Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أثرياء فرنسا تحت المجهر: فجوة بين الثروة المعلنة والثروة الحقيقية

دراسة جديدة تعيد الجدل الضريبي مع مؤشرات على موارد لا تظهر بالكامل ضمن الإحصاءات الرسمية

 يتسبب التهرب الضريبي بخسارة في الإيرادات الفرنسية تتراوح ما بين 46 و115 مليار دولار سنوياً (أ ف ب)

ملخص

 أعادت دراسة فرنسية الجدل حول ضرائب الأثرياء بعدما كُشف عن تراجع أعدادهم إحصائياً، وسط تساؤلات حول ثروات غير محتسبة واتهامات بالتهرب الضريبي، وصعوبة قياس الحجم الحقيقي للثروة.

أعاد النقاش حول فرض الضرائب على أصحاب الثروات الطائلة في فرنسا بعد أن خفت حدة المعركة التي دارت رحاها في البرلمان لبضعة أسابيع، بعدما أشعلت دراسة جديدة لـ "المعهد الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية" النقاش من جديد.

وكشفت الدراسة عن أن عدد الأفراد الأثرياء في فرنسا وصل إلى 4.8 مليون شخص ممن يفوقون عتبة الثروة، أي بمستوى معيشي لا يقل عن ضعف متوسط مستوى المعيشة في فرنسا، ويمثل هؤلاء الأفراد 7.5 في المئة من سكان فرنسا.

وخلال 13 عاماً انخفض عدد الأفراد الأثرياء من 5.2 مليون إلى 4.8 مليون، أي بانخفاض مقداره 400 ألف شخص، وبلغت نسبتهم من السكان 8.4 في المئة عام 2010، ثم انخفضت إلى 7.5 في المئة بداية عام 2023، أي بانخفاض مقداره 0.9 نقطة مئوية.

ضرائب ساركوزي وهولاند دابة الأغنياء

وشهدت فرنسا على مدى الأعوام الـ 15 الماضية ذروة التفاوت في الدخل، فانخفض عدد الأفراد الأثرياء ما بين عامي 2011 و2013 نتيجة للإصلاحات الضريبية التي نفذها نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، والتي أثرت بصورة خاصة في أصحاب الدخل الأعلى والمساهمين.

أما بين عامي 2013 و2018 فاستقر عدد الأفراد الأثرياء، قبل أن تبدأ مرحلة ثانية من التراجع عام 2019 نتيجة ارتفاع متوسط مستوى المعيشة، وبفضل الزيادة في مكافأة التوظيف للعمال ذوي الدخل المنخفض، التي حققتها حركة "السترات الصفراء"، فقد شهدت الطبقة المتوسطة تحسناً في مستوى معيشتها، مما أدى تلقائياً إلى رفع عتبة الطبقة المحسوبة بناء على متوسط مستوى المعيشة، وبالتالي انخفض عدد الأثرياء، من دون أن يشير ذلك إلى انخفاض في دخل الميسورين، وفي عام 2023 عاد عدد الأثرياء ونسبتهم لمستواهم السابق، وكانت الفترة ما بين 2023 و 2025 مواتية للغاية لأصحاب الدخل الأعلى، ولا سيما بسبب إلغاء ضريبة الإسكان.

الثروة غير المحتسبة

لكن المعطيات الجديدة أثبتت أنه على رغم تحسن منهج قياس الدخل في فرنسا خلال الأعوام الأخيرة، فإن جزءاً من موارد الأفراد الأكثر ثراء لا يخضع للتحليل الإحصائي، ففي البيانات السنوية التي ينشرها "المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية"، لا يُؤخذ 18 في المئة من دخل الاستثمار في الحسبان، إذ يتألف هذا الدخل بصورة رئيسة من عائدات الأسهم والسندات التي لا تُدرج ضمن البيانات الضريبية، نظراً إلى تعقيد المعاملات المالية، وبالتالي لا تُحتسب ضمن دخل الأسر.

ويشار إلى أن الأرباح الرأسمالية المُحققة من إعادة بيع العقارات أو الأسهم، على سبيل المثال، لا تعد دخلاً بل تغييراً في الثروة، ولذلك لا تحتسب ضمن مستويات المعيشة التي يحسبها "المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية"، وكذلك لا يُؤخذ جزء من دخل الأفراد الأكثر ثراء في الحسبان لأنه يحول إلى "الملاذات الضريبية"، ويتعلق هذا الأمر بفئة قليلة من الأفراد فاحشي الثراء الذين ينشئون مخططات مالية معقدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويُمثل التهرب الضريبي في فرنسا وتهريب رؤوس الأموال خسارة إجمالية في الإيرادات الضريبية تتراوح ما بين 40 مليار يورو (46 مليار دولار أميركي) و100 مليار يورو (115 مليار دولار أميركي) سنوياً، وفقاً لمحكمة المحاسبات الفرنسية، أي نحو أربعة في المئة من إجمال دخل الأسر، وخلصت الدراسة إلى أن البيانات المنشورة تقلل من تقدير دخل الأغنياء، فضلاً عن الاحتيال الضريبي للشركات والأفراد على مختلف مستويات الدخل، وإن أُخذ التهرب الضريبي والاحتيال الضريبي في الحسبان، فلن يغير ذلك التقديرات الخاصة بعدد الأفراد الأثرياء.

المليونيرات الذين لا يدفعون ضريبة دخل

بحسب لجنة المالية في مجلس الشيوخ فإن 13335 أسرة فرنسية خاضعة لضريبة الثروة لم تدفع أية ضريبة دخل عام 2024، وقال وزير الاقتصاد السابق إريك لومبار إن آلاف الفرنسيين الأثرياء لا يدفعون ضرائب دخل، مما أثار جدلاً سارعت وزيرة الحسابات العامة آنذاك ورئيسة محكمة المحاسبات حالياً أميلي دي مونشالان إلى نفيه، ودفع أعضاء اللجان المالية في البرلمان إلى مطالبة سلطات الضرائب بتقديم إجابات.

ويُصر رئيس اللجنة المالية في مجلس الشيوخ على أن إريك لومبار كان محقاً، مما دفع اللجنة إلى المقارنة بين معيارين: ضريبة الدخل وضريبة الثروة العقارية التي تُدفع عندما تتجاوز قيمة الأصول العقارية 1.3 مليون يورو (1.5 مليون دولار أميركي)، وبالتالي لم تدفع 13.3 ألف أسرة فرنسية خاضعة لضريبة الثروة العقارية، التي تمثل ما يزيد قليلاً على سبعة في المئة من إجمال الأسر الخاضعة لهذه الضريبة، أية ضريبة دخل في عام 2024.

ويشير أعضاء مجلس الشيوخ إلى أنه كلما زادت قيمة الأصول العقارية ارتفعت نسبة الأسر التي تدفع ضريبة دخل بمعدل صفر أو بمستويات سالبة، وعن هؤلاء المراوغين ضريبياً، أثبتت المعطيات أن عدداً منهم متقاعدون لا يحصلون على معاش تقاعدي كبير، لكنهم يمتلكون عقارات ارتفعت قيمتها بصورة كبيرة على مر الأعوام بسبب ارتفاع أسعار العقارات.

لكن رئيس لجنة المالية بمجلس الشيوخ الفرنسي كلود راينال يشير أيضاً إلى إستراتيجيات التهرب الضريبي، وهي ممارسات تقوم على استخدام آليات قانونية لدفع ضرائب أقل، أحياناً عبر استغلال الثغرات أو الغموض في القانون، وقد يشمل ذلك مثلاً استخدام الشركات القابضة أو اللجوء إلى ملاذات ضريبية، ومع ذلك يُقر أعضاء مجلس الشيوخ باستحالة قياس مدى هذا التهرب الضريبي في هذه المرحلة.

ويبدو أن حصر عدد الأثرياء في فرنسا أمر صعب، وأن دخلهم الحقيقي يفلت جزئياً من الإحصاءات، وفق الخبير الاقتصادي جمال بن جميع، الذي أشار إلى أن "رأس المال يتبخر في متاهة التمويلات العالمية، ولكن عندما يظهر اقتراح يهدف تحديداً إلى الحد من هذا الغموض، مثل ضريبة زوكمان الثابتة لفاحشي الثراء، يندد به أصحاب رؤوس الأموال باعتباره إجراء مفرطاً"، مضيفاً أن النقاش الحقيقي لا يدور حول ما إذا كان الأثرياء يدفعون ضرائب باهظة، بل حول ما إذا كانت جميع الثروات مرئية فعلاً.

وربما يكون من الأنسب تحديث أدوات قياس الثروة بدلاً من زيادة الضرائب من دون الحصول على صورة دقيقة للأصول، فقبل فرض ضرائب عادلة، يجب أولاً معرفة كيفية القياس العادل، إذ تبدأ الضرائب العادلة بحساب عادل للثروة، وفي فرنسا يعتمد النظام الضريبي أساساً على مبدأ الإقرار الذاتي، إذ يُصرح كل فرد عن دخله وممتلكاته وفقاً للقواعد المعمول بها، وتُفرض عقوبات في حال اكتشاف أي إغفال أو إخفاء خلال عمليات التدقيق.

ويُظهر التاريخ أن أكثر المجتمعات استدامة هي تلك التي تُوفق بين تشجيع المبادرة الاقتصادية والحفاظ على العدالة الاجتماعية، ولذلك فإن إعادة توزيع الثروة ليست غاية في حد ذاتها، بل هي إحدى الوسائل لمنع تآكل التماسك الاجتماعي والحفاظ على السلم المدني.

اقرأ المزيد