ملخص
اختلاف البرامج والتوجهات بين عديد من الأحزاب يدفعها إلى خوض المنافسة بصورة منفردة، حفاظاً على هويتها السياسية وخياراتها التنظيمية، فضلاً عن أن كثيراً من السياسيين في الجزائر، لا سيما الرعيل الأول منهم، يميلون إلى التمسك بالزعامة.
فضلت الأحزاب السياسية في الجزائر على غير العادة، دخول الانتخابات التشريعية منفردة بعيداً من حديث التحالفات، وهي التي دأبت على التكتلات عبر مختلف الاستحقاقات، مما يوحي بمشهد سياسي جديد قد يفرزه موعد الثاني من يوليو (تموز) المقبل، لكن أمام تراجع القوائم المستقلة، يبقى ترقب تحالفات لما بعد تشكيل البرلمان المنتظر ممكناً.
تحالفان
أشارت وثيقة للسلطة المستقلة للانتخابات إلى أن ملفات الترشح التي استقبلتها لم تتضمن سوى ملف واحد تحت رعاية أكثر من حزب سياسي في شكل تحالف يخص الدوائر الانتخابية داخل البلاد، والأمر نفسه بالنسبة إلى لدوائر الانتخابية بالخارج التي استقبلت هي الأخرى ملفاً واحداً، في مشهد يعكس غياب هذا الفعل السياسي عن الموعد البرلماني المقبل بصورة لافتة مقارنة بما حدث سابقاً، وآخرها في 2012 و2017.
وأظهرت أرقام السلطة المستقلة الصادرة في بيانات عدة، مشهداً انتخابياً يجمع بين أحزاب تقليدية ذات امتداد وطني، وأخرى صاعدة وتشكيلات سياسية ناشئة، وأبرزت أن عدد القوائم المودعة بلغ 854 قائمة، منها 788 قائمة داخل البلاد، و66 قائمة بالخارج، وأشارت إلى أنه تم تسجيل مشاركة 32 حزباً سياسياً وتحالفين انتخابيين، أحدهما في الداخل والآخر بالخارج، إضافة إلى 138 قائمة مستقلة.
تساؤلات وأسباب
ما أثار تساؤلات المتابعين وجود تشابه كبير في المرجعية الفكرية والمبادئ لدى أحزاب عدة، إلا أن ذلك لم يشجع على دخول المعترك الانتخابي بتحالفات أو تكتلات، وبين من ربط تراجع هذه الممارسة السياسية الديمقراطية بتغير قيادات التشكيلات السياسية، وكذلك نوعية المناضلين الذين يغلب عليهم عنصر الشباب، إلى جانب الأوضاع الإقليمية والدولية التي بات عليها العالم، ومن اعتبر غض الطرف عنها خطوة تندرج في إطار تكتيكات سياسية تستهدف التموقع في مشهد ما بعد الثاني من يوليو المقبل، في حين رأت جهات أن الأمر يعود إلى تخوف من نظرة السلطة للمتحالفين على أنهم "معارضون"، وهو الوصف الذي لا يبغي معظمهم أن يلتصق بهم.
ويعتبر التحالف السياسي الخيار الذي يلجأ إليه أكثر من حزب لخلق تكتل تؤطره أرضية توافقية بين الأطراف المعنية، من أجل تحقيق أهدافها داخل إطار برنامج مشترك يتوفر على الحد الأدنى من القواسم المشتركة للأحزاب المتحالفة، إضافة إلى أن المنطق السياسي والديمقراطي يقتضي عقد مثل هذه التحالفات، والأصل أنها تكون على الأفكار والبرامج، وتحمل المسؤولية السياسية المشتركة في الربح والخسارة في تسيير الشأن العام.
اختلاف البرامج والتوجهات
وتعليقاً على محدودية التحالفات السياسية، يرى الباحث في القانون والشؤون السياسية محمد مقراني، أن اختلاف البرامج والتوجهات بين عديد من الأحزاب يدفعها إلى خوض المنافسة بصورة منفردة، حفاظاً على هويتها السياسية وخياراتها التنظيمية، إضافة إلى أن تجارب سابقة دفعت بعض التشكيلات إلى تفضيل الاستقلالية في العمل الانتخابي، بما يسمح لها بتقديم رؤيتها الخاصة للناخبين بصورة أوضح.
وتابع مقراني، أن المرحلة المقبلة ستجعل من استقطاب الكتلة الناخبة التحدي الأبرز أمام مختلف المترشحين، في ظل الحاجة إلى تعزيز الثقة وتشجيع المواطنين على المشاركة في هذا الموعد الديمقراطي المهم، مبرزاً أن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة الفاعلين السياسيين على تقديم خطاب مسؤول وبرامج واقعية تعكس تطلعات المواطنين وتسهم في تعزيز المشاركة السياسية وترسيخ الممارسة الديمقراطية.
الزعامة
أرجع المتخصص في العلاقات الدولية حميد رامي سبب غياب التحالفات الحزبية عن المشهد السياسي، إلى أسباب عدة، منها عقدة الزعامة، قائلاً إن "الكثير من السياسيين في الجزائر، لا سيما الرعيل الأول منهم، يميلون إلى التمسك بالزعامة، وهو ما أدى إلى شخصنة العمل الحزبي، الذي تزامن مع تصاعد الشعبوية، مما سمح بتشكل نوع من الميوعة السياسية التي يصعب ضبطها وقولبتها في تيارات حزبية كبرى على شاكلة اليمين واليسار في أوروبا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف رامي أن "من الأسباب أيضاً أن كثيراً من الأحزاب أصبحت بمثابة دكاكين انتخابية موسمية، هدفها الأساس ليس تطبيق برنامج الحزب بقدر ما هو الحصول على نسبة من المقاعد تضمن البقاء القانوني، أو الحصول على الدعم المالي، أو التموقع في المشهد"، مشيراً إلى أن "قانون الانتخابات ونظام القوائم أسهم هو الآخر في غياب التحالفات، فاشتراط عتبة 5 في المئة من الأصوات في الانتخابات السابقة لتقديم القوائم، تدفع الأحزاب التي حققت ذلك إلى المغامرة منفردة لإثبات وزنها الحقيقي، عوضا عن الدخول في تحالفات تغيبها".
توفير 150 توقيعاً
يرى متابعون أن اشتراط السلطة المستقلة للانتخابات على أي تحالف انتخابي، توفير 150 توقيعاً عن كل مقعد في الدائرة الانتخابية، مثله مثل أي حزب جديد، عائقاً أمام عقد تكتلات سياسية، وخطوة أفرغت النصوص القانونية المنظمة للتحالفات من محتواها، لا سيما أحكام المادة 56 وأخواتها من القانون العضوي للأحزاب السياسية.
وتتيح المادة 56 إمكان تشكيل تحالفات مع حزب أو أحزاب معتمدة أخرى بشرط إبرام اتفاقية تحالف مكتوبة وموقعة من مسؤولي الأحزاب المعنية، تبين حقوق والتزامات الأطراف وأهداف التحالف ومدته وموافقة أجهزتها المخولة، على أن يتبع ذلك بإيداع تصريح بالتحالف لدى وزير الداخلية عبر المنصة الرقمية، بواسطة العضو المفوض خلال 10 أيام من توقيع الاتفاقية مرفقاً بها محاضر اجتماعات المصادقة.