات الرصاص"، قائلاً "على رغم أن المماطلة في تطبيق بنود الاتفاق عززت المخاوف من احتمال عودة المواجهات، فقد ظل الأمل قائماً في عقد لقاءات برعاية الاتحاد الأفريقي، لبحث تحفظات كل طرف تجاه الآخر، ولا سيما أن اللجنة المتخصصة في متابعة الملف من قبل المنظمة القارية ظلت ترفع تقاريرها لمفوضية الاتحاد الأفريقي، من أجل تجاوز العقبات وضمان عدم عودة المنطقة مرة أخرى للحرب".
ويرى سلمون أن الحكومة المركزية في أديس أبابا بدت غير مهتمة تماماً بقرار "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في شأن تعليق الاتفاق، مشيراً إلى أن ذلك عائد لعاملين أساسيين، الأول انشغالها بالانتخابات التشريعية التي جرت في الرابع من الشهر الجاري، والثاني لاعتقادها الراسخ بأن الجبهة عقدت تحالفات قوية مع النظام الإريتري، وبعض الجماعات المعارضة في إقليمي الأورومو وأمهرة، مما عزز أكثر الاعتقاد بأن الحسم العسكري هو الحل الأوحد للأزمة مع الجبهة.
تقييد الحريات
ويلاحظ سلمون أن مشروع القانون المقترح يقيّد الحريات بصورة واضحة، ويفرض عقوبات قاسية على كل من يعارض تدابير التجنيد الإجباري، بما فيها الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، إضافة إلى التدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي، موضحاً أنه على رغم أن مثل هذه الإجراءات معهودة في حالات الحرب، إذ يجري تعطيل العمل بالدساتير والقوانين المنظمة، فإن تغليظ العقوبات بهذه الصورة وشمول الأحكام الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام، ينذران بإمكان تسييس الأمر ومعاقبة المعارضين للحكومة التي نصبت نفسها بأثر رجعي لاستحقاقات عام 2020، من دون الحصول على شرعية انتخابية جديدة.
ولفت إلى أن قوانين الطوارئ في حالات الأخطار المحدقة تطبق عادة في أضيق الحدود، ولا ينبغي أن تتناقض مع نصوص الدستور وروح القوانين السارية، بما في ذلك ضمان حرية معارضة الإجراءات المتعلقة بجهود الحرب وتدابير التجنيد. وتابع أن إقرار هذا المشروع سيمثل "ردة سياسية وقانونية"، والتوسع في تطبيق هذا التشريع سيعني على نحو ما، "تصفية المعارضين السياسيين" عبر إصدار أحكام قاسية بما فيها الإعدام، مما يهدد أمن الإقليم واستقراره.
بداية نهاية القانون
من جهته يرى المتخصص في الشؤون الإثيوبية بيهون غيداون أن "المصادقة على مشروع القانون المقترح على مجلس تيغراي تعني بداية نهاية حكم القانون، وأن الجبهة الشعبية التي تحكم الإقليم من دون تفويض شعبي ستتمكن من فرض إرادتها على التيغراويين"، مشيراً إلى أن "اعتبار معارضة الدخول للحرب جريمة يعاقب عليها القانون، لا يعني سوى وضع التيغراويين بين خيارين لا ثالث لهما، إما الموت في الحرب أو في ساحات المحاكم التي ستنصب مشانق لكل من يعارض جهود الحرب".
ويضيف أن "مثل هذه التشريعات المناقضة لروح ونص الدستور الفيدرالي، ستعود بالبلاد لأسوأ عصور الاستبداد، مشيراً إلى أن ما يجعل الأمر أكثر سوءاً أن المجلس المناط به تصديق هذا المقترح القانوني، بالأصل لا يتمتع بالشرعية السياسية والدستورية، إذ إن ولايته القانونية والمحددة بأربعة أعوام (2020-2024) انتهت بالفعل، إضافة إلى أن المجلس والحكومة انتهت ولايتهما وفقاً لاتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. وبناء عليه بأي حق يمكن إقرار مثل هذه المشاريع القانونية التي تفتقد إلى أي مسوغ قانوني أو سياسي؟".
ويوضح غيداون أن "اللجوء إلى مثل هذه الحيل القانونية يكشف في جانب منه، عن إدراك الطبقة الحاكمة أنها تتحرك ضد الإرادة الشعبية التي تعارض أية عودة للحرب ضد الحكومة المركزية، وإلا لما لجأت إلى معاقبة كل من يعارض مواقفها، بما فيها الاستعدادات التي تجريها لخوض حرب أخرى في إقليم لم يتعافَ بعد من ويلات الحرب الأخيرة".
فك الارتباط هو الحل
ويرجح غيدوان أن يكون اللجوء إلى مثل هذه المشاريع بالأصل عائداً لتأثر الجبهة الشعبية بتجربة نظيرتها الإريترية، بخاصة أنهما متحالفتان خلال هذه الفترة، وينسقان معاً لمواجهة الحكومة المركزية في أديس أبابا، مشيراً إلى أن نظام أسمرة يتبع نهجاً مماثلاً في ما يتعلق برفض التجنيد الإجباري، إذ يجري اعتقال الشباب لمدد طويلة بتهم التهرب من التجنيد.
ويختم غيداون إفادته، قائلاً إن أساس الأزمة الحالية في تيغراي يكمن في التحالف القائم تحت مسمى "تسيمدو" بين النظام الإريتري والجبهة الشعبية الحاكمة في إقليم تيغراي، ومن ثم فإن "الحل يكمن في فك هذا الارتباط غير المقدس"، بحسب وصفه.