Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"إمبراطورية نادية" تختبر أعطاب البرجوازية المصرية

سامية محرز تعتمد السرد المفتوح لتروي الصراع بين الخادمات والسلطة المجتمعية

الكاتبة سامية محرز مع أعمالها الفنية (اندبندنت عربية)

ملخص

تدخل الناقدة الأكاديمية المصرية سامية محرز للمرة الأولى عالم السرد مع روايتها "إمبراطورية نادية". وقد شاءت أن تكتبها بالعربية، هي المعروفة بكونها تكتب بالإنجليزية. وقد اعتمدت لعبة السرد المفتوح والتناصص الروائي.

 تخوض الأكاديمية المصرية والناقدة المعروفة سامية محرز أكثر من اختبار في روايتها الأولى "إمبراطورية نادية" التي صدرت حديثاً عن "دار الشروق" في القاهرة.

الاختبار الأول يخص قدرتها على كتابة رواية بالشروط الفنية التي تضعها لغيرها، وهي الناقدة المتميزة. أما الاختبار الثاني، فيرتبط بالإصرار على كتابة رواية باللغة العربية مباشرة، علماً أنها لم تعمد إلى الكتابة بالعربية سوى مرة وحيدة في كتابها عن جدها لأمها، الشاعر إبراهيم ناجي الذي صدر تحت عنوان "زيارة حميمة تأخرت كثيراً"، ونال نجاحاً كبيراً.

والاختبار الثالث يبدو فنياً إلى حد كبير، ويتعلق برغبتها في أن تصبح حياتها الشخصية مادة خاماً لعملها الروائي الأول، من دون أن تتورط في كتابة تقوم على السيرة بما تتطلبه من تعقيدات. لكنها على رغم ذلك، تكتب روايتها من المسافة صفر، وتحول حياتها إلى لعبة سردية لا تخلو من طرافة، وتُلبس أفراد عائلتها أقنعة روائية لتدمجهم في اللعبة بأدوارهم الأسرية المعروفة.

تنطلق الرواية من ورطة تعيشها الدكتورة نادية، الأستاذة الجامعية في الأدب، بعدما عادت ذات نهار لمنزلها قبل موعدها بساعات، لتجد نرجس، مساعدتها المنزلية التي عاشت معها أعواماً طويلة، قد ارتكبت خطأ جسيماً يتمثل في السماح لابنتها المراهقة "فاطمة" بالاستحمام في حمام غرفة نوم ربة البيت أثناء غيابها، فضلاً عن استعمال "برنس" الحمام الخاص بزوجها، والأهم استعمال علب كريم الشعر المرتفعة الثمن وأنابيب الشامبو المستوردة، وكذلك الاستماع إلى الموسيقى بصوت عالٍ داخل المبنى السكني الذي يقع في حي الزمالك، ويقطنه طلاب وأساتذة في الجامعة الأجنبية المرموقة. وهذا ما يذكر بما فعلت كلير وصولانج عند غياب السيدة، في مسرحية "الخادمتان" للكاتب الفرنسي جان جينيه، .

نتيجة لهذا الخطأ تُطرد نرجس من عملها بعد مواجهة علنية مع سيدتها التي عنفتها أمام الجميع ولم تقبل اعتذارها. وعليها أن تبدأ رحلتها في البحث عن مساعدة منزلية جديدة تؤدي الأدوار التي كانت تؤديها نرجس بجدارة. نتعرف إليها في سياق السرد الذي تصفه الساردة بانفتاح مغارة علي بابا، على مصراعيها.

وفجأة تمتلئ حياة نادية بكم هائل من الناس والمشكلات، فتكتشف أن نرجس كانت درعاً يحول بينها وذلك العالم العجيب ممن تصفهم بـ"المعذبين في الأرض".

تحمل فصول الرواية أسماء من التحقوا بالعمل مع نادية التي تمارس عملها الأكاديمي بشغف تتشاركه مع زوجها المستعرب الفرنسي فيليب الذي يتحدث باللهجة المصرية بطلاقة، ومع ابنها سيف الذي كوَّن جدارية من الذكريات مع كل من مروا بتجربة العمل في المنزل من أمثال ميلي ونشوى وروزالينا وبسمة ومنال وحسن وجون.

ولد سيف في المبنى الذي شهد طفولته وظل فيه إلى أن تخرج في الجامعة، لذلك كان أكثر من عانى بعد رحيل نرجس وميلي بعدها، وشكل رحيلهما ألماً حقيقياً تحمله بصمت.

ينفتح النص على شبكة من العلاقات الإنسانية الشديدة الألفة والحميمية والطرافة، على رغم ما تنطوي عليه من تناقضات. فهناك علاقات ظلت حاضرة وفيها مقدار كبير من السماحة والقبول الإنساني غير المشروط. واضطرت نادية، بعدما ذاقت مرارة فقدان نرجس إلى تقبل الضعف الإنساني والقبول بالحجج والأعذار التي تبرر ضعف الأداء وتدفعها إلى التدخل دائماً للمساعدة في حل أزمات من يعملون معها وتدبير شؤونهم.

رسائل وأزمات

بدأت محرز كتابة روايتها بالإنجليزية أولاً، ثم قررت التخلي عنها وانحازت إلى الكتابة باللغة العربية لتتمكن من تصوير شخصياتها، وكذلك التعبير عن العوالم التي تعيشها، بلغة مستمدة من الحياة اليومية ومفارقاتها. فهي تستعين بالأدب على الحياة وتستعين بالحياة على الأدب. والأهم من ذلك أنها لا ترغب في كتابة رواية تجريبية تنفصل عن هموم الحياة. لذلك لم تخلُ الرواية من "رسائل" يسهل تمريرها في متن النص، المشغول كذلك بتأمل التحولات المجتمعية وما ينجم عنها من تصدعات في البناء الاجتماعي، لا تنتج سوى علاقات تقوم على القهر والتراتب.

تتيح الرواية أمام القارئ مساحات مهمة للتعرف إلى واقع المرأة المعيلة في مصر، وما تعانيه من صور العنف الأسري. وتشير إلى شيوع نمط من التدين الزائف يبرر "الهيمنة الذكورية"، وكافة أنواع التحايل على الواقع المأزوم الحافل بكثير من القصص الكابوسية.

في سياق خطاباتها الصريحة والمضمرة، تشير الرواية إلى ما فجرته الصراعات الإقليمية والدولية الأخيرة من أزمات أدت إلى شيوع الهجرة واللجوء والمنافي القسرية. فمعظم الحكايات التي تسردها نادية عمن وفدوا للخدمة في بيتها، ليست إلا تمثيلاً لتلك المآسي الناتجة من تفشي الحروب والنزاعات. لذلك تلح الرواية على وجود أنماط من التعدد اللغوي داخل بيت العائلة الذي يضم عاملات وعمالاً من جنسيات مختلفة. وتقوده زوجة مصرية من أصول طبقية معروفة تعمل في جامعة أجنبية وتتحدث لغات عدة.

أما زوجها، فهو فرنسي الجنسية يتحدث العامية المصرية بطلاقة، ووسط هذه الغابة اللغوية لا يجد الابن حافزاً لتعلم اللغة العربية لأنه يتلقى تعليمه في مدرسة كولونيالية لا تعتني باللغة القومية. لكن وجود فاطمة ابنة نرجس داخل المنزل، وهي أكبر منه بنحو 10 سنوات، يساعده في تخطي هذا الحاجز وتعلم الحديث بلهجة مصرية واثقة.

من جهة أخرى تبرز الرواية ما يعيشه المثقف من تناقضات تكشف أحياناً عن زيف ما يروج له من شعارات عن العدالة الاجتماعية، أو المساواة وضرورة مواجهة أنواع التمييز والعنصرية كافة. ومنذ الصفحات الأولى يكتشف القارئ مأزق نادية، ابنة العائلة البرجوازية التي تضبط نفسها وهي تخون كل ما تخطب به في طلابها من أحاديث عن التكاتف الاجتماعي وحقوق الإنسان والمساواة. وتتعرى مبادئها بعد أن عاشت اليوم الذي تصفه بـ"اليوم الشؤم" الذي كشف عن تخبطها بين قناعاتها التقدمية وممارساتها الطبقية التي لم تخلُ من العنصرية أحياناً.

في الثلث الأخير من الرواية تسخر نادية بمرارة مما تسميه "سوق العبيد"، قاصدة الإشارة إلى مركز تابع للكنيسة يتولى مساعدة اللاجئين الأفارقة وتشغيلهم، واعتادت اللجوء إليه لطلب مساعدة منزلية تدفع راتبها بالعملة الأجنبية.

تنميط وعنصرية

تضبط الساردة نفسها أكثر من مرة وهي تعيد إنتاج خطاب طبقتها الاجتماعية بحمولاته العنصرية. وتتماهى أحياناً مع الصور التي اعتادت تفكيكها وهي تدرس مادة ما بعد الاستعمار. فهي تجلب مساعداً نوبياً للعمل في منزلها وتتذكر معه اللوحة التي تتصدر غلاف كتاب "الاستشراق" للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، وهي لوحة "ساحر الثعابين" للفنان الفرنسي جان ليون جيروم. وتتذكر لوحة مماثلة معلقة في غرفة نوم جاير أندرسون، صاحب المتحف الشهير الملاصق لمسجد ابن طولون في القاهرة. فهي صور جاهزة تقوم على تنميط العلاقات الإنسانية وحصرها في فضاء عنصري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتلجأ محرز إلى مجموعة من الأدوات السردية التي تعزز من المفارقات الساخرة، وتضفي على شخصياتها أحياناً أبعاداً كاريكاتيرية مستمدة من المبالغة الفنية المتعمدة في تقدير الأفعال الرئيسة، ومن بينها تقدير حجم الجرم الذي ارتكبته نرجس وقاد مسيرة السرد في الرواية، مما يساعد في تأكيد الوصف الذي يقدمه سيف لوالدته، فهي "راديو دراما" تصنع من كل حكاية تافهة كابوساً.

تتجلى أدوات أخرى تضمن المتعة في الألعاب السردية التي استخدمتها محرز بجدارة، ومن بينها لعبة "انفتاح النصوص" (تناصص)، إذ ظلت روايتها مشتبكة في أكثر من حوار مع نصوص شائعة في الأدبين العربي والعالمي، وكلها وثيقة الصلة بالموضوع الذي تعالجه الرواية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأول هذه النصوص نص "الخادمتان" للفرنسي جان جينيه، فالساردة نادية تشير صراحة إلى ولعها بالنص الذي يعرّي الطبقة البرجوازية والعلاقة المرضية بين الخادم والمخدوم. وتكشف للقارئ كيف أنها قامت بتمثيل النص ثم تدريسه، لكنها صارت تخجل من نفسها بعد أزمتها مع نرجس. وتتساءل هل أصبحت مثل تلك السيدة الكريهة التي تمقتها في النص المسرحي الشهير؟

كذلك تتفاعل الرواية مع نصوص أخرى من بينها رواية "ذات" لصنع الله إبراهيم، وتتماهى معها في إدارتها لحشد من الخادمات. وتحضر رواية "نادي السيارات" لعلاء الأسواني بعدما اضطرت إلى تشغيل شاب نوبي للعمل معها. وتذكرت وصف الأسواني الدقيق لطقوس مهنة السفرجي، من خلال شخصية "الكوو" أو القائد باللغة النوبية.

وتستعيد سامية محرز فقرات من "قاع المدينة" ليوسف إدريس، لتؤكد حضور القيم التي تؤمن بها. ويلح كثير من معاني النص على ذهن الساردة بعد زيارة قامت بها نادية مع صديقتها اللبنانية هيا وأولادهما، إلى بيت نشوى التي تعمل عندهما. لا يفارقها يوسف إدريس في تلك الزيارة، وكأنه من أتى بها إلى هذا العالم الذي يماثل ألبوماً من حيوات البائسين الذين همشتهم المدينة ويتحايلون على واقعهم بالحيلة. لذلك تستعير صوت إدريس وهو يقول "كيف وصلوا إلى هنا؟ كيف للمدينة أن تبطن هذا العالم الآخر؟".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة