ملخص
يقف ملايين الحجاج على جبل عرفات سنويا في ركن الحج الأعظم، بينما تكشف الدراسات عن أن صخوره تشكلت قبل نحو 9 ملايين سنة تزامناً مع تشكل البحر الأحمر.
في كل عام يحتشد ملايين الحجاج على صعيد عرفات في مشهد تتكرر تفاصيله منذ قرون، تتجه فيه الوجوه إلى السماء بالدعاء، وتغدو ساعات الوقوف بعرفة ذروة الرحلة الإيمانية في الحج.
ويمثل الوقوف بعرفة الركن الأعظم من أركان الحج، إذ يبدأ الحجاج بالتوافد إلى المشعر منذ فجر التاسع من ذي الحجة، بعد قضائهم يوم التروية في مشعر منى، ليقفوا على صعيد عرفات حتى غروب الشمس.
وبين أصوات التلبية والدعوات بلغات مختلفة يحمل "جبل الرحمة" قصة أقدم بكثير من التاريخ البشري، إذ تكشف دراسات علمية عن أن هذه "التلة الصغيرة" التي يقف فوقها الحجاج تشكلت قبل نحو 9 ملايين سنة، خلال تحولات جيولوجية صاحبت تشكل البحر الأحمر.
جبل ارتبط بخطبة الوداع
في شرق مكة المكرمة يرتفع جبل عرفات أو "جبل الرحمة" داخل سهل عرفات المفتوح، الذي يستقبل ملايين الحجاج خلال ساعات محدودة من يوم واحد كل عام.
وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء السعودية "واس"، فإن الجبل يعد من "أشهر المعالم الجغرافية والدينية في المشاعر المقدسة"، إذ يرتبط في الوعي الإسلامي بوقوف النبي محمد في حجة الوداع، حين ألقى خطبته الشهيرة.
ويقع الجبل في شرق عرفات بين الطريقين السابع والثامن، ويتكون من حجارة صلبة داكنة اللون، فيما تنتصب على قمته شاخصة بيضاء تعد من أبرز العلامات البصرية.
وتشير بيانات نشرتها "واس" إلى أن ارتفاع الجبل نحو 65 متراً عن الأرض المحيطة، ويعلوه شاخص يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار، بينما يصل ارتفاعه عن سطح البحر إلى أكثر من 300 متر، وسط سهل عرفات الذي يتحول في يوم واحد من كل عام إلى واحدة من أكبر نقاط التجمع البشري الموسمية في العالم.
ويقع المشعر على بعد نحو 18 كيلومتراً من المسجد الحرام، و10 كيلومترات من مشعر منى، و6 كيلومترات من مشعر مزدلفة، ويقارب طول وعرض مشعر عرفات ميلين، وهو سهل منبسط تحيط به سلسلة من الجبال على شكل قوس.
ويعد جبل الرحمة واحداً من أشهر جبال مكة ومن أهم مزاراتها، وهو أشهر مكان في مشعر عرفات بعد مسجد نمرة، وعلى رغم شهرته الواسعة، يؤكد العلماء أن صعود الجبل ليس من واجبات الحج ولا من أركانه.
ويعرف الجبل أيضاً باسم "جبل الدعاء"، ووصفته "واس" بأنه "أكمة صغيرة رفيعة" في مشعر عرفات.
واختلف العلماء حول سبب تسمية الجبل بعرفات، فقيل إن آدم وحواء اجتمعا عليه، وقيل أيضاً إن سبب التسمية يرجع إلى اجتماع الناس وتعارفهم فيه يوم عرفة.
وللجبل أسماء أخرى، منها جبل القرين، والنابت، وجبل الآل، وجبل التوبة.
رحلة إلى ما قبل التاريخ
لكن الجبل الذي ارتبط في الوعي الإسلامي بالحج وخطبة الوداع، أصبح أيضاً موضع اهتمام علمي لفهم قصته الجيولوجية وتكوينه الصخري.
ففي دراسة نشرت في "مجلة الكيمياء التحليلية الإشعاعية والنووية" "Journal of Radioanalytical and Nuclear Chemistry"، حاول باحثون معهد كومساتس لتكنولوجيا المعلومات في باكستان تتبع التاريخ الجيولوجي للجبل، ليتوصلوا إلى نتائج تربط نشأته بتحولات تكتونية كبرى شهدتها المنطقة قبل ملايين السنين.
وبدأت الدراسة من صخوره، إذ جمع الباحثون عينات صخرية أظهرت أن جبل عرفات يتكون في معظمه من صخور تعرف باسم "الجرانوديوريت"، وهي صخور نارية عميقة تتشكل عندما تبرد الصهارة ببطء داخل الأرض، مما يؤدي إلى تكوين صخور صلبة غنية بالبلورات المعدنية.
وأظهرت التحليلات وجود معادن مثل الكوارتز والفلسبار والميكا داخل هذه الصخور، وهي معادن ترتبط عادة بالتكوينات الجبلية القديمة في الدرع العربي الممتد على طول الجزء الغربي والشمالي الغربي من السعودية.
كيف عرف العلماء عمر الجبل؟
لفهم عمر جبل عرفات، استخدم الباحثون تقنية تعرف باسم "التأريخ بالمسارات الانشطارية"، وهي طريقة تعتمد على تتبع آثار التحلل الطبيعي لذرات اليورانيوم داخل المعادن الدقيقة الموجودة في الصخور.
وتقوم الفكرة على أن بعض ذرات اليورانيوم تنشطر تلقائياً مع مرور الزمن، مطلقة شظايا ذرية متناهية الصغر تتحرك داخل البلورات المعدنية، تاركة آثاراً دقيقة تشبه الخدوش المجهرية.
ويفحص العلماء هذه الآثار تحت المجهر ويقيسون كثافتها، إذ تشير زيادة عددها إلى مرور زمن أطول على تشكل الصخور واستقرارها جيولوجياً.
وتعد هذه التقنية من الأدوات المستخدمة لتوثيق تاريخ الجبال والنشاط التكتوني وحركة القشرة الأرضية، لأنها لا تحدد فقط زمن تشكل الصخور، بل الفترة التي بردت فيها بدرجة كافية لحفظ هذه الآثار الدقيقة داخلها.
وفي حال جبل عرفات، أظهرت النتائج أن صخوره تعود إلى نحو 9 ملايين سنة، أي إلى عصر "الميوسين"، وهي ي فترة جيولوجية في المقياس الزمني الجيولوجي، حين كانت المنطقة تمر بتحولات جيولوجية ضخمة أعادت رسم جغرافية شبه الجزيرة العربية.
الجبل الذي شهد ولادة البحر الأحمر
ويرى الباحثون أن أهمية هذه النتائج تتخطى بعمر الجبل، إلى كونه جزءاً من سجل جيولوجي ضخم يوثق التحولات التي غيرت شكل المنطقة بالكامل.
ففي تلك الحقبة السحيقة، بدأت الصفيحة العربية بالابتعاد تدريجاً عن القارة الأفريقية، ما أدى إلى انفتاح البحر الأحمر وتكون السلاسل الجبلية الممتدة على طول الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية.
ويعني ذلك أن الصخور التي يقف فوقها ملايين الحجاج اليوم تشكلت خلال المرحلة نفسها التي شهدت ولادة البحر الأحمر وتغير ملامح المنطقة جيولوجياً.
وتناولت الدراسة مستويات الإشعاع الطبيعي داخل صخور الجبل. وأكدت أن معدلاتها تقع ضمن الحدود الطبيعية والآمنة عالمياً، على رغم احتواء الصخور الغرانيتية على نسب طبيعية من العناصر المشعة التي توجد عادة في هذا النوع من التكوينات الصخرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول الباحثون إن هذه المستويات لا تشكل أي أخطار صحية على الحجاج والزوار، في وقت يستقبل فيه الجبل ملايين الأشخاص سنوياً خلال موسم الحج.
وتشير بيانات هيئة المساحة الجيولوجية السعودية إلى أن جبل عرفات يقع ضمن نطاق الدرع العربي، أحد أقدم التكوينات الصخرية في المنطقة، ويتكون من صخور غرانيتية فاتحة اللون تعود إلى حقب جيولوجية قديمة.
مشهد يتكرر منذ قرون
وحافظ جبل الرحمة على حضوره في كتب السيرة والرحلات والتاريخ الإسلامي عبر القرون، إذ وصفه الرحالة والمؤرخون في مؤلفاتهم باعتباره واحداً من أعظم مشاهد الاجتماع الإنساني.
ويعد كتاب "أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار" لأبي الوليد الأزرقي من أبرز المصادر التاريخية التي وثقت معالم المشاعر المقدسة، إذ وصف عرفات وحدوده ومعالمه الجغرافية، مشيراً إلى ارتباطه بمناسك الحج منذ صدر الإسلام.
وتناول الرحالة والمؤرخون مشهد الوقوف بعرفة بوصفه من أعظم مشاهد الاجتماع الإسلامي عبر العصور، إذ وصف ابن جبير الأندلسي، المتوفى نحو سنة 1218 ميلادية، في رحلته الشهيرة "تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار" مشهد الحجيج في عرفات بقوله" وقف الناس خاشعين باكين، وإلى الله عز وجل في الرحمة متضرعين، والتكبير قد علا، وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع، فما رؤي يوم أكثر مدامع، ولا قلوباً خواشع، ولا أعناقاً لهيبة الله خوانع خواضع من ذلك اليوم، فما زال الناس على تلك الحالة والشمس تلفح وجوههم، إلى أن سقط قرصها وتمكن وقت الغروب".
وفي كل عام، يعود ملايين البشر إلى الجبل ذاته، حاملين لغات وألواناً وثقافات مختلفة، بينما تبقى صخور عرفات شاهدة على رحلة بدأت قبل ملايين السنين وما زالت تتكرر حتى اليوم.