ملخص
لا شيء يوحي أن طهران مستعدة للتخلي عن السيطرة على مضيق هرمز، والاحتفاظ بالمشروع النووي، ودعم الأذرع المرتبطة بـ "الحرس الثوري"، وليس ذلك سوى نوع من إغراق الحرب الأميركية في مضيق هرمز، وسلام ترمب في نهر الأردن.
لا أحد يخوض حرباً بالتقسيط وعلى طريقة ما يطلبه المستمعون أيام الراديو، لكن الرئيس دونالد ترمب يكرر فعل ذلك بأسلوبه الخاص ومفاجآته المحسوبة وغير المحسوبة، ففي البيت الأبيض، حيث التقى بنيامين نتنياهو، ثم في كامب ديفيد حيث جمع مساعديه وخبراء الأمن القومي، تبلور قرار"الضربة الشديدة" لإيران بعد أسبوعين من ضربات محدودة واستراحة محارب، وقبيل ساعات من الموعد المحدد للتنفيذ، أُعلن إلغاء الهجوم بناء على طلب الوسطاء، و"اتفاق على ملامح صفقة جديدة".
أية صفقة؟ شيء من وعود شفهية بتحسين "مذكرة التفاهم" التي عاشت وماتت أكثر من مرة، وعلى أساسها كان وقف النار وتحديد 60 يوماً للتفاوض بين أميركا وإيران على الاتفاق النهائي، وما الجديد فيها؟ شيء من تجدید ما ورد في المذكرة حول الفتح الكامل لمضيق هرمز، والتزام طهران "إنهاء التهديد النووي".
المضيق كان مفتوحاً قبل الحرب وصار مشكلة خلال الحرب، ولم يكن بين أهداف الهجوم الأميركي - الإسرائيلي نهاية فبراير (شباط) 2026، والتزام سلمية البرنامج النووي كان أساس الاتفاق النووي في عهد الرئيس باراك أوباما عام 2015، والذي خرج منه ترمب واعتبره "أسوأ اتفاق في التاريخ"، أما الأهداف التي من أجلها كانت الحرب، فإنها في عالم اللايقين، وكأن الحرب كانت من أجل العودة لما كان قبلها.
والترجمة العملية للصفقة الجديدة المطلوبة أميركياً بسرعة، وإلا جاءت الضربة الشديدة، تواجه قوى متشددة في الجمهورية الإسلامية، رافضة للتخلي عن سلاحين: سلاح التحكم بمضيق هرمز، كضمان لمنع أميركا وإسرائيل من مهاجمة إيران، خوفاً من أزمة دولية حادة في إمداد النفط والغاز والأسمدة، وسلاح الوقوف على "العتبة النووية" وإبقاء قصة القنبلة النووية غامضة كضمان للنظام، إذ لا أحد يصدّق أن الجمهورية الإسلامية أنفقت عشرات أو مئات المليارات، وربّت أجيالاً من علماء الذرة، وتحملت العقوبات والحروب من أجل مشروع نووي سلمي، تساعد الأمم المتحدة في مثله، وتعمل له روسيا في مجمع "بوشهر".
والسؤال البسيط هو عن إدارة اللعبة السياسية، فالرئيس ترمب يدير سياسة أميركا كأنه في تلفزيون الواقع، فلا يكف عن الكلام المتناقض ليلاً ونهاراً، في المكتب وعلى الطريق وفي الطائرة، ولا يوازيه في كثرة التصريحات والمكالمات الهاتفية مع وزراء الخارجية في كل بلد تقريباً، سوى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
أما المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لا يراه أحد ولا يسمع صوته أحد، فإنه يدير السياسة من خلال رسائل مكتوبة باسمه، لا رسائل صوتية، وأما "مجلس الأمن القومي" الذي يضم ممثلين من كل فروع السلطة، فإن الدور الراجح في قراراته هو لـ "الحرس الثوري" بقيادة الجنرال أحمد وحيدي، الذي يرى بعضهم أنه الرجل الأقوى في طهران.
والمشكلة هي أن كل طرف يدّعي أنه منتصر، فترمب أعلن منذ الأيام الأولى أن أميركا انتصرت ودمرت كل أسلحة إيران البحرية والجوية، ونسبة كبيرة من الصواريخ، والمرشد قال في رسالة إن "إيران المنتصرة ألحقت هزيمة شنيعة بأميركا"، ورئيس مجلس الشوري محمد باقر قالیباف يكرر الكلام على انتصار إيران، والباقي هو "تثبيت الانتصار" في المجال الجيوسياسي.
لكن الواقع مختلف، فلا منتصر في حرب ناقصة، ولا أحد يجهل الفارق بين الربح وعدم الخسارة، لا أميركا مهزومة، وإن لم تنتصر، ولا إیران منتصرة، وإن بدت غير مهزومة، ذلك أن "قانون" الحرب بالنسبة إلى الخبير الإستراتيجي الصيني القديم سن تزو هو "وجوب الموازنة بين كلفة الحرب وفوائدها السياسية"، وبهذا المعنى فإن كلفة الحرب على أميركا أكبر من فوائدها السياسية، والفوائد السياسية لإيران أكبر من كلفة الحرب، مع أنها كبيرة جداً ومدمرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ترمب يقف أمام خيار دقيق وحاد: إما أن يكمل الحرب، وإما أن ينسى مشروعه لسلام الشرق الأوسط من غزة والضفة إلى طهران مروراً ببیروت ودمشق وبغداد و صنعاء، وهو في حيرة بين العوامل التي تدعوه الى إكمال الحرب، والكوابح التي تمنعه من تجديد المغامرة التي لم تكن محسوبة جيداً، كما كشفت الوقائع.
وإيران تواجه خياراً صعباً، بين أن تتعلم دروس الحرب، ومنها ضرورة الانفتاح الداخلي، وبين أن تستمر في التشدد والتخوف من أخطار سقوط النظام من الداخل، بعد مرحلة من نهاية الحرب.
خلال الأسبوع الخامس من الحرب، قال الفيلسوف المعارض والمنشق عن النظام محمد مهدي أردبيلي: "في هذه اللحظة صارت الجمهورية الإسلامية وإیران واحدة ومن النوع نفسه، فإذا سقطت الجمهورية الإسلامية سقطت إيران"، لكن الجمهورية الإسلامية أخذت خيارها، فلا هي تريد العودة لإيران التي يؤمن بها المنشّقون عن النظام، وبينهم الدكتور حميد دباشي والأكاديمي آصف بيات، وكان هناك المفكر الراحل داريوس شايفان صاحب كتاب "ما الثورة الدينية"، وعبدالكريم سروش وكثر آخرون، ولا البلد الذي جعلته الحرب "أقل ثيوقراطية وأكثر قومية" سوى "نظام سلطوي قومي يميني"، بحسب ولي نصر وترجس باجوقلي في مقالة نشرتها "فورين أفيرز".
ولا شيء يوحي أن طهران مستعدة للتخلي عن السيطرة على مضيق هرمز، والاحتفاظ بالمشروع النووي، ودعم الأذرع المرتبطة بـ "الحرس الثوري"، وليس ذلك سوى نوع من إغراق الحرب الأميركية في مضيق هرمز، وسلام ترمب في نهر الأردن.