Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل وصلت السوق السعودية إلى مرحلة التشبع من الاكتتابات العامة؟

محللون لـ"اندبندنت عربية": إلغاء طرح "مطلق الغويري" يفتح ملف التسعير وقدرة السوق على استيعاب الأسهم بعد الإدراج وأهمية حماية الثقة بين المستثمرين

تأجيل طرح "مطلق الغويري" أثار جدلاً حول الاكتتابات العامة في السعودية. (اندبندنت عربية) 

ملخص

محللون قالوا لـ"اندبندنت عربية"، إن زخم الطروحات لم يعد كافياً مع اتساع الفجوة بين القيمة المعنوية التي تصنعها المنصات وحقيقة الأداء على شاشة التداول.

لم يعد الجدل حول الطروحات العامة الأولية في السوق السعودية محصوراً في حجم الطلب أثناء بناء سجل الأوامر، ولا في قدرة الشركات على جمع حصيلة كبيرة عند الإدراج، بل انتقل إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى قدرة السوق نفسها على استيعاب موجة الطروحات المتلاحقة، وتسعيرها بصورة عادلة، وحماية الثقة بين المستثمرين والشركات بعد بدء التداول.

في هذا السياق، يبدو السؤال حول ما إذا كانت السوق السعودية وصلت إلى مرحلة من التشبع في الاكتتابات العامة سؤالاً مشروعاً، ليس لأن الشركات فقدت رغبتها في الإدراج، أو لأن الطلب المؤسسي غاب عن الطروحات، بل لأن السوق باتت أكثر انتقائية في قبول التقييمات المرتفعة، وأكثر حساسية تجاه أداء الأسهم بعد الإدراج، خصوصاً بعد تراجع عدد من الأسهم الحديثة عن أسعار الطرح، وظهور فجوة واضحة بين قوة التغطية قبل الإدراج وحقيقة التداول بعده.

وتتداخل في هذه المرحلة عوامل عدة، من بينها ظروف السوق والسيولة، وارتفاع الأخطار الإقليمية، وتراجع شهية المستثمرين تجاه بعض الطروحات، إضافة إلى عامل جديد صار أكثر حضوراً في الأعوام الأخيرة، يتمثل في الدور المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي والإعلام في صناعة "قيمة معنوية" حول رجال الأعمال والشركات قبل الطرح. هذه القيمة لا تظهر في القوائم المالية، لكنها ترفع التوقعات، وتمنح بعض الأسماء زخماً سابقاً على الإدراج، قبل أن تأتي شاشة التداول لاختبار القيمة الفعلية بالأرقام.

من هنا لا يبدو إرجاء طرح شركة "مطلق الغويري" للمقاولات من جانب الملاك والمساهمين البائعين حالة منفردة، بل واقعة كاشفة للحظة دقيقة في سوق الاكتتابات السعودية. الطرح الذي كان مخططاً له أن يجمع ما يصل إلى 3 مليارات ريال (800 مليون دولار) جرى إلغاؤه على رغم تغطيته عدة مرات من المستثمرين المؤسساتيين عند الحد الأعلى للنطاق السعري.

لم يكن القرار مؤشراً إلى فشل الطلب، بقدر ما عكس تعقيداً أكبر في معادلة الطرح، بين التقييم، وجودة المستثمرين، وتوقيت السوق، وما يمكن أن يحدث للسهم بعد الإدراج.

أكبر طروحات المنطقة

كانت شركة "مطلق الغويري" تستعد لطرح 240 مليون سهم تمثل 30 في المئة من رأسمالها في السوق السعودية الرئيسة. وحدد النطاق السعري للسهم بين 11 و12.5 ريال (2.93 و3.33 دولار)، وكانت حصيلة الطرح عند الحد الأعلى ستصل إلى نحو 3 مليارات ريال (800 مليون دولار)، فيما كانت القيمة السوقية للشركة ستتراوح بين 8.8 و10 مليارات ريال (2.35 و2.67 مليار دولار).

وبهذا الحجم، كان الطرح مرشحاً لأن يكون من بين أكبر الطروحات في المنطقة خلال العام الحالي، وثالث أكبر طرح في السوق الرئيسة السعودية خلال ثلاثة أعوام منذ مايو (أيار) 2023، والأكبر منذ طرح "طيران ناس" في مايو من العام الماضي. وكان من المقرر أن تبدأ فترة اكتتاب الأفراد في 15 يونيو (حزيران) الجاري، قبل أن تقرر الشركة عدم المضي في الطرح بعد التشاور مع مستشاريها الماليين "الراجحي المالية" و"مورغان ستانلي السعودية".

وقالت الشركة في بيان لها، إن القرار جاء بعد دراسة متأنية لأهدافها واستراتيجيتها ومصالح المساهمين البائعين، مع تأكيد متانة مركزها المالي وقدرتها على تنفيذ مشاريعها من دون أثر جوهري من تأجيل الطرح، وترك الباب مفتوحاً أمام دراسة خيارات التوسع المختلفة وإعادة النظر في خيار الطرح العام لاحقاً.

وتأسست "مطلق الغويري للمقاولات" عام 1977، وتعمل في تنفيذ مشروعات البنية التحتية للمياه والنقل والتطوير الحضري. وبلغت قيمة مشاريعها قيد التنفيذ نحو 10.6 مليار ريال (2.83 مليار دولار) بنهاية مارس (آذار) الماضي، بما يعكس ارتباطها بمشاريع البنية التحتية والتحول العمراني في السعودية، خصوصاً في قطاعات المياه والطرق والتطوير الحضري.

لكن قوة القصة التشغيلية لا تعني بالضرورة سهولة تمرير التقييم. فالسوق لا تقيس شركات المقاولات بحجم العقود وحده، بل تنظر إلى هوامش الربحية، ومواعيد التنفيذ، وأخطار الكلفة، وتوقيت تحصيل المستحقات، وقدرة الشركة على تحويل مشاريعها القائمة إلى تدفقات نقدية وأرباح مستدامة بعد الإدراج.

مؤشر إيجابي

تكشف حال "مطلق الغويري" أن تغطية الاكتتاب عدة مرات، مهما بدت مؤشراً إيجابياً، لم تعد ضمانة كافية لإتمام الطرح، فبناء سجل الأوامر يقيس شهية المؤسسات في مرحلة محددة وداخل نطاق سعري معين، لكنه لا يضمن بالضرورة قدرة السهم على الاحتفاظ بسعره بعد الإدراج، عندما يدخل إلى سوق مفتوحة تتفاعل يومياً مع السيولة والأخبار والنتائج والأخطار.

هنا يظهر الفارق بين نجاح الاكتتاب ونجاح الإدراج، الأول يتحقق داخل عملية منظمة تقودها الشركة والمستشارون والمستثمرون المؤسساتيون، أما الثاني فيجري أمام السوق بأكملها. 

وبعد الإدراج لا يعود السهم محكوماً بقصة الطرح فقط، بل بنتائج ربع سنوية، ومقارنات قطاعية، وحركة سيولة، وتقييمات تتغير بحسب المزاج الاستثماري والظروف الاقتصادية.

ولهذا أصبحت السوق السعودية أكثر حساسية تجاه السعر النهائي للطرح. لم يعد المستثمر يكتفي بعبارة "تمت التغطية عدة مرات"، بل ينظر إلى عدالة السعر، وجودة المستثمرين، ومتانة المركز المالي، وحاجة الشركة الفعلية إلى الطرح، وقدرتها على الدفاع عن تقييمها بعد الإدراج.

إرجاء طرح "الديار العربية"

وفي تطور لاحق كذلك، أرجأت شركة "الديار العربية للتطوير العقاري" طرح أسهمها في السوق الرئيسة السعودية "تاسي"، بحسب ما نقله مصدر مطلع لموقع "اقتصاد الشرق" مع "بلومبيرغ".

وتعد تلك الخطوة أحدث مؤشر على تصاعد الحذر داخل سوق الاكتتابات الأولية، مع تراجع شهية المستثمرين تجاه الإدراجات الجديدة، وسط ضغوط إقليمية واقتصادية متزايدة.

وكانت هيئة السوق المالية السعودية قد وافقت في الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 على تسجيل أسهم الشركة وطرح 97.5 مليون سهم للاكتتاب العام، بما يمثل 30 في المئة من إجمال أسهمها البالغ 325 مليون سهم، غير أن الشركة أعادت النظر في توقيت الطرح في ظل ظروف سوقية أقل ملاءمة.

ويأتي تأجيل "الديار العربية" بعد أيام من عدم مضي شركة "مطلق الغويري للمقاولات" في طرحها العام الأولي، وبعد انتهاء المهلة النظامية لطرح شركة "الرومانسية" في مارس (آذار) الماضي، مما يعكس اتجاهاً أكثر تحفظاً في سوق الإدراجات السعودية.

تغير واسع في سوق الطروحات  

قال محللون لـ"اندبندنت عربية" إن إلغاء طرح "مطلق الغويري" لا يمكن قراءته بمعزل عن التغير الأوسع في سوق الطروحات السعودية، إذ لم يعد الطلب المؤسسي القوي وحده كافياً لتمرير الطروحات الكبرى إذا كانت السوق غير مقتنعة بالتقييم، أو غير مهيأة لاستيعاب السهم بعد الإدراج.

وأشاروا إلى أن السوق دخلت مرحلة أكثر انتقائية، بعدما أصبح المستثمرون يقارنون بين أسعار الاكتتاب والأداء اللاحق للأسهم، لا بين حجم التغطية ونجاح التسويق فقط. وأضافوا أن جزءاً من الخلل يرتبط بمنهجيات التسعير، خصوصاً حين تدخل بعض الشركات السوق بتقييمات تعكس توقعات نمو عالية، بينما تأتي النتائج اللاحقة أقل من الصورة التي سبقت الطرح.

ولفتوا إلى أن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يزيدان حساسية هذه الفجوة، لأنهما يخلقان زخماً معنوياً حول الشركة ورجال الأعمال، ثم تأتي السوق لتعيد اختبار هذه الصورة من خلال السعر والأرباح والتدفقات النقدية.

حساسية تجاه نوعية الشركات

يرى متخصص في سوق الأسهم أن الحديث عن تشبع السوق السعودية من الاكتتابات لا يعني أن السوق لم تعد قادرة على استقبال شركات جديدة، بل يعني أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه نوعية الشركات، ومستوى التقييم، وحجم الأخطار، والأداء المتوقع بعد الإدراج.

وأشار إلى أن السوق قد تستوعب طروحات جديدة وقوية في أي وقت إذا جاءت بتقييمات منطقية، وأساسيات مالية واضحة، وأخطار مفهومة، لكنها في المقابل قد تتحفظ تجاه طروحات كبيرة إذا شعر المستثمرون أن السعر النهائي لا يترك هامش أمان كافياً بعد الإدراج.

وبحسب هذا الرأي، فإن التشبع الحقيقي لا يظهر فقط في انخفاض عدد الطروحات، بل في تراجع قدرة السوق على تمرير التقييمات العالية كما كان يحدث في فترات الزخم. وهذا التحول قد يكون علامة نضج، لأنه يعيد وزن الأرقام والنتائج والحوكمة على حساب السرديات التسويقية وحدها.

سقف التوقعات قبل الطرح

ويرى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أداة فعالة في صناعة الحضور المعنوي حول رجال الأعمال والشركات، خصوصاً في الأسواق التي يتداخل فيها الاستثمار الفردي مع متابعة الشخصيات الاقتصادية.

وأضاف أنه كلما زاد انتشار الاسم، زادت قدرته على جذب الانتباه، وكلما ارتبطت الشركة بمشاريع كبرى أو قطاعات واعدة، ارتفع سقف التوقعات قبل الطرح.

وأشار إلى أنه غير أن هذه القيمة المعنوية لا تتحول تلقائياً إلى قيمة سوقية مستدامة، وأكد أنها ساعدت في جذب الاهتمام خلال مرحلة التسويق، لكنها لا تحمي السهم بعد الإدراج إذا لم يكن السعر مدعوماً بأداء مالي وتشغيلي واضح.

وبيّن أن استفادة رجال الأعمال من الإعلام تصبح طبيعية طالما بقيت في إطار التعريف بالشركة وسجلها، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تخلق انطباعاً بأن الشهرة تعادل القوة المالية.

ويرى أن السوق قد تتأثر بالسردية قبل الطرح، لكنها بعد الإدراج تطلب أرقاماً، وأكد أنه إذا لم تكن النتائج متسقة مع الضجيج السابق، فإن المستثمرين يعيدون تسعير السهم وفق الأداء لا وفق السمعة. ولفت إلى أنه هنا يظهر الحد الفاصل بين القيمة التي تصنعها الأرقام والقيمة التي يصنعها الضجيج.

قرار استراتيجي من المساهمين

من جهته، قال المستشار الفني بأسواق المال محمد الشميمري إن ما جرى في طرح "مطلق الغويري" لا يجب قراءته باعتباره فشلاً في الاكتتاب، بقدر ما هو قرار استراتيجي من المساهمين البائعين الذين رأوا أن المضي في الطرح وفق الظروف والتقييمات الحالية لا يخدم مصالحهم طويلة الأجل.

وأوضح الشميمري أن الإشارة في البيان إلى أهداف الشركة واستراتيجيتها ومصالح المساهمين البائعين مهمة في طروحات السوق الرئيسة، إذ يكون جزء كبير من الطرح عادة بيعاً لحصص ملاك قائمين.

ومن هذا المنطلق، فإن تغطية الاكتتاب عدة مرات عند الحد الأعلى للنطاق السعري لا تعني بالضرورة رضا الملاك عن التقييم النهائي، إذ قد يرى المساهمون البائعون أن النطاق السعري لا يعكس القيمة العادلة التي يتطلعون إليها، ويفضلون تأجيل البيع إلى مرحلة لاحقة بدلاً من التخارج عند سعر لا يحقق أهدافهم.

وأشار الشميمري إلى أن المسألة لا تتوقف عند كمية الطلبات المسجلة في بناء سجل الأوامر، بل تمتد إلى جودة سجل الأوامر ونوعية المستثمرين الداخلين في الطرح، فالتغطية المرتفعة قد تبدو في ظاهرها مؤشراً قوياً، لكنها قد تضم سيولة قصيرة الأجل تبحث عن مكاسب سريعة في أول أيام التداول، لا عن استثمار طويل الأجل في الشركة.

وبيّن أن في هذه الحال، قد تخشى الشركة والمساهمون البائعون من ضغط بيعي مبكر بعد الإدراج، بما يضر بسمعة السهم ويضعه تحت اختبار قاس منذ البداية.

ولفت الشميمري، إلى أن تأكيد الشركة متانة مركزها المالي وقدرتها على تنفيذ مشاريعها من دون أثر جوهري من تأجيل الطرح يعني أن الطرح لم يكن مدفوعاً بحاجتها العاجلة إلى السيولة أو بسداد التزامات ضاغطة. 

ولفت إلى أنه عندما لا تكون الشركة مضطرة إلى التمويل الفوري، يصبح قرار التريث أكثر منطقية إذا رأت الإدارة والملاك أن التوقيت أو التقييم أو تركيبة المستثمرين لا تخدم الطرح بالصورة المطلوبة.

وأكد أن النقاش الأوسع في السوق السعودية لا يتعلق بـ"مطلق الغويري" وحدها، بل بظاهرة أوسع تتمثل في تراجع بعض الأسهم بعد الإدراج بنسب كبيرة مقارنة بأسعار الاكتتاب، على رغم إعلان تغطية الطرح بقوة قبل الإدراج.

ويرى أن ذلك يفرض مراجعة أكثر جدية لمنهجيات التسعير، لأن التغطية المرتفعة قبل الطرح لا تعني دائماً أن السعر عادل أو قابل للاستمرار بعد التداول.

تحليل المستقل ضرورة

قال المحلل المالي والاقتصادي السعودي نبيل المبارك إن صدور تصنيف ائتماني غير موجه لشركة "مطلق الغويري للمقاولات" قبل مرحلة الاكتتاب يمثل تطوراً لافتاً في بيئة الطروحات السعودية، لأنه يضيف طبقة مستقلة من التحليل إلى جانب نشرة الإصدار الرسمية.

وأوضح المبارك أن هذا النوع من التصنيفات يمكن أن يصبح ممارسة ثابتة عند كل طرح جديد في السوق، لأنه يدفع المستثمرين إلى قراءة مستقلة للأخطار ونقاط القوة قبل اتخاذ قرار الاكتتاب.

وأضاف أن التصنيف جاء بعد قراءة متعمقة لنشرة الإصدار، وأن الهدف منه تقديم ملخص تنفيذي يبرز أهم عوامل القوة والأخطار المحيطة بالشركة، مع التأكيد أن ذلك لا يعفي المستثمر من مسؤولية قراءة نشرة الإصدار كاملة.

وتكمن أهمية هذا الرأي في أنه ينقل النقاش من مستوى الانطباعات العامة والتغطية الإعلامية إلى مستوى الفحص المستقل، فحين تتزايد الطروحات وتتشابك القصص الاستثمارية مع الزخم الإعلامي، يصبح المستثمر بحاجة إلى أدوات تحليل إضافية تساعده على التمييز بين الشركة ذات الأساس المالي المتين، والشركة التي تستفيد من قوة السردية أو ارتفاع الطلب الأولي فقط.

ويرى المبارك أن السوق قد تقبل طروحات في أوقات صعبة إذا كان السعر عادلاً، وقد تتحفظ في أوقات مستقرة إذا كان التقييم مبالغاً فيه.

لذلك تبدو الأزمة مركبة بين ظروف السوق، والسيولة، والأخطار الإقليمية، ومنهجيات التسعير، والتضخم المعنوي الذي يسبق بعض الطروحات.

فجوة التسعير تعود للواجهة

خلال العام الماضي، جمعت الشركات في السعودية نحو 4.2 مليار دولار (15.75 مليار ريال) عبر الاكتتابات الأولية، لكن اثنتين فقط من أكبر 10 اكتتابات تجاوزتا سعر الطرح لاحقاً، وهذه الإشارة لا تعني ضعف السوق، لكنها تكشف أن المستثمرين أصبحوا أكثر تدقيقاً في الفجوة بين السعر عند الطرح والأداء بعد الإدراج.

وكانت كل تجربة يتراجع فيها السهم دون سعر الاكتتاب تترك أثراً في الطروحات التالية، فالمستثمر لا يقرأ كل طرح بمعزل عن سابقه، بل يقارنه بسجل كامل من الإدراجات الحديثة. ومع تراكم هذه الخبرات، يصبح التسعير العادل شرطاً مركزياً، لا تفصيلاً فنياً في نهاية عملية الطرح.

"الشورى" يفتح ملف التسعير والمتابعة

ينسجم هذا النقاش مع مطالبات طُرحت داخل مجلس الشورى السعودي، بتعزيز إجراءات تقييم إدراج الشركات المساهمة، والرقابة على القوائم والإفصاحات المالية قبل الإدراج، ومتابعة الأداء اللاحق للشركات المدرجة، بما يدعم الشفافية وحماية المستثمرين ويحد من الأخطار.

وتعكس هذه المطالبات أن السوق لم تعد تناقش مسألة الإدراج من زاوية زيادة عدد الشركات فقط، بل من زاوية جودة الإدراج نفسه، فالمطلوب ليس فقط إدخال شركات جديدة، بل إدخال شركات بتقييمات عادلة، وإفصاحات كافية، ومتابعة لاحقة تضمن أن ما قيل قبل الطرح لا ينفصل عن الأداء بعد التداول.

تباطؤ الطروحات يضغط على التوقعات

تأتي هذه التطورات في وقت تشهد أسواق الطروحات في المنطقة تباطؤاً ملحوظاً، إذ بلغ إجمالي الطروحات الأولية وإصدارات الأدوات المرتبطة بالأسهم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 427.9 مليون دولار (1.6 مليار ريال) خلال الربع الأول من 2026، بانخفاض 91 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليسجل أبطأ بداية سنوية لسوق الطروحات في المنطقة منذ عام 2011.

وهبطت قيمة الطروحات العامة الأولية في السعودية خلال الربع الأول من عام 2026 إلى أدنى مستوى لها منذ ثمانية أعوام. ولم تشهد السوق الرئيسة سوى إدراج شركة واحدة، هي شركة "صالح عبد العزيز الراشد وأولاده" المتخصصة في مواد المحاجر والبناء، بعدما جمعت نحو 67 مليون دولار (251.3 مليون ريال) من خلال طرحها العام الأولي.

ويمثل هذا الأداء تراجعاً حاداً مقارنة بالربع الأول من عام 2025، الذي شهد إدراج خمس شركات بإجمالي قيمة بلغ 1.8 مليار دولار (6.75 مليار ريال)، أي ما يعادل نحو 27 ضعف قيمة الطروحات المسجلة في الفترة نفسها من العام الحالي.

لكن التباطؤ لا يعني أن شهية الإدراج اختفت، فقد بلغ عدد طلبات الطرح والإدراج المقدمة إلى هيئة السوق المالية خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 33 طلباً، مقابل 45 طلباً بنهاية الربع الرابع من عام 2025. 

ثلاث شركات حصلت على موافقة هيئة السوق المالية للمضي قدماً في خطط الإدراج، وهي "دار البلد لحلول الأعمال"، و"مطلق الغويري للمقاولات"، و"الديار العربية للتطوير العقاري"، مع مهلة زمنية لاستكمال إجراءات الطرح قبل انتهاء صلاحية الموافقات.

وفي المقابل، فقدت سلسلة مطاعم "الرومانسية" فرصة الإدراج بعد انتهاء صلاحية موافقة الهيئة التي كانت قد حصلت عليها في 29 سبتمبر (أيلول)، من دون استكمال الطرح في الوقت المحدد.

عمق قاعدة المستثمرين

على رغم هذا التباطؤ، لا تزال السوق السعودية الوجهة الأكثر نشاطاً للطروحات في المنطقة، مدعومة بعمق قاعدة المستثمرين المحليين، وتطور البنية التنظيمية، واستمرار الإنفاق على المشاريع الكبرى، واتساع برامج التنويع الاقتصادي.

لكن السوق لم تعد مفتوحة بالشروط نفسها التي سادت في سنوات الزخم المرتفع، ولم يعد الإدراج الجديد مرادفاً تلقائياً لتحقيق مكاسب سريعة.

وأظهرت بعض الإدراجات أداء إيجابياً، إذ ارتفع سهم شركة صالح الراشد وأولاده بأكثر من 30 في المئة منذ إدراجه في 11 مارس (آذار)، ما يؤكد أن المستثمرين لا يرفضون الطروحات من حيث المبدأ، بل يميزون أكثر بين شركة وأخرى، وبين سعر عادل وآخر مبالغ فيه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعزز خطط شركات أخرى للإدراج أن السوق لا تزال جاذبة، إذ تسعى شركات في قطاعات متعددة، من البترول إلى الاتصالات، إلى المضي قدماً في خطط الطرح العام. 

وتشمل القائمة المتوقعة شركة "الخريف للبترول" التي تعمل في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وشركة "أرسيلورميتال تيوبلار برودكتس" المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب شركة "اتحاد سلام للاتصالات"، غير أن هذه الخطط باتت محكومة أكثر من أي وقت مضى بحسابات التوقيت والتقييم وحال السوق.

ولا يمكن عزل تباطؤ الطروحات عن التوترات الإقليمية وما رافقها من ارتفاع في عدم اليقين، ففي مثل هذه الظروف، تميل الشركات إلى التريث، حتى إن كان الطلب المؤسسي قوياً، لأن توقيت الطرح يصبح جزءاً أساسياً من معادلة النجاح.

لكن العامل الجيوسياسي لا يفسر الصورة كاملة، فالأسواق يمكن أن تستوعب طروحات في أوقات صعبة إذا كان السعر عادلاً، ويمكن أن تتردد في أوقات مستقرة إذا كان التقييم مبالغاً فيه، لذلك، تبدو الأزمة مركبة بين ظروف السوق، والسيولة، والأخطار الإقليمية، ومنهجيات التسعير، والتضخم المعنوي الذي يسبق بعض الطروحات.

قصص تسويقية 

تكشف أزمة الطروحات أن سوق الأسهم السعودية لم تعد تتعامل مع الاكتتابات بوصفها قصصاً تسويقية فقط، فقبل الطرح، يمكن للشركة أن تحشد سردية قوية حول تاريخها ومشاريعها وعملائها وملاكها وفرصها المستقبلية. ويمكن للإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أن يمنحا هذه السردية زخماً إضافياً، يرفع حضور الشركة ورجال الأعمال المرتبطين بها في المجال العام.

لكن بعد الإدراج، تختبر الشاشة كل شيء، يتحول الحديث عن النمو إلى أرقام، وتتحول السمعة إلى سعر، وتتحول الوعود إلى نتائج ربع سنوية، ويصبح المستثمر قادراً على معاقبة التقييم المرتفع إذا لم يجد ما يبرره. وهنا لا تعود القيمة المعنوية كافية، مهما كانت قوية، إذا لم تستند إلى أداء مالي وتشغيلي واضح.

أهمية السعر العادل

وفي هذا السياق، لا تبدو قصة "مطلق الغويري" مجرد إلغاء طرح كان ينتظر أن يجمع 3 مليارات ريال (800 مليون دولار)، بل لحظة اختبار لسوق كاملة، إذ كشفت أن تغطية الاكتتاب عدة مرات لا تكفي وحدها، وأن السعر العادل أصبح أكثر أهمية من الزخم، وأن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي قد يصنعان قيمة معنوية قبل الإدراج، لكنهما لا يستطيعان حماية القيمة السوقية بعده إذا لم تدعمها الأرقام.

وبين مطالبات مجلس الشورى بمراجعة منهجيات التسعير، وتباطؤ الطروحات إلى أضعف مستوياتها منذ أعوام، واستمرار طلبات الإدراج لدى هيئة السوق المالية، تبدو السوق السعودية أمام مرحلة أكثر دقة في فرز الطروحات. 

ولعل الحفاظ على زخم الإدراجات لن يتحقق بمجرد زيادة عدد الشركات، بل ببناء معادلة أكثر توازناً بين الشركات والمستشارين والمستثمرين والجهات التنظيمية.

وتمنح هذه المعادلة الشركات فرصة التمويل والنمو، وتحمي المستثمرين من التقييمات المبالغ فيها، وتعيد للسوق قدرتها على التمييز بين القيمة التي تصنعها الأرقام والقيمة التي يصنعها الضجيج.

اقرأ المزيد

المزيد من أسهم وبورصة