ملخص
تمكن العملات المشفرة من تسلم الحوالات المالية من الأصدقاء والأقارب العاملين في الخارج بعيداً من الأنظمة المصرفية التقليدية. وانتشرت أنظمة العملات المشفرة الرقمية بصورة كبيرة في المعاملات التجارية العابرة للحدود بين الشركات في نيجيريا وجنوب أفريقيا، وهما أكبر سوقين للعملات المشفرة في القارة السمراء التي تواجه كثيراً من الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
أنشأت روسيا عملة رقمية في عديد من الدول الأفريقية في مسعى للالتفاف على العقوبات المصرفية الدولية المفروضة عليها منذ هجومها على أوكرانيا في الـ24 من فبراير (شباط) 2022.
وبدأت دول مثل نيجيريا وزيمبابوي في استخدام "أي 7"، وهي العملة الرقمية المرتبطة بالروبل (العملة الروسية)، وأطلقتها روسيا قبل أيام، في وقت تستعد فيه لتوسيعها لتشمل توغو ودولاً أخرى تزامناً مع نجاح موسكو في توسيع نفوذها العسكري والاقتصادي في القارة السمراء الغنية بثرواتها.
وتحاول روسيا في استغلال هذا المعطى إلى جانب ميل الدول الأفريقية للرهان على العملات الرقمية، إذ أفاد تقرير صادر عن شركة "تشينالسيس" المتخصصة في هذا الشأن، بأن المعاملات التي أجريت بالعملات المشفرة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى قفزت بنسبة 52 في المئة بين عامي 2024 و2025، أي ما يتجاوز ضعف القفزة التي بلغت 24 في المئة بين عامي 2023 و2024.
قنوات مالية بديلة
وتمكن العملات المشفرة من تسلم الحوالات المالية من الأصدقاء والأقارب العاملين في الخارج بعيداً من الأنظمة المصرفية التقليدية. وانتشرت أنظمة العملات المشفرة الرقمية بصورة كبيرة في المعاملات التجارية العابرة للحدود بين الشركات في نيجيريا وجنوب أفريقيا، وهما أكبر سوقين للعملات المشفرة في القارة السمراء التي تواجه كثيراً من الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
وتكتمل قائمة أفضل خمس أسواق للعملات المشفرة في أفريقيا بإثيوبيا وكينيا وغانا، وكلها دول شهدت علاقتها بروسيا تقارباً لافتاً في الآونة الأخيرة.
وعد الباحث السياسي الروسي ديمتري بريدجيه أن الموضوع لا يتعلق فقط بعملة رقمية، بل "بمحاولة روسية لخلق ممر مالي بديل بعيداً من العقوبات الغربية، وهدفها الرئيس من ذلك تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي، وتجاوز هشاشة نظام (سويفت)، وربط جزء من منظومة التجارة مع أفريقيا بتسويات مرتبطة بالروبل أو بعملات رقمية لها علاقة به"، وتابع بريدجيه لـ"اندبندنت عربية"، "لذلك المسألة ليست تقنية فحسب بل جيوسياسية بامتياز لأن روسيا تحاول بناء قنوات مالية بديلة ومقاومة للعقوبات الغربية" التي فرضت في أعقاب الهجوم على أوكرانيا عام 2022، والتي تستهدف رجال أعمال ومجالات اقتصادية حساسة وتبادلات مالية"، وأضاف "في اعتقادي، هذه الخطوة تجعل تنفيذ العقوبات أكثر تعقيداً وكلفة، لكنها لا تلغيها تماماً لأن أي عملة رقمية تحتاج إلى نقاط دخول وخروج ومنصات وشركات ومحافظ رقمية وشركاء محليين وسيولة، وهذا كله يمكن مراقبته وإدراجه ضمن العقوبات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
توسع محتمل
ونجحت روسيا في السنوات الأخيرة في تطوير نفوذها في أفريقيا بصورة غير مسبوقة بعد موجة من الانقلابات العسكرية التي عرفتها دول مثل النيجر وبوركينا فاسو ومالي، وهي دول استعانت بدعم أمني من موسكو في محاولة لاستعادة الأمن والاستقرار في أعقاب طرد القوات الفرنسية.
ومع تزايد حضورها العسكري والاقتصادي، تحتاج روسيا إلى ملاذات مالية آمنة بعيداً من العقوبات الدولية المفروضة عليها.
في سياق متصل، قال الباحث السياسي في الشؤون الأفريقية محمد أوال "بالفعل، خطوة روسيا المثيرة للجدل بالتوجه إلى العملات الرقمية تثير أكثر من تساؤلات بخصوص قدرتها على تجاوز العقوبات الغربية، وهو أمر صعب لأنه حتى هذه العملات ينبغي أن تمر بقنوات مراقبة، مما يعني أن فرص نجاحها ضئيلة"، وأوضح أوال في تصريح خاص أنه "مع ذلك، تبدو روسيا مصممة على توسيع الاعتماد على العملات الرقمية، بخاصة (أي 7)، حيث زار مسؤولون ماليون روس سراً مدغشقر، بحسب تقارير إعلامية أفريقية، بهدف مناقشة الأمر تزامناً مع وصول أول دفعة من قوات الفيلق الأفريقي، مما يعني أن موسكو تحاول فرض هذا الخيار على الدول الأفريقية التي تستعين بدعم عسكري روسي"، وأبرز أنه "مع ذلك، مهمة روسيا لن تكون سهلة، إذ عليها الاعتماد على وكلاء محليين قادرين على فتح شركات لهذه العملات الرقمية ما قد يعرض هؤلاء والأشخاص المتعاملين معهم لعقوبات".
تأثير مزدوج وأخطار
والسؤال الذي يخامر المتابعين والدوائر السياسية في أفريقيا الآن يتمحور حول تأثير الرهان الروسي على العملات الرقمية على الداخل الأفريقي نفسه، لا سيما في ظل العقبات التي تواجهها الاقتصادات المحلية في القارة السمراء.
ورأى ديمتري بريدجيه أن "أفريقيا تشهد تأثيراً مزدوجاً للجوء موسكو للعملات الرقمية، فبعض الدول ترى أنها تشكل فرصة لتقليص الاعتماد على الدولار وفتح قنوات مع روسيا للتعويل عليها في مجالات مثل السلاح والحبوب والطاقة وخدمات أخرى"، واستدرك بريدجيه بالقول "لكن الأخطار التي تواجهها القارة أيضاً كبيرة، إذ قد تتعرض لعقوبات أميركية، واتهامات بغسل الأموال، وتجاهل معايير الشفافية، وربط جزء من السياسة المالية بروسيا، مما يجعل الأمن القومي لهذه الدول رهينة لقرارات وخيارات موسكو"، وختم بأن "روسيا لا تبحث فقط عن مجرد الاعتماد على عملة رقمية، بل بإنشاء منطقة رمادية تسمح لها بالتحرك تحت ضغط العقوبات، وهي خطوة قد تمنحها مرونة تكتيكية، لكنها لا تتيح لها حصانة استراتيجية".