Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نعيم قاسم يفتح معركة إسقاط حكومة نواف سلام... فهل يمتلك القدرة؟

يبقى السؤال ليس ماذا قال الأمين العام لـ"حزب الله" بل هل يملك فعلاً أدوات تنفيذ ما هدّد به؟

أنصار "حزب الله" خلال تحرك احتجاجي في الشارع (رويترز)

ملخص

قرأ كثيرون في التهديد الذي أطلقه الأمين العام لـ "حزب الله" صرخة ضعف لا استعراض قوة. فهو منهك عسكرياً ومحاصر مالياً ومعزول دبلوماسياً، لذا قد يلجأ إلى لغة الشارع حين تضيق أمامه كل الأبواب الأخرى. والقوى المشاركة في الحكومة اللبنانية تعرف ذلك جيداً، فضلاً عن أن التهديد سرعان ما اصطدم بجدار دولي صلب، عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في بيان شديد اللهجة ندّد فيه بتصريحات قاسم.

في الشكل، بدا خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم في ذكرى التحرير في 25 مايو (أيار) أقرب إلى إعلان مواجهة مفتوحة مع حكومة الرئيس نواف سلام، بعدما رفع سقف التهديد إلى حد الدعوة الضمنية لإسقاطها عبر الشارع، تحت عنوان "مواجهة المشروع الأميركي – الإسرائيلي".

الحزب الذي اعتاد، طوال سنوات، استخدام الشارع كورقة ضغط حاسمة في محطات مفصلية، من اعتصام وسط بيروت عام 2006 إلى أحداث 7 مايو (أيار) 2008، يجد نفسه اليوم أمام بيئة داخلية مختلفة جذرياً. فقرار الحكومة في مارس (آذار) 2026 بحظر أنشطته العسكرية والأمنية لم يكن مجرد خطوة إجرائية، بل شكل تحولاً سياسياً غير مسبوق نقل المواجهة من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى نزع الشرعية الرسمية عن سلاح الحزب ودوره الأمني. ومن هنا يمكن فهم توصيف قاسم للقرار بأنه "تجريم للحزب"، باعتباره يمس جوهر بنيته ونفوذه.

غير أن المفارقة تكمن في أن الحزب، على رغم لهجته العالية، لا يبدو قادراً بسهولة على إسقاط الحكومة من داخل المؤسسات. فحكومة نواف سلام تستند إلى شبكة دعم سياسية ونيابية وخارجية واسعة، كما أن أي محاولة لإسقاطها برلمانياً تبدو شبه مستحيلة في ظل اختلال موازين القوى داخل المجلس النيابي وتراجع قدرة الحزب على فرض التسويات التقليدية. لذلك يعود التلويح بالشارع بوصفه الخيار البديل، وربما الوحيد المتاح.

ويبقى السؤال الحقيقي ليس ماذا قال قاسم، بل هل يملك "حزب الله" فعلاً أدوات تنفيذ ما هدّد به؟ وهل الشارع هو السبيل الوحيد لإسقاط الحكومة لتعذر ذلك من داخلها؟

إسقاط الحكومة من الشارع… أُمنية بلا واقعية

 قرأ كثيرون في التهديد الذي أطلقه الأمين العام لـ "حزب الله" صرخة ضعف لا استعراض قوة. فهو منهك عسكرياً ومحاصر مالياً ومعزول دبلوماسياً، لذا قد يلجأ إلى لغة الشارع حين تضيق أمامه كل الأبواب الأخرى. والقوى المشاركة في الحكومة اللبنانية تعرف ذلك جيداً، فضلاً عن أن التهديد سرعان ما اصطدم بجدار دولي صلب، عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في بيان شديد اللهجة ندّد فيه بتصريحات قاسم، معتبراً أنه يحاول جرّ لبنان مجدداً إلى الفوضى والدمار، مؤكداً وقوف واشنطن بحزم إلى جانب الحكومة اللبنانية الشرعية.

في السياق، يرى الكاتب والباحث السياسي الدكتور عمران زهوي أن إسقاط الحكومة عبر الضغط الشعبي أمر وارد، مستنداً إلى حجم الغضب الشيعي المتراكم تجاه السلطة. غير أن خطوة كهذه تستلزم، في رأيه، دعوةً صريحة من الثنائي "أمل" و"حزب الله" لقواعدهما للنزول إلى الشارع، وهو احتمال قائم تبعاً لمآلات المرحلة المقبلة. ويلفت زهوي إلى أن الطائفة الشيعية باتت تشعر بأن السلطة السياسية تتعامل معها كأنها خارج دائرة الانتماء الوطني. ويُعول في الوقت ذاته على رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه صمام الأمان القادر على احتواء الطائفة وتجنيبها الانزلاق نحو المواجهة.

وفي تفسيره لأسباب التوجه نحو الشارع، يؤكد زهوي أن الأمر يتخطى قرارات الحكومة التي يصفها بـ"الظالمة" بحق الحزب وأبناء الجنوب، ليصل إلى ما يعتبره انبطاحاً سياسياً أمام العدو من دون امتلاك أي ورقة ضغط في التفاوض. ويرى أن الحكومة تفرط في أبرز أوراقها، وهي ملف سلاح "حزب الله" الذي طالما أعلن الحزب استعداده للتفاوض عليه برعاية أميركية. بيد أن السلطة، حين جاءتها التوجيهات للهرولة نحو تفاوض مباشر بهدف فصل المسار اللبناني عن إيران، آثرت الانصياع بدلاً من التمسك بالمطالب الإيرانية التي كانت واضحة في جعل لبنان على رأس أولوياتها.

الإسقاط من الداخل عبر استقالة الوزراء 

وعلى رغم تأكيد الكاتب والباحث السياسي أن كل الاحتمالات واردة وأنه إذا تتطلب الأمر قد ينسحب وزراء الثنائي من الحكومة، إلا أن خيار الاستقالة الوزارية لتعطيل الحكومة يعدّ ورقة متاحة نظرياً لكنها ذات ثمن باهظ، فالحزب يفتقد اليوم ورقته التعطيلية الأساسية داخل الحكومة وهي الثلث التعطيلي مع حلفائه، أي ثمانية وزراء، ولأنه يمتلك حصة وزارية محدودة في الحكومة الحالية تبلغ وزيرين فقط، إلى جانب وزيري حركة "أمل"، بمجموع أربع وزراء، فإن استقالته لن تسقط الحكومة، خصوصاً أن موقف "أمل" وزعيمها الرئيس نبيه بري لا يبدو متحمساً للمغامرة بهذا الاتجاه في المرحلة الراهنة.

كذلك فإن الاستقالة ستبعده عن القرار والقدرة على تغييره وهذا ما يتجنبه الحزب الذي لا يزال يراهن على كبح جموح السلطة السياسية من الداخل والحؤول دون تنفيذ قراراتها في شأن حصر سلاحه. والاستقالة ستفسّرعلى الفور بوصفها انقلاباً على الشرعية، مما سيعرض الحزب لعواقب دبلوماسية ومالية مضاعفة في ظل العقوبات الأميركية المتصاعدة.

وبالعودة سنوات إلى الوراء، نجد أن الحزب أسقط مرة واحدة الحكومة من الداخل، وكان ذلك عام 2011 حين أعلن مع حليفه "التيار الوطني الحر" وحركة "أمل" استقالة وزرائهم من حكومة الوحدة الوطنية آنذاك، وكانت الذريعة المباشرة رفض رئيس الوزراء سعد الحريري عقد جلسة حكومية لمناقشة قضية شهود الزور في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، فأعلن 10 وزراء استقالتهم، ثم انضم إليهم وزير الدولة عدنان السيد حسين، الوزير الملك، مما أفقد الحكومة نصابها الدستوري وجعلها حكومة مستقيلة بحكم القانون.

لكن تكرار هذا السيناريو يبدو مستحيلاً اليوم إن في السياسة أو في الشارع، بخاصة أن حليفه الوحيد على طاولة مجلس الوزراء حركة "أمل" لا يبدو على نفس الموجة حكومياً في تمايز تكتيكي مطلوب، تمثل بشكل واضح حين لم يسجل وزراء الحركة تحفظاً على القرار الحكومي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ "حزب الله" مقابل اعتراض الحزب.   

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الظروف تبدلت

يُقدّم الوزير السابق ميشال فرعون، الذي شارك في حكومات كان "حزب الله" يمسك فيها بزمام القرار إما عبر الضغط الشعبي أو من خلال الثلث المعطّل، قراءةً مغايرة تفنّد التهويل وتُثبت أن المعطيات تبدّلت جذرياً. يؤكد فرعون أن الظروف الراهنة لا تُشبه بأي حال تلك التي أتاحت للحزب تكرار تجربة السابع من مايو 2008، حين اقتحمت عناصره شوارع بيروت وفرضت بالقوة سياستها على الحكومة وقراراتها. ويقول "الحزب اليوم لا يملك القدرة الميدانية على إعادة هذا المشهد، ولا يمتلك الثلث الوزاري الذي يُمكّنه من تعطيل الحكومة أو إسقاطها من الداخل. فضلاً عن ذلك، لم تعد التغطية المسيحية التي أمّنها له تفاهم مار مخايل (اتفاقية مع التيار الوطني الحر) حاضرةً في المعادلة".

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ فقد الحزب حليفه الاستراتيجي الأبرز المتمثّل في نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، يقول فرعون، وبات مكشوفاً بل ومرفوضاً في سوريا الجديدة، ويضيف أن الحزب بات محاصراً بلا تغطية خارجية ولا دعم داخلي يتخطى بيئته الخاصة، في حين تراجعت قوته ميدانياً وتقلّصت هامش التسهيلات التي كانت تمنحها إياه الدولة اللبنانية وبعض أجهزتها.

ويتساءل فرعون بمنطق صريح: أين الدافع اليوم لتغيير الحكومة؟ فحين أقدم الحزب على ذلك سابقاً، كان ملف السلاح يناقَش على طاولة الحوار الوطني، لا تحت مسمّى الاستراتيجية الدفاعية كما هي الحال اليوم. يضاف إلى ذلك الاتهام المتداول بأن الحرس الثوري الإيراني يمسك بالقرار العسكري داخل الحزب، فيما تسعى أطراف مختلفة إلى التمييز بين جناحَيه العسكري والسياسي، في محاولة للحفاظ على الحدّ الأدنى من الديناميكية بعد أن فقد الحزب حتى السيطرة على سلاحه.

ويرى فرعون أن خطاب نعيم قاسم ليس سوى رسالة موجّهة إلى بيئته الحاضنة، يلقي فيها باللوم على فريق لبناني بعينه بهدف استنهاض العصبية وإلهاء الجمهور عن حجم الخسائر التي مُني بها الحزب.

السيناريوهات المحتملة

وأمام انسداد أفق إسقاط الحكومة في الشارع أو من الداخل فإن المشهد الراهن يتيح رسم أربعة سيناريوهات متصاعدة الخطورة، لما يمكن أن يقدم عليه الحزب، يبقى أولها الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور. ويقوم هذا السيناريو على مواصلة "حزب الله" رفع سقف خطابه التصعيدي من دون اللجوء إلى أي خطوة ميدانية، إذ يُوظَّف هذا التصعيد الكلامي أداةً للضغط على مفاوضات واشنطن، بهدف انتزاع تنازلات في ملف السلاح أو قضية مؤسسته المالية "القرض الحسن"، من دون أن يُثقل كاهله بتبعات تحرك فعلي على الأرض. وإن تجاوز المشهد هذا السقف، فقد يلجأ الحزب في سيناريو ثانٍ إلى تحريك قاعدته الشعبية في احتجاجات موضعية محدودة، على غرار ما شهدناه في أعقاب أزمات سابقة، تحمل رسالة ضغط سياسية من دون أن ترقى إلى مستوى إسقاط حكومة، بل قد تزيد من عزلته وتضييق هامشه الداخلي.

أما على المدى المتوسط، فيرى بعض المحللين أن ما يكشفه خطاب نعيم قاسم ليس سوى تحيّن الحزب لأي فرصة سانحة لتنفيذ انقلاب سياسي يُرسّخ معادلات جديدة وهو السيناريو الثالث، تعوّضه عن الضربات الساحقة التي تلقّاها على الصعيدين العسكري والسياسي. غير أن هذا السيناريو يستلزم تحالفات داخلية لا تبدو متوافرة في المشهد الحالي، مما يجعله احتمالاً قائماً لكنه معلّق بشروط غير مكتملة.

ويبقى السيناريو  الرابع وهو الأخطر والأبعد هو الانزلاق نحو مواجهة شاملة، في ضوء تقييمات توحي بأن الحزب لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية ودعم شعبي قد يُتيحان له دفع لبنان نحو توتير الشارع وربما مواجهات مسلحة مع قوات داخلية أخرى وربما الجيش اللبناني، لا سيما أن كثيرين رأوا في خطاب الأمين العام لـ "حزب الله" بصمةً إيرانية في التوجيه والصياغة. وهذا السيناريو، وإن كان الأبعد احتمالاً، لا يمكن استبعاده إن تعثّرت المفاوضات أو نجحت في إرساء حل سيكون الحزب نفسه خارجه.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير