Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استلهام فارسي عريق لحكاية عربية قبل عهد الانغلاق

"مجنون ليلى"... لكل أمة عاشقها المجنون وحسناؤها الضحية والفنون البديعة تنبثق كما رمزية الحب الإلهي

من رسوم منمنمات تعبر عن حكاية "مجنون ليلى" (موسوعة المنمنات الفارسية)

ملخص

يقول الباحثون إن الشاعران الفارسيان نظامي وجامعي اشتغلا على حكاية "مجنون ليلى" ، من ناحية الأحداث، ولكن ثمة فارقاً كبيراً بين عمل الأول وعمل الثاني، ذلك أن نظامي أعاد صوغ الحكاية كما هي، أي أنه ركز على أحداثها الظاهرة، وبعدها العاطفي أما جامعي فإنه استخدم الحكاية في صورة رمزية خالصة

حكاية "ليلى والمجنون" في الأصل حكاية عربية، تنتمي من دون ريب إلى عصور ما قبل الإسلام، حتى وإن كان ثمة تخمينات وفرضيات تقول إنه أعيد الاشتغال عليها شعرياً ورواية، حتى من بعد ظهور الإسلام. وهذه نظرية يدعمها طه حسين، في كتابه الشهير والمثير للجدل "في الشعر الجاهلي".

الحكاية بالتأكيد عربية، إذاً، ولكن من الواضح في الوقت نفسه أن شعوباً أخرى وكتاباً آخرين من غير العرب قد اشتغلوا عليها وطوروها وحولوها إلى أجزاء من تراثهم الأدبي والعاطفي - وربما أكثر من هذا أيضاً - طوال القرون التي تلت ظهورها في المحيط العربي، في معنى أن مصيرها في هذا السياق يكاد يشابه مصير "ألف ليلة وليلة"، التي ولدت في شكلها الجامع عربياً، ثم انتشرت في العالم كله، إلى درجة أن أصحابها العرب بالكاد يعرفونها أو يتعرفون إليها، هذا إذا لم يطلع من بينهم من يرفضها ويحرقها.

إعادة اعتبار

صحيح أن حكاية "مجنون ليلى" أو "ليلى والمجنون" أعيد لها الاعتبار عربياً في القرن الـ20، فحولت، مثلاً، إلى مغناة رائعة لحنها وغناها محمد عبدالوهاب وأسمهان، في صيغة اشتغل عليها أحمد شوقي، مازجاً أشعاراً حديثة بالأشعار القديمة المنسوبة إلى قيس بن الملوح المعروف بـ"المجنون"، كما حولت إلى مسرحيات وأفلام سينمائية كان منها فيلم بديع للتونسي الطيب الوحيشي، إضافة إلى استلهامها في أعمال أدبية حديثة عدة، ولكن في المقابل، ظل الإهمال من نصيب هذا العمل القديم المميز في العالم المعرفي، في وقت كان العالم كله يستلهمه أو يؤممه أو يصيغ على منواله أعمالاً تقترب منه أو تدنو بحسب الظروف وبحسب الثقافات.

ومن هنا مثلاً، نجد مخرجاً أرمينياً جورجياً مثل بارادجانوف يحقق أكثر من فيلم تلوح من خلاله الحكاية نفسها: "عاشق غريب" مثلاً، وذلك بعد مئات السنين من كتابة شكسبير رائعته "روميو وجولييت" التي يبدو أنها كانت مستوحاة من عمل إيطالي عرف شيئاً عن حكاية ليلى ومجنونها، بل إننا لو تبحرنا في آداب شعوب عدة، لن يفوتنا أن نرى الحكاية نفسها تتكرر، لا سيما في مناطق وسط آسيا التي نعرف أنها تأثرت كثيراً بالحضارة العربية وأثرت فيها.

مبدعان من بلد واحد

وفي هذا السياق، تحديداً، يكون لافتاً أن نذكر أن الثقافة الفارسية، بالتحديد، وعلى قلم ولسان بعض كبار شعرائها وكتابها، كانت من أكثر ثقافات العالم اهتماماً بهذه الحكاية، شعراً ورواية و... رسماً حتى، إلى درجة يمكن معها القول إن فارس كانت هي، لا الثقافة العربية، المكان الذي حفظ الحكاية على مر العصور، ومن دون إنكار لأصولها العربية على أية حال.

وإذ نذكر فارس وثقافتها في هذا المجال يصبح لا بد لنا من أن نتوقف عند اثنين من كبار الشعراء الفرس اهتماماً بحكاية "ليلى والمجنون"، واشتغلا عليها، وهما نظامي وجامعي.

الأول خلال القرن الـ12، والثاني خلال القرن الـ15 الميلاديين، كما يصبح لا بد لنا من التوقف عند عدد من كبار رسامي المنمنمات الفارسية من الذين وقبل أن تأتي ثورة الخميني لتنسف كل ذلك التراث، بحسب ما توحي الكاتبة الايرانية المعارضة آزار نفيسي في كتابها المرموق "أشياء كنت ساكتة عنها"، أنفقوا وقتاً وجهداً كبيرين لتحقيق رسوم رائعة تصور بعض فصول الحكاية، ومن أبرزهم آغا ميراك ومير سيد علي وميرزا علي والشيخ محمد. وإن بقيت رسوم آغا ميراك هي الأجمل، إذ ارتبطت بالصيغة التي كتبها نظامي للحكاية.

بعد عاطفي

يقول الباحثون إن نظامي وجامعي اشتغلا على الحكاية نفسها، من ناحية الأحداث، ولكن ثمة فارقاً كبيراً بين عمل الأول وعمل الثاني، ذلك أن نظامي المتوفى في عام 1202 أعاد صوغ الحكاية كما هي، أي أنه ركز على أحداثها الظاهرة، وبعدها العاطفي واقفاً مع حق الإنسان في الحب، مديناً الأهل الذين سعوا كل جهودهم كي يحولوا دون تحقق اللقاء بين الحبيبين.

أما جامعي فإنه استخدم الحكاية في صورة رمزية خالصة، كي يتحدث من خلالها عن "الحب الإلهي" بصيغة صوفية، إذ إن العاشقين يمثلان هنا بالنسبة إليه ذلك الحب السامي الذي تتفانى من خلاله الروح لكي تذوب في الذات العليا.

والحال أن هذين البعدين المختلفين اللذين أسبغا على الحكاية نفسها في الثقافة الفارسية، إنما يعبران خير تعبير عن المزاج العام الذي كان يعتمل في فارس كل حقبة من الحقبتين اللتين عاش في أولاهما نظامي فيما عاش جامعي في ثانيتهما. ففي عصر نظامي كان شيء من الفكر المادي الدنيوي يسيطر، أيام ازدهار الأوضاع الاقتصادية وبدء ظهور النزعات الإنسانية، وصولاً إلى انتشار الدعوات الواقعية التي تتعاطى مع شؤون الحياة الدنيا. أما في عصر جامعي فكان ثمة نكوص في اتجاه الغيبيات والصوفية كرد على ما انتاب الأمة من تفكك وعلى ذلك الغرق السابق في الشهوات والدنيويات.

نظامي والأصل العربي

وإذا كان العملان قد لاقيا رواجاً واستحساناً لدى أجيال متعاقبة من القراء في بلاد الشرق، فإن ما يجب لفت النظر إليه هنا، هو أن التعامل العام معهما كان واحداً، إذ إن البعد الصوفي السماوي لقصيدة جامعي، ظل بعيداً من تفسير القراء العاديين. ومن هنا تم التعامل معها دائماً - من منطلق شعبي - كتطوير لغوي لا أكثر لقصيدة نظامي، ذلك أن لغة الشعر كانت تطورت حقاً خلال الـ200 عام التي تفصل بين زمن الأول وزمن الثاني.

ومع ذلك لن يغيب عن بالنا هنا أن القصيدة التي كتبها نظامي حظيت دائماً بشهرة أكبر، وبقبول أعم لدى القراء الفرس. ونظامي اكتفى، كما أشرنا، بصوغ الحكاية كما هي في التراث العربي القديم: الشاعر "الجاهلي" قيس بن الملوح، الذي سيلقب لاحقاً بـ"المجنون"، يعيش حباً رائعاً مع حبيبته البدوية مثله، ليلى... وهو هنا، عند نظامي، ابن ملك من ملوك الجزيرة العربية، لكن انتماءه الملكي لم يسهل عليه الحصول على يدها، ذلك أن أهل ليلى كانوا يعيشون عداوة حادة مع أهل قيس، لذلك يرفضون تزويجه ابنتهم، فيجن قيس ويشعر بإحباط وألم شديدين، يدفعانه إلى محاولة اختطاف ليلى بالقوة، غير أن محاولته تفشل، فلا يكون أمامه - كما حال الشنفرى وغيره من الشعراء الهامشيين الصعاليك - إلا أن يتوجه إلى الصحراء ليعيش فيها وحيداً مع حيواناتها الضارية التي ستكون أكثر حنواً عليه من البشر، ومع مناخاتها المتقلبة التي سيمكنه احتمالها أكثر من احتماله غلاظة البشر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ليلى تتزوج

في تلك الأثناء، تكون ليلى تزوجت من شخص آخر، غير أنها أبداً لم تنس حبها لقيس، بل أنه صار يحدث لها بين الحين والآخر أن تهرب سراً إلى الصحراء حيث توافي حبيبها في وحدته ووحشته، ولاحقاً حين يموت زوجها توافيه في الصحراء لتتحد حياتها بحياته نهائياً، ويتزوجان هناك بالعقل، لكن ليلى سرعان ما تموت فلا يكون منه، إلا أن يلحق بها إلى القبر حيث يوحد الموت والشجن بينهما، كما ستكون حال روميو وجولييت بعد ذلك بقرون عدة. قصيدة نظامي هذه تعتبر، إذاً، من عيون الأدب الفارسي، ولكن في الوقت نفسه لا تقل عنها أهمية تلك الرسوم الرائعة التي أعطت فن المنمنمات الفارسية ألقه وجماله عبر العصور، ولا تزال محفوظة حتى يومنا هذا، كدليل حي، على ارتباط فن الرسم بالفنون الأدبية في حضارة إسلامية، ليس بالضرورة العربية التي كثيراً ما اعترض بعض غلاة مفكريها المحافظين على أن تشمل إبداعاتها رسم الأشخاص، ومع هذا لم تخل بدورها من رسوم عرفت طريقها إلى العيون والعقول، وحفظت عبر التاريخ، حتى من دون أن تصل إلى روعة إبداعات رسوم المنمنمات الفارسية، والمغولية التي لا شك في أن العدد الأكبر منها يمكن اعتباره دائماً تحفاً فنية تضاهي أروع ما أنتجته الإنسانية من لوحات غرامية رومنطيقية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة