ملخص
مجمل التحليلات تشير إلى أن الخطط الجديدة التي يطبقها ترمب ترسم تحولات جذرية في سياسة اللجوء الأميركية، التي كانت تاريخياً تقوم على استقبال الفارين من الحروب والاضطهاد بغض النظر عن العرق أو اللغة.
منذ عودته إلى البيت الأبيض في الـ20 من يناير (كانون الثاني) 2025، أوقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبول اللاجئين من أنحاء العالم بمن فيهم طالبو اللجوء من مناطق الحرب، وغيّر سياسات الهجرة جذرياً عبر مئات الأوامر التنفيذية. فلم يكتفِ بتشديد قيود اللجوء وتنفيذ عمليات ترحيل واسعة، ووقف المساعدات الحكومية لغير الحاصلين على إقامة، بل ألزم أخيراً الأجانب المقيمين في الولايات المتحدة بالتقدم للحصول على الإقامة الدائمة (الغرين كارد) من بلدانهم الأصلية. وعلى رغم أن مجمل التحليلات تشير إلى أن الخطط الجديدة التي يطبقها ترمب ترسم تحولات جذرية في سياسة اللجوء الأميركية، التي كانت تاريخياً تقوم على استقبال الفارين من الحروب والاضطهاد بغض النظر عن العرق أو اللغة، فإنه سمح بصورة استثنائية للأفريكانز Afrikaners (مجموعة عرقية مسيحية بيضاء من أصول أوروبية تعيش في جنوب أفريقيا) بطلب إعادة التوطين، مشدداً على أن الأولوية ستُعطى للأفريكانز الجنوب أفريقيين البيض و"ضحايا التمييز غير القانوني".
ووفقاً لمكتب السكان واللاجئين والهجرة (PRM)، فمنذ أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي جرى توطين أكثر من 5 آلاف لاجئ من الأفريكانز في الولايات المتحدة، على رغم أن سقف القبول في برنامج اللاجئين الأميركي المعلن جرى تحديده مبدئياً ليشمل 7500 لاجئ سنوياً فقط، وهو ما يشير إلى أن ترمب استغل بصورة حصرية تقريباً برنامج قبول اللاجئين في الولايات المتحدة، الذي تأسس رسمياً في عام 1980، بعد فرار مئات الآلاف من الحروب في فيتنام وكمبوديا وتوسع ليشمل توفير ملاذ آمن للمضطهدين في أنحاء العالم، لجلب البيض من جنوب أفريقيا وذلك بعد أن ألغى المساعدات إليها، وأمر بطرد سفيرها، عقب مزاعم التمييز العنصري التي تتعرض لها الأقلية البيضاء هناك والتي تنفيها بريتوريا (عاصمة جنوب أفريقيا).
مستوطنون أوروبيون
تاريخياً، يعتبر الأفريكانز أحفاد المستوطنين الأوروبيين التي تعد غالبيتهم العظمى من الهولنديين، إلى جانب الفرنسيين والألمان، الذين وصلوا إلى "رأس الرجاء الصالح" في جنوب أفريقيا بدءاً من عام 1652 عبر شركة الهند الشرقية الهولندية. إلا أن ارتباطهم بأوروبا مع الوقت انقطع، حتى باتوا يعتبرون أنفسهم "أبناء الأرض الأفريقية" ليطلق عليهم اسم "البوير" (Boers) والتي تعني بالهولندية "المزارعين"، بل وأصبحت اللهجة الهولندية القديمة التي اختلطت وتطورت ببعض الكلمات من اللغات المحلية والإنجليزية التي يتحدثون بها، لغتهم "الأفريقانية". وتعد "الكنيسة الهولندية المصلحة" (Dutch Reformed Church) الطائفة الأساسية والأكبر لديهم، حيث لعبت تاريخياً دوراً كبيراً في تشكيل هويتهم القومية والدينية المحافظة التي تتبع المذهب الكالفيني (المسيحية البروتستانتية المحافظة). وعلى رغم أن عدد الأفريكانز في جنوب أفريقيا يراوح ما بين نحو 2.7 و3 ملايين نسمة، ولا يشكلون أكثر من خمسة في المئة فقط من إجمال سكان جنوب أفريقيا البالغ عددهم، وفق أحدث تقديرات منظمة "ورلدوميتر" وبيانات الأمم المتحدة، 65.4 مليون نسمة، إلا أنهم يمتلكون نسبة تراوح ما بين 60 و70 في المئة من الأراضي الزراعية التجارية في البلاد، مما يثير حفيظة الغالبية السوداء. فنظام "الأبارتهايد" (الفصل العنصري) الذي أسسه الأفريكانز وحكموا من خلاله جنوب أفريقيا وانتهى سياسياً في عام 1994، لم يُزل نفوذهم الاقتصادي القوي جداً هناك. فهم يسيطرون على القطاع الزراعي الحيوي (الأمن الغذائي)، ولديهم استثمارات ضخمة في قطاعات التجارة والمقاولات والبنوك.
وقد رأى ترمب وإدارته أن قضية "تعديل الدستور ومصادرة الأراضي" التي تسعى حكومة جنوب أفريقيا منذ أعوام لتطبيقها عبر قوانين تتيح "الإصلاح الزراعي"، وتقوم على مصادرة بعض الأراضي من المزارعين البيض لتوزيعها على السكان السود من دون تعويضات أو بتعويضات ضئيلة، تمييزاً عنصرياً ضد البيض واضطهاداً حكومياً يستدعي حمايتهم كلاجئين"، خصوصاً بعد أن تعرضت المزارع المعزولة في جنوب أفريقيا لسرقات واعتداءات عنيفة أدت أحياناً لقتل مزارعين أفريكانز. وعلى رغم أن الحكومة في جنوب أفريقيا ومحللين دوليين يؤكدان أن هذه الجرائم دافعها جنائي (سرقة) وتندرج تحت مشكلة الجريمة العامة التي تعانيها البلاد وتطال الجميع بمختلف أعراقهم، فإن ترمب والتيارات المحافظة في الولايات المتحدة أكدا أن هذه الهجمات منظمة وتستهدف العرق الأبيض، بل راحت بعض المجموعات لوصفها بـ"الإبادة الجماعية البيضاء".
ورقة ضغط
ويرى مراقبون أن الاستثناء الخاص الذي حصل عليه البيض والجنوب الأفريقيون من الأقليات لدى منحهم آلاف المقاعد في برنامج اللجوء الأميركي، يتماشى مع رؤية ترمب لنوعية المهاجرين الذين يفضل استقطابهم ويسهل دمجهم داخل المجتمع الأميركي. فالمزارعون الأفريكانز مسيحيون محافظون جداً، ولديهم مهارات زراعية وحرفية عالية، ويتحدثون الإنجليزية بطلاقة. ومع ذلك أكد محللون أن الخلافات السياسية مع حكومة جنوب أفريقيا لعبت دوراً كبيراً في استخدام ملف اللاجئين البيض كورقة ضغط سياسية واضحة ضد حكومة بريتوريا، خصوصاً في ظل توتر سياسي كبير بين واشنطن وجنوب أفريقيا، بسبب ملفات دولية تتعلق بالعلاقات مع إيران، والقضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية في الـ29 من ديسمبر (كانون الأول) في عام 2023 بشأن ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وعلى رغم أن نسبة اليهود من مجمل الأفريكانز تكاد تكون أقل من 0.01 في المئة، فإن الولايات المتحدة تعاملهم معاملة الأفريكانز من حيث طلبات اللجوء، باعتبارهم شريحة من السكان البيض، خصوصاً وأن اليهود في جنوب أفريقيا يعيشون حالاً من الاستقطاب والتوتر المتصاعد منذ أن رفعت الحكومة الجنوب أفريقية دعوى قضائية ضد إسرائيل. وتضم جنوب أفريقيا أكثر من 50 ألف يهودي، معظمهم في جوهانسبرغ وكيب تاون، مما يجعلها في الترتيب الـ12 كأكبر جالية يهودية في العالم. ويعود أصل غالبيتهم إلى مهاجرين من ليتوانيا ولاتفيا (يهود الأشكناز)، الهاربين من الاضطهاد في أوروبا الشرقية أواخر القرن الـ19 وبداية القرن الـ20. وعلى رغم أن الغالبية الساحقة من الجالية اليهودية في جنوب أفريقيا تتبع الطائفة الأرثوذكسية، فإن أقلية صغيرة جداً منهم تُسمى "Afrikaner-Jews" (اليهود الأفريكانز)، ذابوا لغوياً وثقافياً في مجتمع الأفريكانز المسيحي المحافظ، فتبنوا لغتهم "الأفريقانية" وعاشوا في الأرياف والمزارع مع "البوير"، حتى إن بعضهم قاتل إلى جانب الأفريكانز (البوير) ضد البريطانيين في "حرب البوير الثانية" الشهيرة (1899–1902).
ولم يمنع اندماجهم الثقافي الكامل مع الأفريكانز المسيحيين، تمسكهم بعباداتهم، فكانوا يمارسون الديانة اليهودية الأرثوذكسية المحافظة، وبنوا كنساً صغيرة في البلدات الريفية. إلا أنهم بعد السبعينيات والثمانينيات وبسبب الاضطرابات السياسية في جنوب أفريقيا، توجهوا نحو إسرائيل وأستراليا والولايات المتحدة وكندا، وغادر بين عامي 1970 و1992، ما يقرب من 40 ألف يهودي جنوب أفريقيا. بينما انتقل عدد من الأجيال الجديدة من العائلات اليهودية من الريف إلى المدن الكبرى (جوهانسبرغ وكيب تاون) حيث المجتمعات اليهودية الضخمة، وهناك تحولوا تدريجاً للتحدث باللغة الإنجليزية. وبفضل انخراط المستوطنين اليهود آنذاك في التجارة، فقد تمكنوا من ترسيخ وجودهم سريعاً في صناعة الماس والذهب المزدهرة، حيث تركز عديد منهم في جوهانسبرغ ليكونوا أقرب إلى مركز تجارة الماس. وبحسب الأرقام والإحصائيات، يوجد في جنوب أفريقيا نحو 103 كنس يهودية تخدم الجالية اليهودية التي تُعد الأكبر في القارة الأفريقية. ويعد كنيس "تكفات إسرائيل"، في كيب تاون واحداً من أقدم الكنس اليهودية في جنوب أفريقيا، حيث تأسست أول جماعة يهودية رسمية هناك في عام 1841. صحيح أن عدداً من اليهود الأرثوذكس تبنوا لغة وثقافة الأفريكانز وعاشوا بينهم كـ"مزارعين يهود"، إلا أنهم لم يتمكنوا من جذب معتنقين جدد لليهودية من الأفريكانز، فشروط التحول الديني لدى اليهودية الأرثوذكسية معقدة وصارمة جداً وتستغرق أعواماً من الدراسة والالتزام الكامل بالشرائع. لذلك، فإن معظم حالات التحول النادرة في العقود الأخيرة التي حدثت كانت لأسباب شخصية بحتة، مثل الزواج من شريك يهودي.
نفوذ قوي
على رغم تراجع أعداد المجتمع اليهودي في جنوب أفريقيا خلال العقود الأخيرة بسبب الهجرة، فإنهم لا يزالون يحتفظون بنفوذ وحضور قويين في مجالات رئيسة عدة. فهم يمتلكون قوة اقتصادية كبيرة تفوق نسبتهم السكانية الضئيلة، التي كثيراً ما تتركز في قطاع التجزئة والشركات الكبرى والتعدين والمعادن الثمينة. وتاريخياً، لعبت شخصيات يهودية دوراً بارزاً في صناعة الماس والذهب، كذلك يمتلك المجتمع اليهودي في جنوب أفريقيا واحدة من أكثر شبكات المؤسسات تنظيماً وتماسكاً في العالم، ومن أبرزها مجلس نواب اليهود في جنوب أفريقيا (SAJBD) والاتحاد الصهيوني لجنوب أفريقيا (SAZF) الذي يعتني بالروابط الثقافية والسياسية مع إسرائيل، ومنظومة "الأمن والأمان" المجتمعية المتطورة التي تمتلك قدرة تكنولوجية عالية على حماية المدارس والكُنُس والمراكز المجتمعية اليهودية بصورة مستقلة بالتنسيق مع الشرطة المحلية. إلى جانب ذلك، يمتلك المجتمع اليهودي في جنوب أفريقيا شبكة مدارس خاصة قوية جداً في جوهانسبرغ وكيب تاون، تمتاز بمستوى تعليمي وأكاديمي رفيع جداً يضعها باستمرار بين أفضل المدارس في البلاد، ويدرس فيها أكثر من 80 في المئة من الأطفال اليهود، مما يضمن استمرارية الهوية الثقافية والدينية للأجيال الناشئة. ووفقاً لمؤرخين، فقد امتلكت الجالية اليهودية تاريخياً عقولاً قانونية بارزة أسهمت في صياغة الدستور الديمقراطي لجنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد). وكان عدد من أبرز النشطاء البيض الذين حاربوا بجانب نيلسون مانديلا ضد الأبارتهايد من اليهود، مثل جو سلوفو (زعيم الحزب الشيوعي وجناح المؤتمر الوطني الأفريقي العسكري) وهيلين سوزمان (السياسية البرلمانية الشهيرة).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هزة كبيرة
تمر قضية فتح باب الهجرة أو اللجوء للأفريكانز (المزارعين البيض في جنوب أفريقيا) من قِبل إدارة ترمب بتطورات متسارعة. فبعد أن وضعت إدارة ترمب حداً أقصى لاستقبال اللاجئين بـ7.500 مقعد فقط وخُصص جلّه للأفريكانز، خرج ترمب بقرار رئاسي استثنائي، يرفع فيه السقف بإضافة 10 آلاف مقعد إضافي، مخصص بالكامل للأفريكانز البيض، مبرراً ذلك بوجود ما وصفه بـ"حالة طوارئ غير متوقعة وتصاعد للعنف العرقي"، وهو ادعاء ترفضه حكومة جنوب أفريقيا والمنظمات الأممية. وحتى نهاية الشهر الجاري، خرج من جنوب أفريقيا بين 6.000 و6.500 شخص واستقروا فعلياً في الولايات المتحدة. وبموجب التسهيلات والمقاعد المخصصة لهم حصراً، فإن العدد مرشح للارتفاع قبل نهاية العام الحالي، بل ويجري تسريع ملفاتهم بصورة استثنائية وغير مسبوقة تاريخياً مقارنة ببطء إجراءات اللجوء المعتادة.
وفيما تعد بعض التيارات الراديكالية مثل حزب مقاتلي الحرية الاقتصادية EFF في هذا الخروج فرصة تاريخية لإعادة توزيع الثروة وتأميم الأراضي والمصانع وتوزيعها على الأغلبية السوداء، يرى مراقبون أن خروج كل من اليهود والأفريكانز من جنوب أفريقيا سيمثل هزة وجودية شاملة للبلاد، لأن هاتين المجموعتين على رغم تباين تاريخهما ودورهما السياسي، تمثلان معاً العمود الفقري الاقتصادي والتقني والزراعي والمؤسساتي لدولة جنوب أفريقيا، التي ستواجه لا محالة تحولات دراماتيكية قد تتمثل بانهيار قطاع الزراعة والأمن الغذائي، وشلل مالي وهروب لرؤوس الأموال جراء سحب مليارات الدولارات من السوق. كذلك ستواجه البلاد هجرة الأدمغة الفائقة وتراجعاً للكفاءة الإدارية والمؤسسية، إذ لا يزال جزء كبير من الإدارة التقنية والتنفيذية لشبكات البنية التحتية والمؤسسات القانونية والمالية في جنوب أفريقيا يعتمد على خبرات أفريكانية ويهودية، وهو ما قد يحول القوة الاقتصادية الأولى أو الثانية في القارة السمراء، إلى دولة نامية تعاني اضطرابات اقتصادية حادة وصعوبة في إدارة مواردها الأساسية.