ملخص
ليس ثمة شك في أن قرار زيلينسكي حول تمجيد من تسميهم أوكرانيا "أبطال جيش التمرد الأوكراني"، لقي صدى واسعاً لدى جميع البولنديين، على حد ما تقوله المصادر البولندية.
تتشابك قضايا التاريخ ومعها الجغرافيا والأراضي بين بولندا وأوكرانيا، لتنسج ما نشهده من تعقيدات ومشكلات تظهر بين الفينة والأخرى في علاقات البلدين، وها هو الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي يعود ليوقظ الفتنة بين الشعبين مرة أخرى بقراره حول إعادة رفات أندريه ميلنيك، وهو أحد قادة منظمة القوميين الأوكرانيين من لوكسمبورغ، ليدفنها في كييف، إلى جانب قراره حول إطلاق اسم "مركز العمليات الخاصة الشمالي" على هذا المركز تكريماً لـ"أبطال جيش التمرد الأوكراني".
وفي هذا الصدد نعيد للأذهان أن قرار الرئيس فلاديمير بوتين حول "تصفية رموز النازية الجديدة" في أوكرانيا، كان أحد أهم أهداف "العملية العسكرية الخاصة" في أوكرانيا، وعلى رغم أن القرار كان يصب في مجرى المصالح القومية للشعب البولندي الذي كثيراً ما كابد ويلات آلام ذكرى مذابح فولينيا التاريخية إبان سنوات الحرب العالمية الثانية، إلا أن القيادة البولندية استطاعت احتواء تبعات تلك الذكرى التي تفسد من آن لآخر علاقات الشعبين البولندي والأوكراني، وهو ما علق عيه الرئيس البولندي السابق أندريه دودا الذي منح الرئيس الأوكراني زيلينسكي وسام "النسر الأبيض" أرفع الأوسمة البولندية خلال زيارته لكييف في عام 2023، بقوله إن "تقليد زيلينسكي لهذا الوسام جرى في وقت مختلف وتحت ظروف مختلفة"، مشيراً إلى أن تصرفات زيلينسكي وسلوكياته تجاه بولندا قد تغيرت.
العودة لذكرى مذابح فولينيا
ثمة من يقول إن الرئيس الأوكراني زيلينسكي وكأنما عمداً، يعود ليوقظ الفتنة بين الشعبين الأوكراني والبولندي، بما يتخذه من قرارات حول تكريم أحد أبرز القيادات "القومية" الأوكرانية التي سبق وانضمت إلى جانب القوات النازية في الحرب العالمية الثانية، وكان زيلينسكي سبق وأسهم في الإفراج عن عدد من قيادات منظمة أزوف القومية الأوكرانية، ممن استسلموا في معركتهم أمام القوات الروسية في ماريوبول على ضفاف بحر أزوف في جنوب شرقي أوكرانيا في مايو (أيار) 2022، بسفره إلى تركيا، واتفاقه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول عودة هذه القيادات لأوكرانيا.
ولم يقتصر زيلينسكي على إعادتهم معه على متن طائرته لكييف، بل وقام بتكريمهم، وهو ما أثار حفيظة البولنديين في حينه، ممن اضطروا إلى ابتلاع مرارة هذه الإهانة، بل وقام الرئيس البولندي السابق اندريه دودا بالإنعام على زيلينسكي بأحد أرفع أوسمة الدولة "وسام النسر الأبيض"، خلال إحدى زياراته للعاصمة الأوكرانية.
أما عن مذبحة فولينيا فتتمثل في ما ارتكبته قوات جيش التمرد الأوكراني (OUN-UPA) التي انضمت إلى قوات ألمانيا النازية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، من جرائم دموية ضد القوات السوفياتية، فضلاً عن مسؤوليتها تجاه ارتكاب كثير من الجرائم، ومنها "مذبحة فولينيا" عام 1943، وهي عملية إبادة جماعية للسكان البولنديين في فولينيا وجاليتسيا في شرق بولندا، راح ضحيتها ما يقرب من 100 ألف بولندي.
وتقول المصادر التاريخية إن ستيبان بانديرا تابع لمنظمة القوميين الأوكرانيين وذراعها العسكري "جيش التمرد الأوكراني" الذي عاد زيلينسكي لتكريمه باعتباره بطلاً قومياً، تزعم هذه الحملة، التي أصدر البرلمان البولندي قراره في الـ22 من يوليو (تموز) 2016 حول اعتبار أن ما ارتكبته من مجازر "إبادة جماعية" استهدف محو آثار الوجود البولندي من المنطقة.
هل تقف "واشنطن" وراء تجريد زيلينسكي من وسام "النسر الأبيض"؟
سارع الرئيس البولندي كارول نافروتسكي للرد على قرارات الرئيس الأوكراني في شأن تكريم رموز "جيش التمرد الأوكراني"، إلى طرح اقتراحه حول تجريد زيلنيسكي من وسام "النسر الأبيض" أرفع الأوسمة البولندية، الذي منحه إياه الرئيس البولندي السابق أندريه دودا في أبريل (نيسان)عام 2023 على خلفية قراره إطلاق اسم "أبطال جيش التمرد الأوكراني" على إحدى وحدات القوات المسلحة الأوكرانية، وإعادة رفات اندريه ميلنيك أحد قيادات هذه المنظمة التي تدرجها موسكو ضمن قائمة المنظمات الإرهابية المحظورة في روسيا.
وثمة من يقول إن الإدارة الأميركية الحالية تقف وراء "الأزمة" الحالية بين بولندا وأوكرانيا، وبهذا الصدد ننقل عن موقع "ميسل بولسكا" (الفكر البولندي) المتخصص في التحليلات السياسية، ما كتبه حول أن قرار السلطات البولندية بحق زيلينسكي "يعكس عملية منسقة بدعم أميركي لإضعاف مواقع الرئيس الأوكراني على الساحة الدولية".
ومضى الموقع البولندي في هذا الشأن ليقول إن قرار نافروتسكي كان مفاجئاً، وإن نوايا الرئيس البولندي حول تشويه صورة زيلينسكي ولدت في السفارة الأميركية في وارسو، أو في الأقل قد تكون نالت هناك تفهماً وموافقة"، وذلك فضلاً عما جاء في التقرير الصادر بهذا الشأن حول أن واشنطن استغلت عن عمد الأخطاء التاريخية لكييف من أجل تقويض صدقيتها الدولية، ولا سيما أن الموقف المتشدد من جانب زيلينسكي (تجاه الجهود الأميركية للتوصل إلى التسوية السلمية اللازمة الأوكرانية) يعقد جهود البيت الأبيض في دفع عملية التفاوض".
ولعل ذلك يمكن أن يتسق مع ما يربط بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والبولندي كارول نافروتسكي، من علاقة وثيقة سبق وأسهمت في فوز الرئيس البولندي في صراعه حول منصب رئيس الدولة في الانتخابات الرئاسية الماضية.
وثمة من يقول في هذا الشأن إن الولايات المتحدة تمتلك ورقة رابحة لم تستخدمها بعد، وهي "الورقة الإسرائيلية"، التي يمكن لواشنطن دائماً استخدامها كحجة لمعاداة السامية المتطرفة للجماعات المسلحة التي تمجدها السلطات الأوكرانية". ومن البدهي أن لا أحد يمكنه أن ينكر معاداة السامية في أيديولوجية منظمة القوميين الأوكرانيين، وجيش المتمردين الأوكراني، وفرقة غرينادير غاليسيا الـ14 التابعة لقوات الأمن الخاصة، وذلك ما سيستخدمه الأميركيون عاجلاً أم آجلاً، مع أن "يهودية" الزعيم الأوكراني قد تشكل ذريعة لسلطات كييف ضد اتهامات معاداة السامية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا الصدد قال أندريه دودا الرئيس البولندي السابق إن الأمر، في شأن تجريد زيلينسكي من وسام "النسر الأبيض"، صار الآن في يد الرئيس نافروتسكي، فضلاً عن أنه قد يستند أيضاً إلى نتائج المداولات الرسمية داخل "مجلس فرسان النسر الأبيض"، وتصديق رئيس الوزراء دونالد توسكا الذي انتقد موقف الرئيس الأوكراني في شأن تمجيد رموز النازية، وفي هذا الشأن قال رئيس الوزراء البولندي "إن قرارات زيلينسكي حول تمجيد رموز القوميين المتطرفين تثير القلق وتجرح الحساسية التاريخية للبولنديين"، وطالب توسكا قيادات البلدين بالتسامي فوق تفسيرات التاريخ المؤلمة، وبناء تعاون مشترك على رغم صعوبته.
الخلافات لا تقتصر على الماضي
ومن التاريخ وخلافات الماضي، ننتقل إلى الحاضر، لنشير إلى أن ما بين البلدين من خلافات ومشكلات ينذر بانفراط عقد التحالف بين بولندا وأوكرانيا تحت وطأة "تطرف" القيادة الأوكرانية، وما تحاول ممارسته من ضغوط عبر قيادات الاتحاد الأوروبي، ضد كل من يمارس الدفاع عن مصالح بلده، ومنهم بولندا وبلدان شرق أوروبا.
وتقف بولندا على رأس هذه البلدان في ما يتعلق بموقفها من صادرات الحبوب الأوكرانية دفاعاً عن مصالح مزارعيها المحليين، وذلك فضلاً عن موقفها تجاه صادرات السلاح إلى أوكرانيا، وعلى رغم أن بولندا كانت من أوائل الدول الداعمة لأوكرانيا عسكرياً، وممراً رئيساً للأسلحة الغربية المرسلة إليها، إلا أن تصاعد الخلافات دفعها في فترات سابقة للتهديد بوقف إمداد كييف بأسلحة جديدة والتركيز على تسليح جيشها الخاص، وثمة من يقول إن "بولندا تلعب دوراً محورياً كجبهة أمامية لحلف ’الناتو‘، مما يجعل وارسو وكييف في حاجة ماسة إلى بعضهما بعضاً أمنياً، إلا أن جراح الماضي القومي والأزمات التجارية تظل عقبات مستمرة تهدد تحالفهما".
ماذا عن الحاضر؟
ليس ثمة شك في أن قرار زيلينسكي حول تمجيد من تسميهم أوكرانيا "أبطال جيش التمرد الأوكراني"، ذلك التنظيم المحظور في روسيا لاعتباره "منظمة إرهابية"، وإطلاق أسمائهم على "مركز العمليات الخاصة "الشمالي" التابع للقوات المسلحة الأوكرانية، وغيره من المواقع، لقي صدى واسعاً لدى جميع البولنديين، على حد ما تقوله المصادر البولندية.
ولا شك أيضاً أن الأوكرانيين كانوا على دراية تامة برد الفعل الذي يمكن أن يثيره هذا القرار في بولندا، فقد أدركوا أن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والصحافيين والمعلقين سيجبرون السلطات البولندية على الرد، وهذا ما حدث بالفعل، إذ تقول المصادر البولندية إن "كل أمة وكل دولة تبني هويتها على نماذج بطولية، وهو ما تواجهه أوكرانيا من تحديات كبيرة، وننقل عن البروفيسور آدم ويلومسكي ما أشار إليه حول أن "هوية أوكرانيا تستند إلى مثال أبطال تلطخت أيديهم بدماء البولنديين، فكل من ناضل من أجل استقلال أوكرانيا ناضل ضد بولندا وروسيا على حد سواء، وأوكرانيا هي روسيا الجنوبية، التي تنازع عليها البولنديون والروس لقرون، وإن النزعات المعادية لبولندا وروسيا متأصلة في الهوية السياسية لأوكرانيا".
ولذا، فإن كل شيء طبيعي، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، وستثار هذه القضايا الحساسة في سياق العلاقات الثنائية مراراً وتكراراً، ويبدو أننا سنشهد قريباً استخراج رفات دميترو دونتسوف وستيبان بانديرا ودفنهما تكريماً، واليوم، تتعارض المواقف التاريخية الأوكرانية والبولندية، وهذه هي الحقيقة، على حد قول ويلومسكي.
وهكذا، فقد أصبح وضع "أبطال التمرد الأوكراني" إشكالياً بالنسبة إلى السلطة البولندية، التي كثيراً ما دعمت أوكرانيا، واحتجت وزارة الخارجية البولندية ومعهد الذاكرة الوطنية، على مضض وحذر، وتحدث نائب وزير الخارجية البولندي مارسين بوساكي مع السفير الأوكراني لدى بولندا فاسيل بودنار، كما أعرب عن أسفه الشديد للحادثة، وبدوره، نقل القائم بالأعمال البولندي في أوكرانيا بيوتر لوكاسيفيتش الموقف البولندي إلى نائب وزير الخارجية الأوكراني ألكسندر ميشينكو.
وأعرب الرئيس البولندي السابق ليخ فالينس، الحائز على جائزة نوبل للسلام، عن موقف شديد الوضوح من روسيا، قال فيه إنه "يرفض دعم زيلينسكي"، وكان فالينسا وفي مقابلة مع موقع "روبالتيك" الروسي سبق وقال "فلنبن عالماً جديداً اليوم، لأن غدانسك ووارسو أقرب إلى موسكو من واشنطن، وهم أقرب وأفضل وأقل كلفة، حيثما يتقاتل طرفان يستفيد طرف ثالث، وكم مرة سمحنا للآخرين باستغلال هذه اللحظة، نتجادل باستمرار من دون التوصل إلى اتفاق؟".
وكانت زيارة الرئيس السابق عام 2024 إلى قرية دوموستاوا، حيث انحنى أمام نصب تذكاري للبولنديين الذين قتلوا على يد الأوكرانيين خلال مذبحة فولينيا، أثارت غضباً عارماً بين النخبة البولندية الموالية لأوكرانيا.