Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حصر السلاح" رهان عراقي للخروج من دائرة الصراع الإقليمي

حكومة بغداد تبدو مصممة على المضي في هذا المسار لإنقاذ البلاد من عمليات انتقامية لا تريد الانخراط فيها

انضمام سرايا السلام إلى قوات الأمن النظامية في العراق بمثابة بداية مشروع الاندماج (أ ف ب)

ملخص

على رغم أن هذا المسار لن يضع حداً بشكل كامل لتأثيرات الصراع الأميركي - الإيراني على العراق، فإن نجاحه قد يمنح بغداد هامشاً أكبر للمناورة السياسية والدبلوماسية، ويقلل من احتمالات جرها إلى مواجهات لا ترغب بها.

في كل مرة تتصاعد فيها حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يعود العراق إلى الواجهة بوصفه الحلقة الأكثر هشاشة في معادلة الصراع الإقليمي. فمنذ سنوات، تحاول بغداد الموازنة بين شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن وعلاقاتها السياسية والجغرافية العميقة مع طهران، إلا أن هذه المعادلة كثيراً ما وضعت البلاد أمام اختبارات صعبة، كان أخطرها تحول الأراضي العراقية إلى ساحة رسائل متبادلة بين الطرفين عبر هجمات واستهدافات متفرقة هددت الأمن والاستقرار الداخلي.

اليوم، ومع دخول الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي مرحلة جديدة من مشروع حصر السلاح بيد الدولة، وإطلاق إجراءات عملية لدمج تشكيلات مسلحة ضمن المنظومة الأمنية الرسمية، يبرز سؤال جوهري في الأوساط السياسية والأمنية، هل يستطيع العراق أخيراً تحييد نفسه عن تداعيات أي مواجهة محتملة بين واشنطن وطهران؟ وهل يمثل ملف حصر السلاح نقطة تحول استراتيجية تعيد رسم المشهد الأمني والسياسي العراقي بعد أكثر من عقدين من تعدد مراكز القوة المسلحة؟

التطورات الأخيرة تشير إلى أن بغداد تحاول الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بعد إعلان انضمام سرايا السلام إلى مشروع الاندماج الأمني، وإعلان قوى أخرى مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي تأييدها لمسار حصر السلاح، بالتزامن مع تشكيل لجان عليا لوضع آليات تنفيذية بإشراف مباشر من القائد العام للقوات المسلحة.

هذه الخطوات تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وسط استمرار التوترات في المنطقة، وسعي العراق لتجنيب نفسه الانعكاسات الأمنية والاقتصادية لأي تصعيد جديد.

تحرك حكومي واسع

الحكومة العراقية تبدو مصممة على المضي في هذا المسار، فالأوامر الديوانية الأخيرة نصت على تشكيل لجنة مركزية عليا لوضع آليات وسياقات عسكرية ملزمة لإنهاء المظاهر المسلحة وسحب السلاح والذهاب نحو الاندماج الكامل تحت مظلة الدولة.

وأكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان أن اللجنة باشرت مهامها، وأن الهدف يتمثل في إنهاء أي ارتباط سياسي بالمؤسسات العسكرية والأمنية، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة للسلطة الدستورية والقانونية.

وأعلن نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول الركن قيس المحمداوي استكمال تسلم بيانات سرايا السلام، وبدء إجراءات اندماجها ضمن القوات الأمنية المرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، مع اعتماد مدينة سامراء كنموذج أولي لتطبيق المشروع قبل تعميمه على بقية المناطق والتشكيلات.

 

وفي الوقت ذاته، شدد رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض على أن أوامر فك الارتباط لا تستهدف إضعاف الحشد، بل تهدف إلى تعزيز مؤسسيته ومنع التداخل بين العمل الأمني والسياسي، مؤكداً أن الحشد يمثل حاجة أمنية دائمة في مواجهة التحديات المختلفة.

لماذا الآن؟

يرى مراقبون أن توقيت إطلاق مشروع حصر السلاح ليس منفصلاً عن التحولات الإقليمية الجارية. فالعراق وجد نفسه خلال السنوات الماضية في قلب الصراع الأميركي - الإيراني، سواء من خلال استهداف قواعد تضم قوات أميركية، أو عبر الضربات المتبادلة التي شهدتها المنطقة.

وتدرك بغداد أن استمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار القرار الحكومي الموحد قد يجعل البلاد عرضة مجدداً لأي ردود فعل أو عمليات انتقامية مرتبطة بصراعات لا تريد الدولة العراقية الانخراط فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويأتي ذلك بالتزامن مع تحركات دبلوماسية عراقية يقودها وزير الخارجية فؤاد حسين الذي أكد أن العراق من أكثر الدول تضرراً من استمرار الحروب والأزمات الإقليمية، مشيراً إلى انعكاساتها المباشرة على الاقتصاد والطاقة والاستقرار المالي.

رسائل داخلية وخارجية

لا يقتصر مشروع حصر السلاح على أبعاده الأمنية فحسب، بل يحمل رسائل سياسية متعددة الاتجاهات.

فعلى المستوى الداخلي تسعى الحكومة إلى تعزيز هيبة الدولة وترسيخ مركزية القرار الأمني والعسكري، أما خارجياً، فإن بغداد تحاول إقناع شركائها الإقليميين والدوليين بأنها ماضية نحو بناء دولة تمتلك قرار الحرب والسلم بشكل حصري، بما يقلل من المخاوف المرتبطة باستخدام الأراضي العراقية في صراعات المحاور.

وقد لاقت هذه الخطوات ترحيباً أميركياً واضحاً، إذ أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا توم براك بخطوة الحكومة العراقية، معتبراً أنها تمثل حجر الأساس لاستعادة السيادة والاستقرار.

في المقابل، حرصت القوى السياسية العراقية الداعمة للمشروع على تأكيد أن حصر السلاح يأتي استجابة للدستور والقانون وتوجيهات المرجعية الدينية، وليس نتيجة ضغوط خارجية.

هل يكفي حصر السلاح لتحييد العراق؟

المحلل السياسي علي حسين يرى أن مشروع حصر السلاح يمثل خطوة مهمة على طريق تحصين العراق من تداعيات الصراعات الإقليمية، لكنه ليس العامل الوحيد المطلوب لتحقيق هذا الهدف.

ويقول حسين إن "وجود قرار أمني موحد بيد الدولة يقلل بشكل كبير من احتمالات انزلاق العراق إلى أي مواجهة غير محسوبة، لأن تعدد مراكز القرار العسكري كان أحد أبرز أسباب تعرض البلاد للضغوط الخارجية خلال السنوات الماضية". ويضيف أن "النجاح الحقيقي لا يقاس بإصدار القرارات فقط، بل بمدى قدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذها بصورة شاملة ومتدرجة، مع توفير الضمانات القانونية والإدارية للتشكيلات التي تنخرط ضمن مؤسسات الدولة". ويشير إلى أن أي دولة تريد حماية سيادتها يجب أن تحتكر استخدام القوة وفق الدستور، وهذه القاعدة أصبحت اليوم أكثر أهمية في ظل البيئة الإقليمية المضطربة.

اختبار سياسي أكثر منه أمنياً

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الأمني لؤي الكناني أن ملف حصر السلاح يمثل اختباراً سياسياً كبيراً قبل أن يكون ملفاً أمنياً. ويقول إن العراق يمتلك اليوم فرصة نادرة لإعادة تنظيم المشهد الأمني بشكل ينسجم مع متطلبات الدولة الحديثة، خصوصاً بعد إعلان عدد من القوى والفصائل استعدادها للاندماج ضمن المؤسسات الرسمية.

ويضيف أن أهمية المشروع لا تتعلق فقط بمنع استخدام السلاح خارج إطار الدولة، بل بإنتاج بيئة سياسية جديدة تجعل القرار الأمني والعسكري مركزياً وغير خاضع للتجاذبات الحزبية أو الإقليمية.

 

ويتابع "كلما نجحت بغداد في توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، ازدادت قدرتها على تحييد نفسها عن الصراع الأميركي - الإيراني، لأن الأطراف الخارجية تتعامل عادة مع الدول القادرة على فرض سيادتها بصورة مختلفة عن الدول التي تعاني تعدد مراكز النفوذ".

لكن الكناني يحذر في الوقت نفسه من أن تحقيق الأهداف النهائية للمشروع يحتاج إلى توافق سياسي طويل الأمد، وإلى استمرار الدعم الشعبي والمرجعي له، فضلاً عن توفير حلول عملية للملفات الإدارية والتنظيمية المرتبطة بعمليات الدمج وإعادة الهيكلة.

تحديات التنفيذ

وعلى رغم أجواء الدعم السياسي الواسعة، فإن الطريق أمام المشروع لا يخلو من التحديات، فملف دمج التشكيلات المسلحة يتطلب معالجة ملفات معقدة تتعلق بالهيكلية والقيادة والتسليح والتمويل والعقيدة العسكرية، إضافة إلى أن نجاح المشروع يعتمد على استمرار التوافق بين القوى السياسية المختلفة وعدم تحوله إلى مادة للصراع الانتخابي أو الخلافات الداخلية.

ويؤكد مسؤولون عراقيون أن الهدف لا يتمثل في إلغاء التضحيات التي قدمتها التشكيلات المسلحة خلال الحرب ضد التنظيم المنهزم في العراق وسوريا "داعش" الإرهابي، بل في تنظيمها ضمن أطر الدولة وتعزيز مهنيتها ومؤسساتيتها.

بين السيادة والاستقرار

على مدى سنوات طويلة، كان العراق يدفع أثماناً باهظة نتيجة موقعه الجغرافي الحساس وتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية على أراضيه. ومع كل أزمة بين واشنطن وطهران، كانت المخاوف تتجدد من احتمال تحول البلاد إلى ساحة مواجهة أو منصة لتبادل الرسائل العسكرية.

اليوم، يبدو أن مشروع حصر السلاح بيد الدولة يمثل محاولة عراقية جادة للخروج من هذه الدائرة، عبر بناء منظومة أمنية موحدة تحت سلطة الدولة وقرارها الدستوري.

وعلى رغم أن هذا المسار لن يضع حداً بشكل كامل لتأثيرات الصراع الأميركي - الإيراني على العراق، فإن نجاحه قد يمنح بغداد هامشاً أكبر للمناورة السياسية والدبلوماسية، ويقلل من احتمالات جرها إلى مواجهات لا ترغب بها.

ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الدولة العراقية في تحويل التوافقات السياسية الحالية إلى واقع مؤسسي دائم، يجعل قرار الحرب والسلم عراقياً خالصاً، ويمنح البلاد فرصة تاريخية للانتقال من موقع ساحة الصراع إلى موقع الدولة القادرة على حماية سيادتها ومصالحها الوطنية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير