ملخص
الحرب متعددة المجالات تعد الاستخدام المنسق لساحات المعارك المختلفة، بما في ذلك البر والجو والبحر والفضاء الإلكتروني والطيف الكهرومغناطيسي وأنظمة الفضاء، وتشغيلها معاً ضمن إطار عملياتي واحد.
انتشر قبل أيام على مواقع التواصل الاجتماعي داخل باكستان مقطعٌ يظهر فيه مسؤول باكستاني رفيع المستوى يلقي كلمة في أحد المنتديات متحدثاً عن عقيدة الجيش، في ظل تنامي المخاوف من الجارة الهند وتغير أساليب الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي والقرارات اللحظية.
في حديثه قال الجنرال الباكستاني نعمان زكريا، خلال حوار شانغريلا الذي عقد في سنغافورة، "أدت التقنيات الناشئة إلى خلق نقاط ضعف جديدة تتعلق بخطر سوء التقدير وضغط في الجداول الزمنية لصنع القرار، مما غير طبيعة الصراع والردع الاستراتيجي بين الدول".
يعكس هذا المقتطف أن خطاب زكريا لم يكن مجرد بيان عسكري، بل كان تدخلاً فكرياً مهماً حول تغير أساليب الحرب والتقنيات الناشئة ومستقبل جنوب آسيا، إذ أكد أن الحرب في العصر الحالي لم تعد مجرد منافسة بين الدبابات والمدافع والسفن الحربية، بل امتدت لتشمل الفضاء الإلكتروني والذكاء الاصطناعي والأصول الفضائية والحرب الإلكترونية ومجالات المعلومات.
التغير الذي يتحدث عنه زكريا بات يعرف اليوم في العالم باسم الحرب متعددة المجالات، والذي يعد امتداداً للحقيقة التاريخية الدائمة أن طبيعة الحرب تتغير بتغير التكنولوجيا، إذ إن اختراع البارود غير مفاهيم الحروب في القرون الوسطى، وأعادت القوة الجوية تشكيل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخلقت الأسلحة النووية توازناً جديداً تماماً بين الحرب والسلام. لكن وتيرة التغيير اليوم أسرع من أي وقت مضى، فالذكاء الاصطناعي والأسلحة ذاتية التشغيل والحوسبة الكمومية والهجمات الإلكترونية وأنظمة مراقبة الفضاء تقوم بإعادة تشكيل ساحة المعركة بطرق لم نشهدها من قبل.
الجنرال الباكستاني نعمان زكريا أشار بصورة صريحة إلى أن القوة العسكرية لم تعد تعتمد فقط على الأصول العسكرية التقليدية، بل شملت تقنيات جدية زادت من تعقيد الأساليب الحربية.
في هذا السياق، أصبح إدراج الذكاء الاصطناعي في عملية صنع القرار واستخدام الأنظمة المستقلة والتواصل الفوري بين مختلف القطاعات العسكرية أمراً أساساً لتحقيق النجاح في القتال، مما يعني أن الحرب لم تعد تقتصر اليوم على ساحات المعارك البرية أو الجوية أو البحرية.
الحرب متعددة المجالات هي الاستخدام المنسق لساحات المعارك المختلفة بما في ذلك البر والجو والبحر والفضاء الإلكتروني والطيف الكهرومغناطيسي وأنظمة الفضاء وتشغيلها معاً ضمن إطار عملياتي واحد.
يرتكز هذا المفهوم على اتخاذ إجراءات ضد العدو على جبهات متعددة في وقت واحد من أجل شل قدراته على اتخاذ القرارات والاستجابة، ويمكن في هذه الاستراتيجية الحربية الجديدة التأثير في نظام اتصالات العدو من خلال هجوم إلكتروني، وتقييد روابطه عبر الأقمار الاصطناعية بوسائل فضائية أو إلكترونية وتحليل الوضع الحربي بسرعة من خلال الذكاء الاصطناعي، بينما يمكن للقوات العسكرية التقليدية تنفيذ عمليات برية أو جوية في الوقت نفسه، وهكذا تصبح كل ساحة معركة مترابطة مع الأخرى. ويكتسب هذا المفهوم أهمية أكبر في سياق جنوب آسيا.
مفهوم جديد لتوازن القوى
تعد منطقة جنوب آسيا مركزاً للنزاعات طويلة الأمد والتوترات السياسية والتنافس العسكري بين قوتين نوويتين هما باكستان والهند.
منذ بداية القرن الحالي، كان الردع النووي أساس الاستقرار الاستراتيجي بين إسلام آباد ونيودلهي إلى حد كبير، ولعب هذا المفهوم دوراً مهماً في منع نشوب حرب شاملة بين البلدين على مدى العقود الماضية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع ذلك، فقد أثار صعود الحرب متعددة المجالات تساؤلات جديدة حول هذا التوازن الاستراتيجي التقليدي، إذ كان الردع النووي يعتمد في المقام الأول على افتراض أن كلا الجانبين على دراية بالقدرات النووية للطرف الآخر وأن أي هجوم كبير سيقابل برد فعل مماثل.
لكن عندما تمتد الحرب لتشمل الهجمات الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الفضاء يصبح الوضع أكثر تعقيداً، ويتلاشى الخط الأحمر الذي يعد تجاوزه خطراً ينذر باستخدام السلاح النووي.
لنفترض أنه خلال أزمة ما، تقوم دولة ما بتعطيل اتصالات دولة أخرى أو أنظمة القيادة والسيطرة الخاصة بها من خلال هجوم إلكتروني، هل ستعد الدولة المتضررة هذا الهجوم مجرد هجوم إلكتروني أم أنها ستعتبره مقدمة لهجوم عسكري كبير؟ وبالمثل، إذا تعطلت أنظمة الأقمار الاصطناعية أو قدرات الإنذار المبكر في بلد ما، فإن احتمالات سوء الفهم وسوء التقدير يمكن أن تتضاعف مرات عدة.
هذه هي الأخطار التي أشار إليها الجنرال زكريا، وبحسب قوله، لا تقتصر التقنيات الجديدة على زيادة القدرات فحسب، بل تخلق أيضاً إمكانية سوء التقدير والتشخيص الخاطئ والاصطدامات غير المقصودة.
وفي منطقة مثل جنوب آسيا حيث تتصاعد الأزمات في كثير من الأحيان في فترة زمنية قصيرة للغاية، قد تكون هذه الأخطار أكثر خطورة.
وفي إشارة إلى الصراع الباكستاني - الهندي خلال مايو (أيار) 2025، قال الجنرال زكريا إن باكستان أظهرت عمليات فعالة متعددة المجالات تضمنت استخداماً منسقاً للقدرات السيبرانية والحرب الإلكترونية والاستخبارات والمراقبة والفضاء، مع التنسيق بين القوات المسلحة الثلاث.
وأوضح الصراع العسكري الأخير بين الجانبين أن النجاح في الحروب الحديثة لم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية التقليدية، بل أصبح التكامل بين مختلف المجالات أمراً بالغ الأهمية.
ومع ذلك، هناك درس آخر يمكن تعلمه من هذا الصراع وهو أنه إذا جرى استخدام القدرات متعددة المجالات بسرعة كبيرة أثناء الأزمة، فإن معدل التصعيد يمكن أن يكون أسرع بكثير من الصراعات السابقة.
أصبح بالإمكان الآن اتخاذ القرارات (التي كانت تستغرق ساعات أو أياماً في الماضي) في دقائق أو ثوانٍ بمساعدة الذكاء الاصطناعي والأنظمة الآلية، مما يشكل تحدياً حول قدرة القيادة السياسية في السيطرة على الوضع خلال تسارع وتيرة الأحداث. لذا، فإن الحرب في العصر الحالي لا تعتمد على القوة العسكرية فحسب، بل أيضاً على الدبلوماسية ووضع قواعد الاشتباك.
وأكد الجنرال زكريا ضرورة وضع مبادئ مقبولة دولياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي والأسلحة ذاتية التشغيل والعمليات السيبرانية وتقنيات الفضاء في الصراعات العسكرية، مجادلاً بأن الرقابة والمسؤولية البشرية يجب أن تظلا حاضرتين دائماً في القرارات المتعلقة باستخدام القوة.
هذا المطلب ليس أخلاقياً فحسب بل استراتيجياً أيضاً، بحيث إن قرارات الحرب لو تُركت بالكامل للخوارزميات والأنظمة الآلية فستكون عواقب الخطأ كارثية.
باختصار، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع عملية صنع القرار، لكنه لا يستطيع أن يحل محل البصيرة السياسية والمسؤولية الأخلاقية والفهم الإنساني.
من جانب آخر، إذا استمرت القدرات العسكرية في النمو بسرعة ولكن ظلت أنظمة بناء الثقة والاتصالات وإدارة الأزمات ضعيفة، فقد يضعف الاستقرار الاستراتيجي تدريجاً. والسؤال الأهم بالنسبة إلى جنوب آسيا هو ما إذا كانت دول المنطقة ستتبنى تقنيات جديدة إضافة إلى أساليب جديدة لإدارة الأزمات.
تنامي ضرورة التواصل
في هذا السياق، تكتسب وجهة نظر الجنرال زكريا أهمية خاصة، فالاستقرار الاستراتيجي لا يجري الحفاظ عليه من خلال الردع فحسب بل من خلال التواصل الفعال مع الخصم أيضاً.
وأصبحت الخطوط الساخنة والاتصالات على المستوى العسكري والمفاوضات الفنية وتدابير الشفافية أكثر ضرورة اليوم من أي وقت مضى، لأن التهديد في الحروب المستقبلية قد لا يكون قوة العدو فحسب، بل سوء الفهم أيضاً.
ومن المثير للاهتمام أن مفهوم القوة بحد ذاته يتغير أيضاً في عصر الحرب متعددة المجالات. ففي العصر الجديد، لا تُقاس قوة الدولة الآن بموازنتها العسكرية أو عدد الأسلحة التي تمتلكها فحسب، بل أيضاً بمقاومتها السيبرانية وبنيتها التحتية الرقمية وقدراتها الفضائية، وخبرتها في مجال الذكاء الاصطناعي وتماسكها المؤسسي.
ولهذا السبب سيصبح مفهوم الأمن القومي أكثر شمولاً وتعدداً في الأوجه خلال الأعوام المقبلة. وتقف منطقة جنوب آسيا عند مفترق طرق حيث تخلق التكنولوجيا فرصاً وتهديدات جديدة في آن.
إذا استخدمت الدول هذه القدرات بمسؤولية وشفافية ومن خلال الحوار فإنها تستطيع تعزيز الاستقرار الإقليمي، لكن إذا جرى النظر إلى التحديث العسكري فقط في سياق المنافسة والتفوق، فإن هذه التقنيات نفسها يمكن أن تؤدي أيضاً إلى عدم الاستقرار.
كانت الرسالة الرئيسة للجنرال نعمان زكريا في حوار شانغريلا أن التكنولوجيا بحد ذاتها لا تحدد السلم أو الحرب.
يكمن القرار الحقيقي في القيادة السياسية ومسؤولية الدولة والتعاون الدولي. لقد تغيرت حروب القرن الـ21 بلا شك، لكن المبادئ الأساس للسلام لا تزال كما هي، من ضبط النفس مع القوة، والمسؤولية مع القدرة، والحوار مع التنافس. وسيعتمد مستقبل الاستقرار الاستراتيجي لجنوب آسيا أيضاً على هذا التوازن.
نقلا عن اندبندنت اوردو