ملخص
لأن كل خطر في الحرب يهدد الهوية والأمان والوطنية، يبحث الناس عن رموز مشتركة بينهم لتفعيل الذاكرة الاجتماعية والانتماء والهوية، فيلجأون بصورة خاصة إلى الأغاني الوطنية كأداة لضبط المشاعر وتعزيز التواصل والترابط بينهم، لذلك تتحول الموسيقى من فن إلى أداة نفسية في غاية الأهمية لتعزيز الشعور بالأمل والوطنية والاندفاع، مما يفسر أن ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي يكون له وقع أكبر بكثير في هذه المرحلة عندما يترافق مع أغانٍ وطنية بالمقارنة مع غيرها نظراً إلى أثرها النفسي، وما تضفيه من مشاعر بالفخر والاعتزاز بالوطنية، فضلاً عن أنها تساعد في تعديل المزاج.
كثيراً ما قامت الموسيقى بدور جوهري أثناء الحروب عبر التاريخ من نواحٍ عدة، حتى إنها شكلت أداة نفسية مهمة أسهمت في تخطي أهوال الحرب والحد من الضغوط النفسية المترتبة عليها، ونظراً إلى العلاقة الوثيقة التي تربط الموسيقى بالجانب النفسي، يبدو واضحاً أن الأهواء الموسيقية بذاتها تتغير خلال الحروب مع التغيير الحاصل في المزاج والظروف العامة، وفي فترات الأزمات والحروب يبدو أيضاً أن أنماطاً موسيقية معينة تعود للواجهة ويتركز عليها الاهتمام فيما تقل جاذبية أنماط موسيقية أخرى.
أغانٍ عادت للواجهة
"بكتب اسمك يا بلادي" و"بحبك يا لبنان" و"بتتلج الدني" و"من قلبي سلام لبيروت" و"يوماً ما" و"الحق ما بيموت" و"لبناني"، إضافة إلى أغاني الفنان أحمد قعبور مثل "يا رايح صوب بلادي" و"جنوبيون"، وغيرها من الأغاني الوطنية، كلها عادت للواجهة خلال الحرب وتركز عليها اهتمام المستمعين، فاحتلت مساحة واسعة في المحطات الإذاعية والتلفزيونية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يتركز اهتمام المواطنين حول هذا النوع من الألحان في هذه المرحلة التي تزيد فيها الأخطار التي تهددهم وتهدد الوطن.
في هذه الظروف الصعبة، تتغير الأهواء الموسيقية بصورة واضحة، فتتحول الموسيقى في فترات الحروب إلى أداة للصمود وملجأ عاطفي يمكن أن يستند إليهما المواطن في هذه الظروف الدقيقة لمواجهة الضغوط النفسية الكثيرة، وتكون هذه الألحان كفيلة بمساعدته في تفريغ المشاعر والضغط النفسي الذي يشعر به، وتسهم بصورة أو بأخرى في تعزيز الشعور بالأمان لديه. ويبدو واضحاً أنه في زمن الحرب، تشكل الموسيقى ملاذاً للمواطنين يساعدهم في التخفيف من الصدمات، وقد تراوح الأهواء عندها بين الألحان الوطنية الحماسية والموسيقى العسكرية الصاخبة، فضلاً عن الألحان الهادئة التي قد تساعد في تهدئة النفوس وسط أجواء الحرب والضغوط الناتجة منها.
بالفعل، كشفت بيانات منصة "أنغامي" الموسيقية عن عادات الاستماع في لبنان أثناء الحرب، وعن تحول نوعي يحصل في هذه المرحلة، إذ إن الموسيقى لا تكون مجرد وسيلة ترفيهية بل تكون بمثابة علاج للتوتر وملاذ نفسي للتأقلم مع الأزمة. فكشفت دراسة قامت بها المنصة عن أن الاستماع إلى الموسيقى الصاخبة وحفلات "البوب" يتراجع بصورة ملحوظة خلال الحرب في فترات التصعيد الأمني، فيما يزيد الإقبال على الأغاني الوطنية بما أن اللجوء إلى الموسيقى لا يعود محصوراً في إطار ترفيهي، بل تكون له أبعاد نفسية.
ويبدو واضحاً ان السلوك الجماعي يشهد تغييراً في مثل هذه الظروف ويسجّل تغييراً بصورة خاصة على مستوى أولوياته في الموسيقى. وعلى رغم أن المستمعين استمروا بالتفاعل، فإن تحولات حصلت في نمط الاستخدام بصورة كشفت عن أن الموسيقى تصبح في ظروف الحرب رفيقة للتفريغ العاطفي والاسترخاء مع نهاية اليوم. في الوقت ذاته، سجّلت زيادة في الاهتمام بالموسيقى الوطنية التي تعمق الإحساس بالوحدة والهوية الوطنية، وزاد كذلك الاهتمام بالموسيقى الهادئة التي تدعو إلى الاسترخاء، إضافة إلى عودة قوية سُجّلت لأغاني فيروز وجوليا بطرس التي توفر شعوراً بالحنين والراحة، وبصورة خاصة كان هناك تركيز على الأغاني الوطنية التي تشحن العواطف مثل "لبيروت" التي تحمل بعداً ثقافياً أيضاً.
المحطات الإذاعية والتلفزيونية
في سياق متصل، رأى الناقد الفني عبيدو باشا أن الرواج الذي تحققه هذه الأغاني وهذا النوع من الموسيقى في فترات الحروب "يرتبط بإدارات المحطات الإذاعية والتلفزيونية التي تحرص على التركيز على الأغاني الوطنية بما يتناسب وفترة الحرب، فهي تدرك أنها تكون أكثر جذباً للناس وتسهم في رفع المعنويات وتعزيز الاندفاع والحماسة"، وأشار إلى أنه قديماً "كانت الموسيقى الكلاسيكية تعتمد عند وفاة شخصية معينة على الإذاعات والتلفزيونات، فارتبطت في الأذهان بحالات الوفاة، كذلك بالنسبة إلى قراءة القرآن والتجاويد التي ترتبط بمثل هذه الحالات. أما الأغاني السياسية وتلك التي لها إيقاع عسكري، فتجري استعادتها بصورة طبيعية في الحروب وعند حصول هجمات عسكرية كونها ترتبط بآليات الحرب، علماً أن هذا النوع من الأغاني خاص بلبنان وهو غير موجود في أي بلد آخر مثل أغاني الفنانين أحمد قعبور ومارسيل خليفة، وهي تختلف عن الأغاني التي تتعاطى السياسة، هي من الأغاني الي يتذكرها الجميع أثناء الحروب وفي الأحداث العسكرية الكبرى ويسترجعونها"، وأشاد باشا بقيمتها الجمالية والفنية الكبرى في تاريخ لبنان "بما يدعو إلى التركيز عليها في أي وقت كان، مع ما نشهده من تراجع في لبنان وفي مختلف الدول على المستوى الثقافي، بالتالي إن المسألة ترتبط هنا بأهواء الناس مع الانتشار الذي تحققه هذه الأغاني في الحروب، بل إن المحطات التلفزيونية والإذاعية تركز عليها ولا علاقة للناس بها، فهي تلجأ إليها لرفع نسبة المستمعين والمشاهدين بما أن الناس قد يميلون في فترة الحرب إلى موسيقى من هذا النوع. هي تجذبهم بصورة خاصة لأنها تساعدهم في الحد من الضغط النفسي الناتج من العنف والحرب وتساعد في تعافيهم، بالتالي لا علاقة لأهواء الناس بما يحقق رواجاً في الحرب بل إنهم مع تكرار عرض هذا النوع من الأغاني، هم يسمعون هذه الألحان تلقائياً ويشعرون بالانجذاب إليها عندها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
دور جوهري في الحروب
لو عدنا بالزمن للوراء، يبدو واضحاً أنه عبر التاريخ، لم تكُن الموسيقى مجرد وسيلة للترفيه بالفعل، بل تحوّلت خلال حقبات عدة إلى سلاح نفسي فاعتُمدت أحياناً لتوثيق الانتصارات في المعارك أو لتهدئة نفوس المدنيين أو لترويع العدو أو حتى لشحذ الهمم. ففي الحضارات القديمة استُخدمت الموسيقى لغايات معينة، على رأسها ترهيب الأعداء وتنسيق حركة الجنود من خلال آلات معينة مثل الأبواق والطبول. وفي أواخر القرن الـ 14 برزت الفرق "الانكشارية" العثمانية التي كانت أولى وأقدم الفرق العسكرية المنظمة، وكانت تعتمد على الإيقاعات الصاخبة لزرع الخوف في صفوف العدو ولإعطاء إشارات في أرض المعركة. بعدها، في العصور الوسطى بأوروبا، أصبحت الموسيقى ضرورة، فاستخدمت الطبول والمزامير لضبط إيقاع مسير الجنود ونقل الأوامر والنداءات في ساحات القتال.
من ناحيتها أكدت الاختصاصية في المعالجة النفسية جيزال نادر أن الأهواء الموسيقية تتغير فعلاً خلال الحروب، و"ثمة تفسير لذلك في علم النفس، إذ ينتمي الإنسان في جزء من شخصيته إلى جماعة معينة كبلده أو طائفته أو مجتمعه، وعندما يزيد التهديد على الناس أثناء الحرب، يشعر كل فرد بأنه يزداد قوة وعنفواناً. فإذا كان ينتمي إلى مجموعة يشعر بأنه ليس وحيداً ويرى في التكافل المجتمعي وسيلة للحد من الشعور بالعجز، كونه قد لا يتمكن من المقاومة ومواجهة التهديدات والأخطار منفرداً، لذلك أثناء الحروب يميل الناس إلى الأغاني والشعارات التي تجمعهم على حب الوطن وعلى المشاعر نفسها والحماسة، فيكون هناك إحساس بالتضامن وبتضافر الجهود في الوطن بمواجهة الأخطار، من خلال الأغاني الوطنية".
وتابعت نادر "كما أنه في علم النفس، هناك نظرية أخرى تتعلق بالذاكرة الجماعية، فعندما يكون هناك أفراد ينتمون إلى عائلة واحدة أو مجتمع واحد تكون لديهم ذاكرة جماعية، ويكون هناك توارث للمبادئ والأفكار والقيم، ولو بصورة غير ظاهرة وغير مباشرة، وتُعد الأغاني الوطنية جزءاً من هذه الذاكرة الجماعية، فلا تقتصر على ما تتضمنه من كلمات، بل تحمل ذكريات ترتبط بحرب سابقة وبالصمود وبضحايا سقطوا وبالاجتماع على رأي موحد، مما يساعد الناس عبر استحضار تجارب مشتركة عاشوها معاً، فتذكرهم بأنهم يشكلون جزءاً من تاريخ هذا البلد، ويشعرهم بالاستمرارية وبأن الفوضى موقتة ولن تستمر طويلاً".
ولفتت نادر إلى أن ما يمكن ملاحظته بصورة خاصة أن "الأغاني الوطنية القديمة هي التي تحضر أولاً أثناء الحروب، خصوصاً أنها تكون قد أطلقت لسبب في حرب سابقة مثلاً، فتكون الحرب الحالية مناسبة لاستعادة انتصار سابق، مما يعطي أملاً في إمكان تخطي هذا التحدي الجديد وتحقيق انتصار إضافي".
الانفعالات
وأشارت نادر من جهة أخرى إلى أن الموسيقى بصورة عامة تنظم الانفعالات خلال فترات الحرب، "فالحرب تولّد خوفاً وقلقاً وشعوراً بفقدان السيطرة على الأمور، فتساعد الموسيقى الجهاز النفسي في تنظيم هذه المشاعر والانفعالات وتخفف من التوتر، وتحوّل الخوف إلى أمل من خلال أغانٍ وطنية تبعث الأمل في النفوس، وتزيد الحماسة لدى المواطنين، وتولد كذلك شعوراً بالتواصل الاجتماعي عند الاستماع إلى أغانٍ وطنية يؤديها فنان، مما يسهم في توحيد الصفوف وخلق إحساس بالقوة والاندفاع والعزم، فيكون وقعها مختلفاً عندها على عواطف الأفراد في مرحلة الحرب حين يكونون بأمس الحاجة إلى ذلك. حتى إن الإيقاع العسكري في الأغاني يعزز الطاقة الإيجابية ويساعد في التغلب على الشعور بالعجز النفسي، مما يفسر وجود العلاج بالموسيقى الذي يساعد من خلال الموسيقى في معالجة مشاعر معينة أو في تفريغ مشاعر معينة كامنة لدى الفرد أو في التغلب على الشعور بالوحدة، هي تساعده في التعبير عن مشاعر لم يعبّر عنها، وتعطيه في الوقت نفسه أملاً خصوصاً في ما يتعلق بأغانٍ وألحان معينة لها هذا الطابع، ولأن الإنسان يحتاج إلى التعبير عن أنواع المشاعر كافة بداخله خلال فترات الحروب، قد يحتاج إلى الألحان الحزينة التي تدفع ربما إلى البكاء أحياناً، أو في مرحلة ما يحتاج بعدها إلى أغنية حماسية تبعث الأمل في نفسه ليأمل بالانتصار وتدعوه إلى الصمود".
لأن كل خطر في الحرب يهدد الهوية والأمان والوطنية يبحث الناس عن رموز مشتركة بينهم لتفعيل الذاكرة الاجتماعية والانتماء والهوية، فيلجأون بصورة خاصة إلى الأغاني الوطنية كأداة لضبط المشاعر وتعزيز التواصل والترابط بينهم، لذلك تتحول الموسيقى من فن إلى أداة نفسية في غاية الأهمية لتعزيز الشعور بالأمل والوطنية والاندفاع، مما يفسر أن ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي يكون له وقع أكبر بكثير في هذه المرحلة عندما يترافق مع أغانٍ وطنية بالمقارنة مع غيرها نظراً إلى أثرها النفسي، وما تضفيه من مشاعر بالفخر والاعتزاز بالوطنية، فضلاً عن أنها تساعد في تعديل المزاج.