Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اعتداءات لكن جنسية... جديد التراشق الإسرائيلي الفلسطيني

وقعت "حماس" في فخ ضلوعها بهذا النوع من التجاوزات ليبدو وكأنها تقف مع إسرائيل على قدم المساواة فيها

تطل أخبار التراشق بالاعتداءات الجنسية بين إسرائيل والفلسطينيين بصورة يومية (رويترز)

ملخص

رغم أن منظمات أممية وحقوقية دأبت على تقصي حقائق ونشر تقارير تفيد بارتكاب السلطات الإسرائيلية اعتداءات جنسية ضد الفلسطينيين على مدى عقود، فإن أجواء التراشق بين الطرفين تبلغ ذروتها هذه الآونة، مع ضلوع حركة "حماس"، من قبل إسرائيل، طرفاً فاعلاً لانتهاكات جنسية، وكأن الطرفين باتا متعادلين في هذا الاتهام

تقول النظرية التي تحوّلت إلى قاعدة إن العنف الجنسي يرتبط بأماكن النزاع والصراع، لأنه يستخدم سلاح حرب متعمداً ومنهجياً، وليس مجرد أثر جانبي مؤسف للاقتتال. كلاسيكياً، يستخدمه أحد طرفي النزاع، وأحياناً كلاهما، لترويع المدنيين على الجانب الآخر وهدم الروح المعنوية وبسط السلطة وفرض السيطرة.

وبحسب المتفق عليه أممياً، فإن الاغتصاب وأي نوع من أنواع العنف الجنسي هو انتهاك للقانون الدولي الإنساني عندما يرتكب في سياق نزاع مسلح دولي أو غير دولي. وتطالب نصوص القوانين الدولية الدول بمنع الاغتصاب وأي نوع من أنواع العنف الجنسي، وأن تجرمها في نظمها القانونية الوطنية، تماشياً مع التزامها احترام القانون الدولي الإنساني وضمان احترامه.

وبعيداً من الجوانب النظرية والقوانين الدولية، وكذلك تلك الرغبة الجنسية المريضة لدى المنتهك، فإن تعريض أفراد من المدنيين للانتهاكات الجنسية يهدف في الغالب إلى كسر الشخص نفسياً وإلحاق أقصى درجات الإهانة به وتدمير النسيج الاجتماعي وإلحاق الوصمة والخراب النفسي للمنتهكين، لمعرفة يقينية بأن من تعرض لاعتداء جنسي يحمل وصمة لا يستطيع وأسرته الإفلات منها، على رغم أنه الضحية.

وعلى رغم أن تاريخ العنف والانتهاكات الجنسية المرتبطة بالحروب والصراعات سلاح قديم من أسلحة الحرب، ويستخدم لترويع المدنيين وتحقيق انتصار نفسي مسبق عليهم، إضافة إلى هدف التطهير العرقي، وعلى رغم استمرار النظرة السائدة إلى النساء كغنائم حرب ووسيلة لإذلال الرجال من الخصوم، فإن ما يجري من تصاعد لعملية التراشق باتهامات الاعتداءات الجنسية بين طرفي النزاع الأقدم في التاريخ الحديث، بين الإسرائيليين والفلسطينيين أمر لافت.

جرى عُرف هذا الصراع الذي أتم عامه الـ78 أن يدور في أطر الاحتلال المعروفة، فتراشق بالسرديات التاريخية واحتماء بالعقائد الدينية وتحجج بالأمن القومي والدفاع عن النفس والحديث عن استعادة النظام وتغييره إن لزم الأمر، وغيرها من التعليلات السياسية والقانونية والأيديولوجية المتنوعة. وعلى رغم أن منظمات أممية وحقوقية دأبت على تقصي حقائق ونشر تقارير تفيد بارتكاب السلطات الإسرائيلية اعتداءات جنسية ضد الفلسطينيين على مدى عقود، فإن أجواء التراشق بين الطرفين تبلغ ذروتها هذه الآونة، مع ضلوع حركة "حماس"، من قبل إسرائيل، طرفاً فاعلاً لانتهاكات جنسية، وكأن الطرفين باتا متعادلين في هذا الاتهام.

صخب التراشق

نجحت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين في كسر الحصار الخبري واحتكار الاهتمام اللذين فرضتهما حرب إيران على العالم، وتطل أخبار التراشق بالاعتداءات الجنسية بين إسرائيل والفلسطينيين بصورة يومية، فقبل أيام نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية مقالة رأي للصحافي الأميركي نيكولاس كريستوف أشار فيها إلى "مزاعم" انتشار العنف الجنسي وسوء المعاملة بحق المعتقلين الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية. واعتمد كريستوف على شهادات 14 رجلاً وامرأة وطفلاً قالوا إنهم تعرضوا لانتهاكات جنسية أثناء احتجازهم أو سجنهم تراوح ما بين الاغتصاب باستخدام أدوات والصعق بالكهرباء والإصابات البليغة في الأعضاء التناسلية.

وأشارت روايات الأشخاص الذين تحدث معهم كريتسوف، إلى إجبار على التعري وضرب مبرح يستهدف الأعضاء التناسلية وتهديد بعنف جنسي واغتصاب عبر استخدام أدوات وكلاب حراسة وغيرها. وعلى رغم أن الصحافي لفت إلى عدم وجود دليل صريح على أن القيادة الإسرائيلية العليا تأمر بالاغتصاب، فإنه ذكر أن إسرائيل أنشأت جهازاً أمنياً يعد العنف الجنسي "إجراء تشغيلياً قياسياً" وآلية أساسية لسوء المعاملة، مستشهداً بتقارير سابقة صدرت عن الأمم المتحدة.

مقالة نيكولاس كريتسوف لم تقابل فقط بنفي ورد فعل شديد الغضب، ووصف لما ورد فيها بـ"الافتراء الدموي"، إضافة إلى تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برفع دعوى تشهير ضد الصحيفة، لكن موجات وهوجات من توجيه اتهامات لـ"حماس" بارتكاب الاعتداءات والانتهاكات الجنسية تصاعدت وتفاقمت بالتوازي مع نشر المقالة، في ما يمكن وصفه بـ"حرب التقارير".

 

وصدر تقرير عما يسمى "اللجنة المدنية لجرائم ’حماس‘ ضد النساء والأطفال والعائلات" قبل أيام قليلة، وأورد اتهامات للحركة وفصائل فلسطينية بارتكاب "أعمال عنف جنسي ممنهجة وواسعة النطاق" خلال هجوم أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، وأثناء احتجاز الرهائن في غزة. وجاء ضمنه أن "الجرائم اتسمت بقدر بالغ من الوحشية وبمعاناة إنسانية عميقة لحقت بالضحايا بطريقة تهدف إلى تعظيم أجواء الرعب والإذلال"، وغيرها من تفاصيل شهادات ونتائج بحث وتقصي بدأت في الشهر التالي للعملية واستمرت على مدى عامين.

وكما هو متوقع، نفت "حماس" الاتهامات، ووصفت ما نُسب إليها بأنها محاولة من إسرائيل للتغطية على "جرائم سجانيها" في حق المعتقلين الفلسطينيين، مما نفته تل أبيب بدورها، لتدخل عملية التراشق بالاتهامات الجنسية ونفيها دائرة مفرغة تملأ الأثير صخباً.

صخب التراشق بالانتهاكات الجنسية على هامش القضية الفلسطينية التي هي الرئيسة، يدهش العالم، وأحياناً يجذب انتباهه بعيداً من الصراع الرئيس. فضمن التقرير السنوي الـ16 للأمين العام للأمم المتحدة حول العنف الجنسي المرتبط بالصراعات، والصادر في أغسطس (آب) 2025، جرى رصد استخدام العنف الجنسي على مدى عام 2024 كأداة من أدوات الحرب والتعذيب والإرهاب والقمع السياسي، ووثق تعرض نحو 4600 شخص لانتهاكات جنسية في العالم من قبل دول وكيانات على مدى ذلك العام، مما مثّل زيادة 25 في المئة مقارنة بعام 2023. وجاء في التقرير أن هذه الأرقام المقلقة لا تعكس حقيقة العنف النطاق الدولي مدى انتشار هذه الجرائم.

في ذلك العام، جرى إدراج حركة "حماس" للمرة الأولى ضمن ملحق التقرير بناء على معلومات وثقتها الأمم المتحدة، وأشارت إلى "أسباب معقولة للاعتقاد بأن بعض الرهائن الذين أخذوا إلى غزة تعرضوا لأنواع مختلفة من العنف الجنسي أثناء احتجازهم، ومعلومات واضحة ومقنعة بأن العنف الجنسي ارتكب أيضاً أثناء هجمات السابع من أكتوبر في ستة مواقع في الأقل".

وللمرة الأولى أيضاً تضمن التقرير ملحقاً لإخطار الأطراف باحتمال إدراجها في التقرير التالي للأمين العام. وأشار بيان صحافي صادر عن المنظمة الأممية في ذلك الحين إلى أن "الرفض المستمر لدخول مراقبي الأمم المتحدة في سياق إسرائيل والأرض الفلسطينية، والأراضي المحتلة موقتاً في أوكرانيا، جعل من الصعب توثيق وتحديد بصورة قاطعة أنماط واتجاهات ومنهجية العنف الجنسي في هذه السياقات".

قلق من أنماط العنف

إلا أن التقرير أشار كذلك إلى أنه نظراً إلى القلق البالغ في شأن أنماط محددة من العنف الجنسي المرتكب من قبل القوات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، والقوات العسكرية والأمنية الروسية والجماعات المسلحة المرتبطة بها، فقد أخطر الأمين العام للأمم المتحدة هذه الأطراف باحتمال إدراجها على قائمة مرتكبي الانتهاكات خلال الفترة التي يغطيها تقريره المقبل"، وتعلق هذا "القلق" تحديداً بأعمال عنف وانتهاكات جنسية ارتكبت داخل أماكن الاحتجاز.

واللافت أن جهات حقوقية عدة أصدرت تقارير مشابهة توثق شهادات ضحايا فلسطينيين تعرضوا للعنف الجنسي داخل السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، بما في ذلك الاغتصاب، سواء الرجال أو النساء أو الأطفال، ومن بينها تقرير صادر عن "الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" في أبريل (نيسان) عام 2025 عنوانه "إبادة جماعية خلف الجدران". ووثق التقرير للعنف الجنسي الذي يرتكب داخل مراكز الاعتقال والسجون الإسرائيلية، وما سمّاه "هندسة الإفلات من العقاب"، خلال الفترة ما بين أكتوبر 2023 وعام 2025.

ووصف التقرير ما يتعرض له الفلسطينيون من السجناء والمحتجزين بـ"عمد إلى كسر الإرادة الفردية والجماعية وإحداث ضرر جسدي ونفسي بالغ في المجتمع الفلسطيني".

كذلك نشر "مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة" (بتسيلم) تقريراً في يناير (كانون الثاني) الماضي عنوانه "جهنم على الأرض" حوى معلومات بناء على شهادات لـ21 أسيراً فلسطينياً أُفرج عنهم من مراكز احتجاز إسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة، واستناداً كذلك إلى عمل منظمات حقوق إنسان إسرائيلية ودولية. وأشار التقرير إلى ممارسات مستمرة ومتصاعدة داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، وصفت بـ"الممارسات التنكيلية المنهجية"، وتشمل العنف الجسدي الذي تحوّل إلى نهج ثابت، وكذلك التنكيل النفسي والتجويع ومنع تلقي العلاج وغيرها.

 

تنفي إسرائيل تارة، وتهدد بمقاضاة صحف ومؤسسات تتهمها بارتكاب واتباع أنماط من الانتهاكات الجنسية ضد الفلسطينيين تارة أخرى، وتستمر موجات الانتهاكات ذات الطابع الجنسي باستمرار الصراع، ومعها موجات اهتمام العالم فيها. والجديد في هذه الموجة هو ضلوع الجانب الفلسطيني ممثلاً بـ حركة "حماس" وعدد من الفصائل، في ضوء ما جرى أثناء عملية السابع من أكتوبر عام 2023، وتواتر تقارير عن انتهاكات ذات طابع جنسي أثناء تنفيذ العملية.

بعد عقود من اتخاذ الاتهامات المتبادلة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني شكلاً ثابتاً ذا مكونات معروفة، إذ إن الجانب الفلسطيني يتهم إسرائيل بالاحتلال وحصار الأراضي الفلسطينية وشن العمليات العسكرية بين حين وآخر، والتضييق على الفلسطينيين في تفاصيل حياتهم اليومية واقتصادهم وتنقلاتهم وغيرها، وارتكاب انتهاكات ذات طابع جنسي داخل السجون وأماكن الاحتجاز كجزء من الحرب النفسية وتدمير الروح المعنوية، بينما الجانب الإسرائيلي يتهم الفلسطينيين بالقيام بعمليات "إرهابية" وتهديد الأمن الإسرائيلي واستخدام الدروع البشرية والإصرار على المقاومة "العنيفة" واستغلال المساعدات التي تدخل إلى الأراضي الفلسطينية لا للتنمية، لكن لحفر الأنفاق ودعم القوة العسكرية للحركات والفصائل، أصبح مكون الانتهاكات الجنسية قائماً وبقوة ضمن حرب الاتهامات المتبادلة. ونجحت إسرائيل، ووقعت "حماس" في فخ ضلوعها بهذا النوع من التجاوزات، ليبدو وكأن الطرفين يقفان على قدم المساواة فيها.

تسييس ورفض

ويجري حالياً تسييس هذا التراشق بصورة واضحة، ويصعّد الطرفان من استخدامه ضمن جهود نزع الشرعية عن الآخر. وتجري أيضاً حلقات توجيه الاتهامات عبر تقارير، ثم نفيها ورفضها من الطرف الآخر، ووصفها بالمضللة والمفبركة والهادفة إلى تشتيت الانتباه بعيداً من القضية الرئيسة، ثم الرد على التقرير بتقرير مماثل في محتوى الانتهاك الجنسي ومتفوق عليه في حجم الاعتداءات وبشاعتها، وهلم جرا.

السرديتان متشابهتان لدرجة التطابق، لكن عمر الأولى من عمر الصراع، في حين خطت الثانية أولى خطواتها في السابع من أكتوبر عام 2023. فأي السرديتين ستنتصر على الأخرى، وكيف، يبدو سؤالاً صعباً نظراً إلى عدم تكافؤ الطرفين، إضافة إلى أن النصر لن يكتب للأصدق بالضرورة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عوائق عدة تحول دون الوصول إلى الحقيقة، فبين تردد كثرٍ من الضحايا الفلسطينيين في الإبلاغ، ناهيك عن توافر أدوات الإبلاغ نفسها، والصدمة والوصمة والشعور بالذنب، والخوف من رفض المجتمع واستمرار الصراع مما يؤثر في الأساسيات ومنها البقاء على قيد الحياة، وتفاوت المؤسسات والهيئات الدولية والحقوقية في قدراتها على التوثيق، والشكوك المتصاعدة حول صدقية التحقيقات المستقلة، وانقسام الرأي العام الدولي والقانوني ومنظمات حقوق الإنسان في مواقفها تجاه طرفي الصراع، ولا سيما بعد عملية السابع من أكتوبر التي أفقدت الجانب الفلسطيني قدراً من التعاطف في العالم، ولا سيما خلال الأشهر الأولى التالية للعملية.

خلاصة القول، عوامل عدة أخرى غير الوقائع ستحدد رواية من ستنتصر. أية رواية ستحظى بقبول العالم وتعاطفه وتضامنه، أو بتجاهل العالم وربما رفضه واستنكاره، لن تتعلق بالرواية نفسها، بقدر ما وراءها من مهارات سياسية ودبلوماسية وتحالفات جيوسياسة ورسائل تسويقية وأهداف وأجندات المؤسسات الإعلامية الكبرى والتحيزات المنهجية المسبقة المرتبطة بالصراع منذ تفجره.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير