ملخص
الفيلم الذي صُوِّر في منطقة سهل البقاع اللبناني لا يقترب من القضية الفلسطينية عبر خطاب سياسي مباشر أو سردية تقليدية عن الاحتلال، بل يذهب نحو منطقة أكثر حميمية وشاعرية، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية واللغة والنساء والغياب إلى مادة سينمائية مشبعة بالتأمل والصمت.
في ظهوره الأول ضمن مهرجان "كان" السينمائي، خطف المخرج الفلسطيني راكان مياسي اهتمام النقاد بفيلمه الروائي الأول الطويل "البارح العين ما نامت"، المعروض في قسم "نظرة خاصة"، وهو عمل شديد الخصوصية يستعيد عبره سيرة جدته اللبنانية أسماء، التي أُجبرت وهي في الرابعة عشرة على الزواج من رجل فلسطيني يكبرها سناً، في حكاية تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع سردية المنفى الفلسطيني الأوسع.
الفيلم الذي صُوِّر في منطقة سهل البقاع اللبناني، لا يقترب من القضية الفلسطينية عبر خطاب سياسي مباشر أو سردية تقليدية عن الاحتلال، بل يذهب نحو منطقة أكثر حميمية وشاعرية، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية واللغة والنساء والغياب إلى مادة سينمائية مشبعة بالتأمل والصمت.
وفي ذلك، يبتعد مياسي عن النمط السائد في الأفلام الفلسطينية، مقدماً عملاً يرى فيه كثيرون إعلاناً عن اتساع مساحة التعبير الفلسطيني خارج القوالب السياسية المعتادة.
مياسي، المولود في ألمانيا، والذي نشأ في الأردن ودرس في لبنان قبل أن ينتقل إلى بلجيكا، يحمل في تجربته الشخصية تعددية جغرافية وثقافية انعكست بوضوح على أسلوبه السينمائي. وقد سبق له أن أخرج أفلاماً قصيرة عدة لافتة، بينها عمل مستوحى من قصيدة للشاعر محمود درويش، قبل أن يقرر خوض تجربته الروائية الطويلة الأولى.
"جواز السفر"
وكان المخرج يعمل في الأصل على مشروع آخر بعنوان "جواز السفر"، وهو فيلم كوميديا سوداء تدور أحداثه بين غزة وصربيا وكندا، حول جثمان رجل فلسطيني يموت خلال رحلة سفر ويعلق وسط البيروقراطية الدولية.
إلا أن الحرب الإسرائيلية على غزة دفعته إلى التراجع عن المشروع مؤقتاً. يقول مياسي في حديث لـ"اندبندنت عربية"، "شعرت بأنني شخصياً لست مستعداً لتقديم كوميديا سوداء تنطلق أحداثها من غزة"، مضيفاً أن الوقت بدا مناسباً للعودة إلى قصة جدته التي كان يشعر بأنه مدين لها بفيلم يشبهها.
هذا البعد الشخصي يطغى بقوة على الفيلم، بخاصة أن أسماء، الجدة التي استُلهمت منها الحكاية، توفيت قبل التصوير بثلاثة أشهر فقط، بينما كان القصف الإسرائيلي يمنعه من العودة إلى بيروت لوداعها. ويقول متأثراً "أنا مرتبط كثيراً بجدتي، كانت هي التي ربتني. شعرت بأن إنتاج فيلم يشكل تحية لها، ولجمالها كامرأة، هو بمثابة وفاء لوعد قطعته لنفسي منذ سنوات".
يحمل العمل أيضاً بصمة مياسي الإخراجية القائمة على الارتجال والانفتاح على الحياة أكثر من الالتزام بالبناء الكلاسيكي للسيناريو. فالفيلم أُنجز من دون نص مكتوب بالكامل، بل انطلاقاً من خطوط عريضة فقط، مع الاعتماد على ممثلين غير محترفين، كثير منهم أفراد من عائلة حقيقية ظهرت في الفيلم كما هي تقريباً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشرح المخرج فلسفته "كنت أشعر دائماً بأن وجود سيناريو مكتوب بالطريقة الكلاسيكية قد يدفعني إلى صنع فيلم تقليدي". ويضيف "أنا منفتح على ما تجلبه الحياة داخل الكادر أثناء التصوير، على الأشياء التي لم أخطط لها. إذا كانت موجودة فهذا أفضل للفيلم".
هذه العفوية انعكست أيضاً على اللغة المستخدمة في الفيلم، إذ اختار مياسي البيئة البدوية في البقاع اللبناني فضاءً للحكاية، معتمداً على اللهجات المحلية وتفاصيل الحياة اليومية بوصفها جزءاً من البناء الدرامي. ويقول "اللغة ليست فقط طريقة للكلام، بل أيضاً طريقة للحلم".
وعلى رغم الخلفية المحافظة للمجتمع الذي تدور فيه الأحداث، يتجنب مياسي الأحكام الأخلاقية أو الثنائية المباشرة بين الضحية والجلاد. ويؤكد "لم أرغب في شيطنة الرجال أو تصوير النساء كضحايا بصورة مباشرة. أنا أفضل المراقبة، ومن هنا يأتي الشعر في العمل".
والشعر بالفعل يحتل موقعاً مركزياً في رؤية المخرج للسينما. فحتى عنوان الفيلم "البارح العين ما نامت" يحمل إيقاعاً غنائياً واضحاً، وهو امتداد لعلاقة قديمة تربطه بالشعر الفلسطيني. ويقول "كلما قل الكلام واتسع صمت الكلمات، اتسعت مساحة الحلم داخل القصيدة. هكذا أفهم السينما أيضاً".
على ورغم تنقلاته بين ألمانيا والأردن ولبنان وبلجيكا، يصر مياسي على تعريف نفسه أولاً كمخرج فلسطيني. بالنسبة إليه، فإن فلسطين ليست فقط جغرافيا محرومة عليه بسبب المنفى، بل أيضاً مساحة متخيلة تشكلت من الحكايات والأغاني والأفلام والقصص التي سمعها من والديه وجدته. ويوضح "تعرفت إلى فلسطين من خلال الأفلام والتلفزيون والموسيقى والشعر. هذا هو الإرث الحقيقي، إرث الثقافة والقصص".
وفي وقت تتزايد فيه النقاشات حول من يملك حق رواية الحكاية الفلسطينية، يرى مياسي أن من الضروري أن يصنع الفلسطينيون أفلامهم بأنفسهم، بعيداً من أي إملاءات سياسية أو إنتاجية.
وخلال مشاركته في إحدى الندوات داخل الجناح الفلسطيني في "كان"، شدد على أهمية ألا يسمح الفلسطينيون "لأي نظام، سواء كان استعمارياً أو رأسمالياً، بأن يملي عليهم الرواية التي يجب أن يتبنوها".
بهذا المعنى، يبدو "البارح العين ما نامت» أكثر من مجرد سيرة عائلية أو فيلم عن الذاكرة. إنه محاولة لاستعادة الحكاية الفلسطينية من داخل التفاصيل الصغيرة والهامشية، حيث الحب والمنفى والنساء واللغة، وحيث تتحول الجدة الراحلة إلى روح خفية ترافق الفيلم كله.
ويختم مياسي حديثه باستعادة لحظة تصوير بدت له أشبه بالإشارة الغامضة من جدته الراحلة "كان هناك مشهد احتجنا فيه لرياح قوية، لكن الجو كان هادئاً تماماً، ثم فجأة هبت عاصفة هوائية، وما إن انتهينا من التصوير حتى توقفت الرياح. شعرت حقاً بأنها كانت معنا هناك".
في المقابل، يقول المنتج الفلسطيني مهند يعقوبي الشريك في رئاسة المجلس التنفيذي لـ "مؤسسة الفيلم الفلسطيني" "لدينا قاعدة 3 زائد 1، بمعنى أننا ندعم ثلاثة مخرجين فلسطينيين في مقابل كل مخرج غير فلسطيني. فقد حاول العالم لعقود طويلة أن يملي علينا كيف وأين تُروى القصص الفلسطينية وتُستهلك. وحان الوقت الآن ليستعيد الفلسطينيون زمام أمورهم، ويقرروا طريقة سرد قصصهم، وحشد التمويل لها، ومشاركتها".