ملخص
"الحل لا يكمن في تقليل أعداد اللاجئين، بل في إدارة وجودهم بصورة أفضل، عبر توزيعهم جغرافياً بطريقة متوازنة، وتحسين الخدمات في المناطق المستقبلة.
في غرفة ضيقة على أطراف مدينة غريبة، يجلس أحمد، وهو لاجئ سوداني بإحدى دول الجوار يبلغ من العمر 20 سنة، يراقب هاتفه بصمت بعد يوم طويل من العمل الشاق. لم يعد يحتمل ما يواجهه من توترات الغربة، من حيث نظرات الرفض والكلمات الجارحة التي تلاحقه في الشارع ومكان العمل. فقبل أعوام، كان جزءاً من مجتمع يستقبل الغرباء ويمنحهم الأمان، أما اليوم، فيجد نفسه في موقع مختلف تماماً، إذ يتحول الاختلاف إلى سبب للتنمر، واللجوء إلى تهمة غير معلنة.
قصة أحمد ليست استثناءً، بل نموذجاً متكرراً لتجربة يعيشها آلاف السودانيين الذين يحاولون النجاة.
يقول "أنا لاجئ سوداني غادرت بلدي بعد شهرين من اندلاع الحرب في الخرطوم بين الجيش و’الدعم السريع‘ منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وفقدت عملي ومصدر دخلي الأساس. وحالياً وضعي غير مستقر، إذ أتنقل بين أعمال يومية غير ثابتة لا تكفي لتغطية الحاجات الأساس من سكن وغذاء. لكن أكثر ما يؤثر فيَّ ليس فقط الجانب المادي، بل ما أواجهه أحياناً من خطاب كراهية أو تعميم سلبي تجاه السودانيين في بعض البيئات، سواء في مكان العمل أو في السكن أو عبر التعليقات المباشرة".
ومضى اللاجئ السوداني في القول "هذا الخطاب يجعل الاندماج أكثر صعوبة، ويخلق شعوراً دائماً بعدم الأمان الاجتماعي، حتى في المواقف اليومية البسيطة. كذلك فإن غياب وضع قانوني واضح يضاعف من الهشاشة، لأنني أضطر لقبول أي عمل متاح من دون قدرة على الاعتراض أو المطالبة بحقوقي".
ضغط مجتمعي
تزايد أعداد اللاجئين خلق توتراً داخل المجتمعات المستضيفة، وبخاصة في المدن التي تعاني أصلاً ضعف الخدمات.
الباحثة في علم الاجتماع مها عبدالهادي تقول "في عدد من المدن داخل السودان وخارجه، تحولت موجات النزوح الكبيرة إلى عامل ضغط مباشر على الموارد المحدودة، من السكن إلى فرص العمل، مما أسهم في خلق احتكاكات يومية بين السكان المحليين والوافدين".
وتابعت عبدالهادي "أي مجتمع يستقبل أعداداً كبيرة من النازحين خلال فترة قصيرة يواجه ما يعرف بـ’صدمة الاستيعاب‘، إذ تتجاوز الزيادة السكانية قدرة الخدمات والبنية التحتية على التكيف".
واستطردت أن "السودان يشهد واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخه الحديث، إذ يقدر عدد النازحين داخلياً وخارجياً بالملايين، مما أدى إلى ضغط غير مسبوق على المدن المستقرة نسبياً".
ولفتت إلى أن "هذا الضغط لا يظهر فقط في نقص الخدمات، بل يمتد إلى سوق العمل، إذ يتنافس السكان والنازحون على فرص محدودة، مما يخلق شعوراً بالتهديد لدى بعض الفئات. هذا الشعور قد يتحول تدريجاً إلى مواقف سلبية أو خطاب إقصائي، وبخاصة في ظل غياب سياسات واضحة لتنظيم وجود النازحين".
وترى الباحثة الاجتماعية أن "الحل لا يكمن في تقليل أعداد اللاجئين، بل في إدارة وجودهم بصورة أفضل، عبر توزيعهم جغرافياً بطريقة متوازنة، وتحسين الخدمات في المناطق المستقبلة. مع أهمية تدخل الدولة والمنظمات الدولية لدعم المجتمعات المستضيفة، لأن تجاهل حاجاتها قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية".
مظاهر تحريض
تشهد مواقع التواصل الاجتماعي من وقت إلى آخر تداول مقاطع مصورة تدل على مظاهر تحريض في بعض أماكن اللجوء، مما يعكس تحولاً مقلقاً في المزاج العام.
الباحث في الإعلام الرقمي أمجد هاشم قال إن "خطاب الكراهية غالباً ما يتصاعد في فترات الأزمات، إذ يبحث الأفراد عن طرف آخر لتحميله مسؤولية الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. والسودانيون، بوصفهم فئة نازحة بأعداد كبيرة، أصبحوا هدفاً سهلاً لهذا النوع من الخطاب في بعض السياقات".
وأضاف هاشم أن "انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في تضخيم هذه الظاهرة، إذ يمكن لمحتوى تحريضي محدود أن ينتشر بسرعة كبيرة ويؤثر في الرأي العام. كذلك غياب الرقابة الفعالة على هذا النوع من المحتوى يزيد من خطورته".
ورأى أن "مواجهة خطاب الكراهية يتطلب استراتيجية متعددة المستويات، تشمل تشريعات واضحة تجرم التحريض، وحملات توعية تعزز قيم التعايش، إضافة إلى دور الإعلام في تقديم صورة متوازنة تعكس مساهمات اللاجئين بدلاً من التركيز على السلبيات فقط".
وشدد الباحث في الاعلام الرقمي على أن "تجاهل هذه الظاهرة قد يؤدي إلى تطبيع الكراهية، مما يهدد النسيج الاجتماعي على المدى الطويل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هشاشة قانونية
في ظل أوضاع غير مستقرة، يجد عدد كبير من اللاجئين السودانيين أنفسهم خارج الأطر القانونية الواضحة، مما يجعلهم عرضة للاستغلال أو التمييز.
يشرح المتخصص في القانون الدولي مصطفى خالد أن "وضع اللاجئين والنازحين يختلف من دولة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو الحاجة إلى حماية قانونية تضمن الحد الأدنى من الحقوق".
وتابع خالد أن "كثيراً من السودانيين يواجهون صعوبات في الحصول على تصاريح إقامة أو عمل، مما يدفعهم إلى العمل في القطاع غير الرسمي، إذ تضعف الحماية وتزداد احتمالات الاستغلال".
وواصل أن "هذا الوضع يخلق حلقة مفرغة، إذ يؤدي غياب الوضع القانوني إلى ضعف القدرة على الدفاع عن الحقوق، مما يعزز من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. كذلك بعض السياسات قد تقيد حركة اللاجئين أو تحد من وصولهم إلى الخدمات الأساس، مما يزيد من معاناتهم".
ونوه المتخصص في القانون الدولي أن "الحل يكمن في تبسيط الإجراءات القانونية ومنح تصاريح موقتة تسهل الاندماج، إلى جانب تعزيز التعاون بين الدول والمنظمات الدولية لضمان توفير الحماية اللازمة، مع أهمية توعية اللاجئين بحقوقهم وواجباتهم، لأن الجهل بالقانون قد يفاقم من مشكلاتهم".
أزمة هوية
يواجه السودانيون تحدياً نفسياً واجتماعياً مرتبطاً بتغير موقعهم من مستضيفين إلى نازحين ولاجئين. أيضاً التحول من موقع القوة إلى الهشاشة لا يمر من دون آثار عميقة، وبخاصة في مجتمع اعتاد لعب دور الداعم للآخرين.
يقول اختصاصي علم النفس الاجتماعي هيثم الخالدي إن "هذا التحول يخلق ما يعرف بـ’صدمة الهوية‘، إذ يجد الأفراد أنفسهم في موقع لم يعتادوه، مما يؤدي إلى شعور بالاغتراب وفقدان السيطرة. فالسودانيون، الذين كانوا يستقبلون اللاجئين لعقود، يواجهون اليوم تجربة معاكسة تحمل أبعاداً نفسية معقدة".
وأردف الخالدي أن "هذا الشعور يتفاقم عندما يقترن بتجارب تمييز أو رفض، مما قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس وبالآخرين. الأطفال والشباب هم الأكثر تأثراً، لأنهم يمرون بمرحلة تكوين الهوية في ظروف غير مستقرة".
ولفت إلى أن "الدعم النفسي والاجتماعي يجب أن يكون جزءاً أساساً من الاستجابة الإنسانية، وليس مجرد عنصر ثانوي. مع أهمية خلق مساحات تفاعل إيجابي بين اللاجئين والمجتمعات المستضيفة، لأن التجارب المشتركة قد تساعد في تقليل التوتر وبناء جسور الثقة".
واختتم اختصاصي علم النفس الاجتماعي حديثه قائلاً إن "تجاوز هذه الأزمة يتطلب وقتاً وجهداً، لكنه ممكنٌ إذا توفرت سياسات شاملة تراعي البعد الإنساني إلى جانب الجوانب الاقتصادية والقانونية".