ملخص
تشهد بلفاست موجة عنف غذاها اليمين المتطرف عقب حادثة طعن، إذ حرف الغضب نحو المهاجرين واستغل الحدث لنشر خطاب الكراهية. وبينما يعيش السكان، خصوصاً غير البيض، حال خوف، يواصل أطراف داخليون وخارجيون توظيف الأزمة لخدمة أجنداتهم.
لقد أشعل اليمين المتطرف الفتيل، وهو الآن يراقب مدينتي إذ تحترق.
أنا من شمال بلفاست، ولدت ونشأت فيها، وما أشاهده في الشوارع منذ عملية الطعن الوحشية بالسكين التي وقعت مساء الإثنين الماضي يبعث على الرعب.
تتجه أفكارنا أولاً وقبل كل شيء إلى الضحية. نتمنى له ولعائلته السلامة بعد هذه الحادثة المروعة والصادمة. وقد أحيل رجل في الـ30 من عمره إلى القضاء اليوم، ومن الواجب إتاحة المجال للعدالة كي تأخذ مجراها.
لكن أعمال العنف التي أعقبت ذلك في المدينة وخارجها لا يمكن تبريرها.
كان من الممكن الشعور بالتوتر يتصاعد طوال يوم الحادثة. عندما بدأت تتكشف تفاصيله، فيما كانت الشرطة والسياسيون يناشدون الناس التزام الهدوء، كان واضحاً أن بعض الأشخاص عقدوا العزم على اللجوء إلى العنف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أغلقت المؤسسات التجارية أبوابها مبكراً، وطُلب من العاملين فيها العودة إلى منازلهم تحسباً لما كان يدركه كثر من أن نداءات التهدئة لن تجد آذاناً صاغية.
بدأ المشهد سلمياً. انتشرت الشرطة في كل مكان، وخرج رجال ونساء وأطفال إلى الشوارع للتعبير عن استنكارهم.
لكن بحلول غروب الشمس وبدء هطول المطر المعتاد في بلفاست، ازدادت الأجواء قتامة.
أثناء قيادتي سيارتي عبر مسقط رأسي، اعترضت طريقي متاريس مشتعلة ومركبات شرطة مدرعة من طراز "لاند روفر". كانت صفارات الشرطة تدوي في كل مكان، فيما كانت مروحية تحلق فوق رأسي. كذلك كان بالإمكان سماع تعليمات الشرطة الموجهة إلى الأشخاص الموجودين في الخارج.
في وقت كتابة هذه السطور، كانت المدينة تشتعل على وقع العنف. كان مثيرو الشغب يجوبون الشوارع، وقد أخفى كثر وجوههم. توقفت حركة النقل بعدما أحرقت حافلة ضمن عشرات المركبات التي أضرمت فيها النيران. وشوهدت ألسنة اللهب تتصاعد من أبواب ونوافذ منازل أناس يعيشون حالاً من الرعب.
كثيراً ما شهدت بلفاست موجات من الاضطرابات الواسعة في الشوارع والعنف الطائفي، غير أن الغضب هذه المرة أعيد توجيهه نحو المهاجرين. علماً أن إيرلندا الشمالية تعد أقل مناطق المملكة المتحدة تنوعاً على صعيد الأعراق.
وأصيب العقلاء بالصدمة لأكثر من سبب. فهم مستاؤون من هجوم الطعن الذي وقع الإثنين الماضي، وهم مصدومون أيضاً من المشاهد السلبية والمؤذية والخطرة التي أعقبته. سواء عبر الإنترنت أو على أرض الواقع، كشف عنصريون، بمن فيهم سياسيون، عن أجندتهم الحقيقية أمام الملأ.
واستغل ناشطون وشخصيات من اليمين المتطرف على الإنترنت في إنجلترا والولايات المتحدة، أحداث الإثنين الماضي ذريعة لنشر سمومهم.
ويعمد أناس لا يعرفون شيئاً عن بلفاست، وربما لم يزوروها قط، إلى توظيف ما جرى بما يخدم مصالحهم الخاصة.
وهؤلاء يشملون، على حد سواء، سياسيين يقولون الشيء ونقيضه، وأوباشاً ينشطون عبر الإنترنت ينتهزون الأحداث محاولين إثبات وجهة نظر ما.
أما جماعة "احموا نساءنا وفتياتنا"، فلم تتردد في توجيه مختلف أشكال الإساءة إلى صحافيين وصحافيات مثلي.
من المحزن للغاية رؤية المتاريس المشتعلة، ومعرفة أن أشخاصاً من غير البيض يعيشون في خوف على حياتهم، بينما يسعى عنصريون عرضيون ينشطون على الإنترنت وفي الواقع إلى نشر الكراهية والتحريض عليها.
يذكر أن هذا النوع من الاضطرابات ليس حكراً على إيرلندا الشمالية.
قد تكون خدمات الطوارئ لدينا أكثر اعتياداً على التعامل معه، لكن كما هي الحال عندما نشاهد أعمال عنف في كارديف أو دبلن أو إدنبره أو لندن، لا تعبر هذه الأفعال عن جميع سكان هذه المدن ولا المجتمع الأوسع ككل.
يجب أيضاً أن نأخذ في الحسبان أن العنف الذي شهدناه يعد بالنسبة إلى بعض الأشخاص نوعاً من "الهواية الصيفية"، مهما بدا هذا الوصف صادماً ومستفزاً.
لقد بنينا نحن الإيرلنديون منازل لأنفسنا في مختلف أنحاء العالم على مدى مئات الأعوام بسبب المجاعة أو النزاعات أو البحث عن فرص اقتصادية أو بدافع الحب، أو حتى لمجرد التمتع بطقس أفضل.
ثمة سبب لوجود حانة إيرلندية في كل بلد تقريباً من بلدان العالم.
وهناك سبب يجعل كثراً حول العالم يفاخرون بأصولهم الإيرلندية.
ببساطة، لا يمكن المرء أن يكون عنصرياً وإيرلندياً في الوقت نفسه، على رغم أن بعض مواطنينا يبذلون جهداً كبيراً لإثبات العكس.
لقد خضت خلال الأيام القليلة الماضية نقاشات لا حصر لها مع أشخاص حول العنف والفقر والإسكان والشرطة والعنصرية والطائفية وغير ذلك.
وستستمر هذه النقاشات.
وفيما أكتب هذه الكلمات تحت أمطار تزداد غزارة، لا أزال آمل، على رغم ما علمتني إياه التجارب السابقة، أن يتوقف هذا العنف.
أماندا فيرغسون صحافية مستقلة من شمال بلفاست تغطي أخبار المنطقة منذ 16 عاماً
© The Independent