ملخص
يتحول رفض استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي من موقف شخصي أو أخلاقي إلى قلق مهني حقيقي، مع اتساع الفجوة بين من يتقنون هذه الأدوات ومن يخشون أن يصبحوا خارج سوق العمل. لكن الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يثير أسئلة لا تقل خطورة عن فرصه، من فقدان الوظائف وتراجع التفكير النقدي إلى صعود قيمة الصوت البشري الأصيل في عالم يغمره المحتوى الاصطناعي.
مرحباً. اسمي هيلين، وأنا عذراء.
أقصد عذراء في استخدام "تشات جي بي تي". ومع ذلك، وسط هذا المناخ المشحون بالذعر من الذكاء الاصطناعي، ربما يكون الاعتراف الثاني هو الأكثر إثارة للصدمة في هذه المرحلة.
والأمر لا يقتصر على "تشات جي بي تي". فأنا لم أعبث يوماً مع "كلود" أو "جيميناي" أو "لاما" أو أي من منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي الأخرى التي سرعان ما أصبحت رائجة على نطاق واسع. وحين أقول "عذراء"، فأنا أعني ذلك حرفياً. لم أفتح أياً من هذه الأدوات قط، ناهيك بأن أسألها عن أي شيء. بل إنني لست متأكدة بنسبة 100 في المئة من مكان وجودها أصلاً. على الإنترنت، على الأرجح. هل هي في السحابة؟ هل يتعين تحميل تطبيق؟
لم يكن هذا الجهل متعمداً، في الأقل في البداية. فقد فاتني الأمر برمته بطريقة ما، تماماً كما حدث معي مع برامج "البودكاست". في يوم من الأيام كان كل شيء طبيعياً، ثم استيقظت في اليوم التالي لأجد العالم يصغي بنهم إلى آراء مشاهير من الدرجة العاشرة، ويسأل "تشات جي بي تي" عما ينبغي تناوله على الإفطار.
أنا أستخدم بعض أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ بات من شبه المستحيل تجنبها بعدما أصبحت مدمجة في صميم كل قطعة تقنية تقريباً، لكن استخدامي الحالي لا يتجاوز "أوتر" Otter، وهي أداة لتفريغ التسجيلات الصوتية أستعين بها في المقابلات. لقد وفرت عليَّ ساعات لا تحصى عبر إنجاز مهمة كنت أجدها مملة إلى حد لا يطاق، وهذا في رأيي هو الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي.
"أوتر" دقيق إلى حد كبير، لكنه يقع أيضاً بانتظام في ما يعرف بـ"هلوسة الذكاء الاصطناعي". وبعبارة مبسطة، يعني ذلك أنه يختلق أشياء. أو بعبارة أخرى: إنه يكذب.
لماذا إذاً أثق بالذكاء الاصطناعي، كما يبدو أن كثيرين يفعلون اليوم، كي يقدم لي نصائح حساسة في العلاقات، أو يرد على رسائل دقيقة، أو يؤدي معظم عملي نيابة عني، أو يصبح معالجي النفسي ووكيل سفري وشريكي العاطفي الفعلي في آن؟ ولماذا أتوقف عملياً عن استخدام عقلي، وأفوض تفكيري إلى أداة تميل إلى تقديم الهراء الكامل على أنه حقيقة، بثقة غير مستحقة، تشبه ثقة شاب في الـ23 ينصب نفسه متخصصاً في شؤون الحياة؟
كما أنني أدرك تماماً أن الذكاء الاصطناعي، في حالات كثيرة، يعني حرفياً حرمان إنسان آخر من عمله. قال لي أحدهم أخيراً إن عليَّ استخدامه لإعداد خطة تدريب شخصية لأنه "بارع جداً في ذلك". لا، ليس بارعاً! هذا ما وددت أن أصرخ به في وجهه مباشرة. فما "يبرع" فيه حقاً هو تمشيط الإنترنت، وجمع المعرفة والنصائح التي اكتسبها محترفون مهرة بشق الأنفس، ثم تقديمها مجاناً، مع ضمان حرمان مدرب شخصي حقيقي من عميل يدفع له، ومشاهدة مصدر رزقه وهو يدمر تدريجاً.
ربما حاول رئيس بنك "ستاندرد تشارترد"، بيل وينترز، لاحقاً التخفيف من حدة تصريحاته المثيرة للجدل بعد موجة انتقادات واسعة، لكنه كان في الواقع يجهر بموقف تتبناه شركات كثيرة، حين قال إن الذكاء الاصطناعي سيحل محل "رأس المال البشري الأقل قيمة"، في خضم تسريح آلاف الموظفين.
ولا تجعلوني أبداً أصلاً في الحديث عن استهلاك الطاقة، إذ يقال إن "تشات جي بي تي" يستهلك من الطاقة عشرة أضعاف ما تستهلكه عملية بحث واحدة على "غوغل".
ومع ذلك، لا أستطيع منع نفسي من القلق من أن عنادي في رفض الذكاء الاصطناعي سينقلب عليَّ في النهاية. تبدو هوة آخذة في الاتساع بالفعل بين المتبنين الأوائل لهذه التقنية، والمتشبثين بعناد بالبقاء خارج هذا العالم الرقمي الجديد. قلة قليلة فقط تبدو كأنها تجرب الذكاء الاصطناعي بخفة أو على استحياء، فإما أنهم انسحبوا منه بالكامل، مثلي، أو انضموا بكل حماسة إلى معسكر النماذج اللغوية الكبيرة، يعددون فضائلها بحماسة لا نراها عادة إلا لدى أتباع الطوائف حين يتحدثون عن قائدهم المجيد.
سيكون من الصعب جداً العثور على وظيفة مكتبية أو قطاع لا يتوقع فيه قريباً مستوى ما من الإلمام بالذكاء الاصطناعي
أماندا أوغوستين - "كاريير مايندز"
وفقاً لبعض التقديرات، يستخدم ما يقارب نصف سكان المملكة المتحدة، أي 46.3 في المئة، "تشات جي بي تي" اليوم، من دون احتساب "كلود" أو غيره من المنافسين. وبناء على أرقام أبريل (نيسان) الماضي، يوجه المستخدمون في المملكة المتحدة نحو 86.7 مليون أمر يومياً، أي ما يقارب 31.7 مليار أمر سنوياً.
حتى نساء شهيرات، من ريس ويذرسبون إلى ميل روبنز وشيريل ساندبرغ، يطلبن مني اللحاق بقطار الذكاء الاصطناعي فوراً، أو قبول مصيري كشخص عفا عليه الزمن، كذلك أبرزت مقالة ممتازة حديثة في مجلة "ذا كت"The Cut بعنوان "تحويل الذكاء الاصطناعي إلى نموذج ’المرأة الطموحة والناجحة‘".
فهل كتب عليَّ أن أتخلف عن ركب ثورة الذكاء الاصطناعي، وأن أظل عالقة بلا أمل في عصور الظلام، مثل شخص ثمانيني لم يتجاوز مرحلة الهاتف الأرضي، ويضطر إلى الاعتماد على أبنائه البالغين للوصول إلى الخدمات المصرفية عبر الإنترنت؟ لقد سمعت أن المرشحين للوظائف يطلب منهم على نحو متزايد أن يثبتوا في مقابلات العمل قدرتهم على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. صحيح أن المبادئ مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لتأمين الدخل ودفع أقساط الرهن العقاري.
تقول متخصصة التوظيف في شركة "كاريير مايندز"Careerminds العالمية المتخصصة في حلول القوى العاملة أماندا أوغوستين "في كثير من المؤسسات، لم يعد ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره اتجاهاً ناشئاً، بل أصبح جزءاً من سير العمل اليومي". وتضيف "أعتقد أنه سيكون من الصعب جداً العثور على وظيفة مكتبية أو قطاع لا يتوقع فيه قريباً مستوى ما من الإلمام بالذكاء الاصطناعي".
وعندما سألتها عما إذا كان رفضي التعامل مع "تشات" و"كلود" وأقرانهما قد يضر بي، كان جوابها واضحاً إلى حد كبير: "إذا تجاهلت هذه الأدوات تماماً أو رفضت استكشافها، فقد يضر ذلك بفرصك المهنية المستقبلية أو بتقدمك الوظيفي. وكما يقول المثل، فإن الثابت الوحيد هو التغيير. وإذا قاومت تبني هذه التحولات التكنولوجية، فقد يعوقك ذلك في سوق العمل".
وعلى رغم أنني لست مضطرة إلى أن أصبح متخصصة في الذكاء الاصطناعي بين ليلة وضحاها، فإن "أصحاب العمل يتوقعون بصورة متزايدة من المرشحين أن يثبتوا قدرتهم على التكيف واستعدادهم لتعلم تقنيات جديدة. وحتى الفهم الأساس لأدوات مثل ’تشات جي بي تي‘ يمكن أن يساعد المهنيين على العمل بكفاءة أكبر".
ووفقاً لمايكل وولدريدج، وهو متخصص فعلي في الذكاء الاصطناعي وأستاذ أساسيات الذكاء الاصطناعي في جامعة أوكسفورد، فإن انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي يضيف بعداً آخر إلى فجوة رقمية معروفة. ويستشهد بوالديه الراحلين، اللذين لم يتمكنا قط من مواكبة أجهزة الكمبيوتر. ويقول: "كان الأمر غريباً تماماً بالنسبة إليهما، وقرب نهاية حياتهما بدأ يتحول إلى مشكلة حقيقية". فقد أصبحت الخدمات التي كانا يحتاجان إليها متاحة فقط بصيغة إلكترونية، عبر الإنترنت أو من خلال تطبيق. ويضيف: "هناك عنصر من الظاهرة نفسها بالضبط هنا، وهذا يبعث بتأكيد القلق".
ومن المفهوم أنه بدا غير مصدق إلى حد ما عندما أخبرته بأنني لم أستخدم "تشات" وأمثاله ولو مرة واحدة. سألني: "ألم تجربيه إطلاقاً؟"، لكن الصورة ليست كلها سيئة، على ما يبدو.
بدأ المحتوى الذي ينتجه البشر يكتسب قيمة كبيرة بحد ذاته
مايكل وولدريدج - جامعة أوكسفورد
يشرح مطمئناً: "الذكاء الاصطناعي متاح بشكل أكبر لهذا الجيل مما كانت عليه أجهزة الكمبيوتر بالنسبة إلى والدي قبل 30 عاماً. إنه في الحقيقة شيء غير مخيف على الإطلاق. لا تحتاجين إلى دكتوراه في الذكاء الاصطناعي لاستخدام ’تشات جي بي تي‘. كل ما عليك فعله هو الدخول إليه وإجراء محادثة". وبعبارة أخرى، كان على أبناء الأجيال السابقة الذين اضطروا فجأة إلى فهم تكنولوجيا الحوسبة أن يقطعوا قفزة أكبر بكثير من تلك التي يواجهها موظفو المكاتب العاديون اليوم عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي.
ومع أن نظاماً من طبقتين آخذ في الظهور، فإنه ليس بين مستخدمي الذكاء الاصطناعي وغير مستخدميه، بل بين أصحاب الوظائف المكتبية وأصحاب الأعمال اليدوية. يقول وولدريدج: "بالنسبة إلى عدد كبير جداً من الناس، لا صلة للذكاء الاصطناعي تقريباً بحياتهم المهنية. إذا كانت وظيفتك في العالم المادي، كأن تكون سباكاً أو كهربائياً أو تعمل في دار رعاية، فسيظل الذكاء الاصطناعي جزءاً هامشياً إلى حد كبير منها. ومن مفارقات التطورات التي شهدناها أن المهن التي تتطلب عملاً يدوياً ماهراً ستكون محصنة من الذكاء الاصطناعي في المستقبل المنظور، بينما يبدو العمل المكتبي أكثر عرضة بكثير لتأثيره".
وعلى الوجه الآخر من عملة الذكاء الاصطناعي، يتوقع وولدريدج مساراً مهنياً جديداً سيصبح الوريث الطبيعي لمؤثري الإنترنت اليوم. ويقول: "سيحول الناس كل تجربة يمرون بها إلى مصدر للدخل من خلال تزويد الذكاء الاصطناعي ببيانات تلك التجربة، أي تصوير حياتهم بأكملها. كل قدر من البيانات يمكن استخلاصه من الإنسان سيستخلص ويغذى به الذكاء الاصطناعي، وسيدخل الناس في صفقات مالية من أجل ذلك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بصراحة، يبدو هذا كأنه جحيم على الأرض. فهل سأتخلف إذاً عن الركب؟ ليس بالضرورة، فقد تكون هناك مزايا غير متوقعة.
يقول وولدريدج: "أحد الأبعاد المثيرة للاهتمام هو أنه، حتى ونحن نجري هذا الحديث، أصبح المحتوى الرديء الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي أكثر انتشاراً من أي وقت مضى. أنت تخوض في كميات متزايدة منه، ومن آثاره الجانبية أن المحتوى الذي ينتجه البشر بدأ يكتسب قيمة كبيرة بحد ذاته. عندما أقرأ مقالاً لصحافي لديه بعض الخبرة في الأشياء التي يتحدث عنها، فإن لذلك قيمة بالفعل".
ويتابع: "حين ننظر إلى المستقبل، فإن أحد الأمور التي يرجح أن نراها هو إضفاء قيمة كبيرة على الأصوات البشرية الأصيلة والحقيقية، تحديداً لأنها أصيلة، لا مصقولة وعامة".
وتصبح فكرة أن اللمسة الإنسانية ستكتسب قيمة إضافية أكثر إقناعاً إذا صدقنا توقع وولدريدج الكئيب بأن الانتشار الحالي للمحتوى الرديء الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي ليس سوى رأس جبل الجليد. ويحذر قائلاً: "ما رأيناه لا يقارن بما هو آت. سيكون الأمر مذهلاً إلى حد يصعب تصوره".
وهناك فائدة محتملة أخرى للحفاظ على عذريتي من هذه الأدوات: فنحن نشهد بالفعل خطر أن يتخلى البشر طوعاً عن مهاراتهم ويقوضوا قدراتهم على التفكير النقدي، عبر إلقاء كل شيء على عاتق الذكاء الاصطناعي بدلاً من محاولة فهم الأمور بأنفسهم.
ويقول وولدريدج محذراً: "إنه خطر حقيقي. علينا أن نبقى متيقظين له، وهذا جزء من التثقيف الذي نحتاج إليه في شأن كيفية التعامل مع هذه الأدوات واستخدامها على نحو جيد".
في نهاية المطاف، قد لا يكون استمراري في سد أذني والتظاهر بأن عصر الذكاء الاصطناعي لم يبدأ أفضل خطوة مهنية أقدم عليها حتى الآن، لكن إذا كان ذلك يعني أنني ما زلت أتذكر كيف أكتب، وأحل المشكلات، وأجري الأبحاث، والأهم من ذلك كله، كيف أفكر بنفسي، أتعرفون؟ قد أظل "عذراء" في هذا العالم قليلاً بعد.
© The Independent