ملخص
تقلبات الطقس الحادة في بريطانيا، من البرد والأمطار إلى الحر شبه الصيفي خلال أيام، باتت مشهداً اعتيادياً في الربيع. خبراء المناخ يعزون الظاهرة إلى تحولات سريعة في التيارات الهوائية، وسط توقعات باستمرار الأجواء الحارة وموجات الحر خلال الأسابيع المقبلة.
يوم الإثنين، اضطررت، بينما كنت أسير إلى متجر قريب، للتوقف عن تسجيل ملاحظة صوتية، بعدما انهالت علي حبات من البرد، وإن كانت صغيرة، لكنها كانت تضربني باستمرار. ويوم الثلاثاء، شققت طريقي إلى محطة القطار وسط أمطار غزيرة، فيما كانت المياه تتسلل إلى حذائي. أما اليوم، فقد وضعت في حقيبتي أنبوباً من واقي الشمس بعامل حماية 50، وها أنا أقوم ببحث عبر الإنترنت عن مقاه قريبة لديها أفضل أجهزة التكييف. ومن المتوقع أن تصل الحرارة في لندن إلى 28 درجة مئوية، متجاوزة بذلك الرقم المسجل سابقاً في حدائق "كيو غاردنز" يوم الثامن من أبريل (نيسان) الماضي، الذي بلغ 26.6 درجة، لتصبح بذلك أعلى حرارة تسجل هذه السنة حتى الآن.
في أسبوع اتسم بتقلبات حادة في الطقس، أصيب كثيرون في مختلف أنحاء المملكة المتحدة بشيء من الصدمة جراء هذا التغير المفاجئ والحاد، فما الذي يحدث بالضبط؟ ولماذا بدأ الأسبوع كأنه شتاء ثم تحول إلى صيف بين عشية وضحاها؟
بحسب جيم ديل، الخبير البارز في "خدمات الطقس البريطانية"، يعزو السبب إلى التيارات الهوائية، أو ما يعرف باتجاه الرياح والمصدر الذي تأتي منه.
ويوضح ديل "ما حدث في مطلع شهر مايو (أيار) هو أننا تأثرنا بتيار هوائي قطبي معدل، فقد هبطت الجبهة القطبية، وهي الحد الفاصل بين كتل الهواء المعتدلة والباردة، مما يعني أننا كنا ضمن كتلة هواء باردة إلى شديدة البرودة، بدلاً من أي أجواء دافئة، وبقينا في هذه الحال المناخية معظم أيام الشهر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما السبب وراء هذا التحول السريع في الطقس الآن، فيكاد أن يكون انعكاساً كاملاً لتلك العملية، إذ إن "الجبهة القطبية تتجه شمالاً أكثر، مما يسمح بتدفق هواء جنوبي آت من أفريقيا عبر إسبانيا وفرنسا وصولاً إلى المملكة المتحدة. وهكذا يرتفع الضغط الجوي، فنشهد سطوع أشعة الشمس وارتفاع درجات الحرارة، ومعها الرطوبة، وربما بعض العواصف الرعدية بين الحين والآخر".
ويضيف جيسون نيكولز، كبير خبراء التوقعات الجوية الدولية في مؤسسة "أكيو ويذر" AccuWeather لخدمات توقع المناخ، أن سبب هذا التحول الكبير في الطقس مع اقتراب عطلة نهاية الأسبوع الماضية، يعود لمرتفع جوي بالقرب من إسبانيا سيتوسع ليغطي أوروبا الغربية خلال الأيام القليلة المقبلة. ويقول إن "هذا الارتفاع في الضغط الجوي سيؤدي إلى تحويل مسار التيار النفاث ومسار العواصف إلى شمال المملكة المتحدة، بعدما كان متوجهاً نحو شمال أوروبا، وهو ما تسبب بالطقس البارد والماطر خلال الأيام القليلة الأخيرة. ومن المتوقع أن تبلغ موجة الحر ذروتها في بريطانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع [الماضية] وحتى بداية الأسبوع المقبل [الجاري]".
انطلاقاً من ذلك، قد تصل الحرارة هذا الأسبوع إلى 30 درجة مئوية في بعض مناطق جنوب شرقي إنجلترا. وإذا حدث ذلك قبل يوم الإثنين، وهو يوم عطلة رسمية في بريطانيا، فسيكون هذا أقرب موعد يسجل فيه مثل هذا الارتفاع في درجات الحرارة في المملكة المتحدة منذ أكثر من 70 عاماً.
تحوطاً لهذه الظاهرة، أصدر "مكتب الأرصاد الجوية" تنبيهات صحية خاصة بالحرارة، باللون الأصفر [وهو أدنى مستوى من مستويات الإنذار الجوي الرسمي، لكنه يحض الأفراد على أن يكونوا على دراية باحتمال حدوث اضطراب]، موجهة إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر - مثل الكبار في السن والأشخاص الذين يعانون حالات صحية مسبقة - وذلك في خمس مناطق إنجليزية هي: "إيست ميدلاندز"، وشرق إنجلترا، ولندن، و"ويست ميدلاندز"، وجنوب شرقي إنجلترا. تدخل هذه التنبيهات حيز التنفيذ عند الساعة التاسعة صباحاً يوم الجمعة [الـ24 من مايو]، وتستمر حتى الخامسة من مساء يوم الثلاثاء الـ27 منه.
ومن المرجح أن تستوفي هذه الأجواء الدافئة معايير "موجة حر"، التي يعرفها "مكتب الأرصاد الجوية" بأنها ثلاثة أيام متتالية في الأقل، تتجاوز فيها درجات الحرارة العظمى اليومية عتبة محددة تختلف بين مقاطعة وأخرى.
في لندن، تبلغ هذه العتبة 28 درجة مئوية، بينما في المناطق الأكثر برودة في المملكة المتحدة، مثل إيرلندا الشمالية، تبلغ 25 درجة مئوية.
ويرى جيم ديل أن "هذه الموجة التي ندخلها الآن سيكون لها أمد، بمعنى أنها لن تقتصر على يومين أو ثلاثة ثم تنتهي ويعود الطقس لطبيعته، بل أعتقد أنها قد تستمر لفترة من الوقت".
الخبر الجيد الآخر، لمحبي الحمام الشمسي وإن لم يكن لمحبي البستنة، هو أنه من غير المرجح أن نشهد انتقالاً ممطراً من مايو إلى يونيو (حزيران)، ويقول ديل متوقعاً "لا أعتقد أننا سنشهد معدلات مرتفعة من الأمطار في الوقت الراهن، هذا إن وجدت أصلاً، قبل نهاية الشهر".
وعلى رغم أن هذا التحول الحاد في الطقس قد يبدو دراماتيكياً بصورة غير معتادة، إلا أن الخبراء يؤكدون أنه لا يدعو إلى القلق، بل هو أمر متوقع في هذا الوقت من السنة، ويوضح جيسون نيكولز أن "هذه التغيرات في الأنماط شائعة، ولا سيما خلال فصلي الربيع والخريف، وهما فصلان انتقاليين"، مشيراً إلى تقلب مشابه حصل في شهر مايو من العام الماضي، عندما بلغت درجة الحرارة العظمى 13 درجة مئوية في الخامس من مايو عام 2025، ثم قفزت إلى 26 درجة مئوية في الـ11 منه. ويضيف أن "الشهر نفسه من عام 2024 شهد أيضاً نمطاً مماثلاً، لذا فإن التقلبات الحادة في أنماط الطقس خلال الربيع تعد أمراً طبيعياً في مناطق خطوط العرض المتوسطة".
يشار إلى أن فصل الربيع يميل عادة إلى ما يصفه ديل بأنه "طقس متقلب يشبه شخصية ’دكتور جيكل‘ و’مستر هايد‘: فهذه هي طبيعة الربيع بالفعل - له أكثر من وجه، وليس من غير المعتاد أن ننتقل من موجة دفء شديد إلى فترة باردة أو العكس".
يبقى أن الأمر كله مجرد مسألة منظور، في الحقيقة، لذا استرخوا واستمتعوا - ربما احتفظوا بمظلة جاهزة جنباً إلى جنب مع واقي الشمس بعامل حماية 50، تحسباً لأي طارئ.
© The Independent