ملخص
تبرز الوثيقة أن حركة "حماس" صاغت خطتها العسكرية بناءً على ثقة مطلقة، ويقين تام بأن أطراف "محور المقاومة" ستندفع معها في مواجهة شاملة ومباشرة. وظهر هذا الرهان جلياً في صيغة الطلب الموجه لنصرالله: "أخونا الحبيب، إن ثمن أي تردد سيكون كبيراً ولا يمكن تحمله، لا بالنسبة لمشروعنا جميعاً ولا بالنسبة لكم وللجمهورية الإسلامية"، مؤكدين أن هناك تفاهمات مسبقة جرت في لقاءات مشتركة تم الاتفاق فيها "على أن نبدأ نحن عندما يتحقق المبرر".
لم تكن الرسالة السرية الموجهة من قيادة حركة "حماس" (محمد الضيف، ويحيى السنوار، ومروان عيسى) إلى الأمين العام السابق لـ"حزب الله" اللبناني حسن نصرالله، قبيل انطلاق هجوم "السابع من أكتوبر"، مجرد إخطار عملياتي في لحظة حرجة، بل هي وثيقة استراتيجية تكشف، عند تحليلها، عن طبيعة الحسابات المعقدة والرهانات الجيوسياسية التي سبقت الهجوم وصاحَبَته.
الرسالة التي نشرتها صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، تقدم فرصة لقراءة المشهد الإقليمي ومراجعة سلوك القوى المؤثرة فيه، بعيداً من السرديات الجاهزة، كاشفة عن تباين واسع بين التوقعات الميدانية والواقع على الأرض الذي تشكل لاحقاً.
من خلال تشريح نص الوثيقة ومقارنتها بالقراءة التحليلية الإسرائيلية، تبرز ثلاث قضايا رئيسة ترسم الملامح الحقيقية لخطوط الصراع الإقليمي.
أولاً: توقيت الهجوم ومسارات السلام الإقليمية
توضح الرسالة التي لم تؤكد صحتها "حماس" بعد أو تنفيها أن التوقيت لم يكن معزولاً عن الحراك الدبلوماسي الذي كانت تشهده المنطقة، لا سيما المساعي التي تقودها السعودية لانتزاع حقوق تاريخية وإيجاد أفق لا رجعة عنه لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وقد عبّر قادة "حماس" عن توجسهم من هذا المسار في متن الرسالة قائلين: "إن الجهود المحمومة لاستكمال التطبيع بين السعودية ودولة الاحتلال، والتي بدأت بخطوات عملية، ستفضي قريباً إلى اتفاق. وهذا الاتفاق... سيقلص الفرص أمام محور المقاومة واستراتيجياته وأهدافه"، لإدراكهم أن المسار السعودي ليس كبقية العلاقات المجانية مع تل أبيب.
وتكشف هذه الفقرة عن فجوة رؤية عميقة، فبينما كانت القنوات الدبلوماسية العربية تسعى للبناء على مكتسبات الاتفاقيات السابقة كإطار "أوسلو" لتمكين الهوية السياسية الفلسطينية على الأرض، اختارت الحركة خيار الصدام الشامل تحت مبرر إحباط تلك الخطوات. وفي الوقت الذي ركزت فيه قراءة "معاريف" على أن "حماس" وظفت "الكم الهائل من التفاصيل" حول اقتحامات المسجد الأقصى كقوة دفع وحيدة لجمع الأمة وإيجاد مبرر للهجوم، فإن نص الرسالة يذهب أبعد من ذلك ليربط العمل العسكري بغايات أيديولوجية عابرة للحدود، تمثلت في السعي نحو "تحقيق رؤية الإمام الخميني بإشعال الثورة الإسلامية الكبرى وإذابة الطائفية".
وهي واحدة من الجزئيات في الرسالة التي أظهرت العلاقة بين الهجوم والنظام الإيراني، حتى وإن جرى إخفاء التوقيت لمخاوف استخباراتية. ويكشف عن المخاوف الحقيقية لطهران ومحورها بأن يسحب بساط تثوير المنطقة من تحت أقدامهم، من خلال إحراز سلام، يحقق يحدد الحد الأدنى من مطالب الفلسطينيين الرئيسة، ويخفض كلفة الصراع المرير.
ثانياً: الرهان الخاسر على محور إيران
تبرز الوثيقة أن حركة "حماس" صاغت خطتها العسكرية بناءً على ثقة مطلقة، ويقين تام بأن أطراف "محور المقاومة" ستندفع معها في مواجهة شاملة ومباشرة. وظهر هذا الرهان جلياً في صيغة الطلب الموجه لنصرالله: "أخونا الحبيب، إن ثمن أي تردد سيكون كبيراً ولا يمكن تحمله، لا بالنسبة لمشروعنا جميعاً ولا بالنسبة لكم وللجمهورية الإسلامية"، مؤكدين أن هناك تفاهمات مسبقة جرت في لقاءات مشتركة تم الاتفاق فيها "على أن نبدأ نحن عندما يتحقق المبرر".
وقدمت الحركة في رسالتها تصوراً تكتيكياً بدا متفائلاً جداً بقدرة المحور على شل إسرائيل في أيام معدودة، إذ كتبت تقول: "إن قصفاً مركزاً بالصواريخ على الشرايين الأساسية للاحتلال في رشقات كبيرة تُشتّت وتستنزف القبة الحديدية... سيؤدي إلى شلّ قدرة سلاح الجو... وإن استمرار القصف المكثف والهجمات بالطائرات المسيّرة لمدة يومين أو ثلاثة سيحقق الهدف بإذن الله".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهي تقديرات لا يمكن الجزم بها، إذ على رغم حمل الرسالة لغة جهادية، تشبه أدبيات التيار الذي تنتمي إليه حركة "حماس" و"حزب الله"، فإن الطرف الآخر من المعركة لم يعلق عليها حتى الآن.
لكن مجريات الأحداث اللاحقة كشفت عن خسران كامل للرهان الذي عبرت عنه الرسالة، إذ آثرت الأطراف الإقليمية الفاعلة في المحور عدم الانخراط في قتال مفتوح وشامل، واكتفت بجبهات إسناد ومناوشات محكومة بسقوف تكتيكية حذرة تجنباً لحرب إقليمية واسعة. وتلفت "معاريف" في قراءة لاحقة للرسالة إلى أن هذا التردد في القراءة الاستراتيجية شكّل صدمة للحسابات الميدانية في غزة، ورجحت أن التمسك به هو الذي انتهى بتفكيك القدرات العسكرية للحركة وتصفية قياداتها التاريخية بمن فيهم الموقعون على الرسالة (الضيف، والسنوار، وعيسى)، والذين أظهرت الوثيقة – بحسب الصحيفة – أن محمد الضيف هو من كان يمسك بالثقل العملياتي والتخطيطي الأكبر فيها، وليس السنوار كما يعتقد في السابق.
ثالثاً: غطرسة الاحتلال وفخ الانتهاكات
على الجانب الآخر، تكشف القراءة النقدية عن أن إسرائيل لم تكن بريئة، إذ وفرت انتهاكاتها المستمرة في القدس والضفة الغربية الغطاء لتفجير العنف، والتمكين لـ"حماس" بهدف الإضرار بقيام دولة فلسطينية في رام الله، لكن المفاجأة التي رصدتها "معاريف" في الوثيقة هي الخلو التام لنص الرسالة من أي مراهنة على الأزمات الداخلية الإسرائيلية، أو احتجاجات الطيارين، بل إن قادة "حماس" كانوا مرعوبين من الأزمة الداخلية الإسرائيلية، وكتبوا أن نتنياهو "سيهرب أكثر من أزماته الداخلية ليعيد ترميم حالة الردع ضدنا جميعاً".
غير أن قراءة "معاريف" تشير إلى مفارقة أخرى في سلوك "حماس"، فالرسالة دعت نصرالله إلى تبني خطاب سياسي مرن يتحدث عن هدف "إلزام إسرائيل بالقرارات الدولية" وليس تدميرها، لتقليل تضامن الغرب مع إسرائيل عسكرياً، لكن الممارسة الفعلية على الأرض في السابع من أكتوبر جاءت مناقضة تماماً، وتجاوزت العمل العسكري إلى انتهاكات واستهداف للمدنيين، أججت الغضب الدولي.
هذه الممارسات الميدانية منحت حكومة بنيامين نتنياهو الذريعة السياسية والغطاء الدولي الشامل أول الأمر لشن حرب تدميرية غير مسبوقة على قطاع غزة.
في المقابل، تظهر الوثيقة كيف ارتدت سياسات نتنياهو الأمنية عليه، إذ تشير "معاريف" إلى أن إسرائيل كانت أسيرة مفهوم أمني واهم، يقوم على احتواء "حماس" بالمال والتسهيلات الاقتصادية – والتي كان آخرها زيادة تصاريح العمال قبل أيام من الهجوم – اعتقاداً بأن الحركة مذعنة، وهو ما جعل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ليلة الهجوم تسيء تقدير الموقف وتتجنب القيام بأي تحرك استباقي خشية استفزاز "حماس"، ليتضح في النهاية أن سياسة استرضاء "حماس" ومحورها على حساب رام الله والغرور الاستخباراتي قادت إلى كارثة أمنية وتاريخية غير مسبوقة.
رسالة التسريب
يقدم الباحث الأردني المختص في قضايا المنطقة السياسية محمد الزغول قراءة مغايرة للرسالة المسرّبة لـ"اندبندنت عربية"، فهو يرى أنها – إذا صحّت – لا تعكس تنسيقاً مسبقاً، بل تكشف عن "محاولة سريعة لاحتواء ارتدادات حدث ضخم بدأ بالفعل". ويلفت الزغول إلى أن نبرة الرسالة أقرب إلى الشرح والتبرير والاعتذار الضمني لعدم الإبلاغ المسبق، مما يطرح سؤالاً حساساً حول ما إذا كان السابع من أكتوبر "قراراً مستقلاً حاول لاحقاً جرّ الحلفاء إلى قلب المواجهة"، معتبراً الوثيقة بمضمونها العقدي والرمزي "رسالة ما بعد الانفجار لا وثيقة ما قبل الحرب".
من جانب آخر، يربط الزغول بين المضمون والتوقيت الإسرائيلي الحرج للكشف عن هذه الوثائق، إذ يتزامن التسريب مع حديث متصاعد عن توسيع العمليات، ويأتي عقب اغتيال عز الدين الحداد، الذي يُنظر إليه كآخر القادة الميدانيين الكبار المرتبطين بالتخطيط لـ"الطوفان". وبناءً عليه، يرى الباحث أن إسرائيل لا تسرّب هذه الوثائق في لحظة عابرة، بل تستخدمها كجزء من عملية نفسية للإيحاء بأن "الحلقة التي قادت السابع من أكتوبر باتت مكشوفة ومطاردة حتى آخر رجالها".
وفي قراءته للوظيفة السياسية للتسريب، يوضح الزغول أن تل أبيب توظف الرسالة في اتجاهين متناقضين، فهي تؤكد الارتباط السياسي للمحور، وفي الوقت ذاته توحي بوجود "خلل وانعدام ثقة داخل المحور نفسه" لعدم اطلاع الحزب على التوقيت. ويخلص الباحث إلى أن الأهمية الحقيقية للتسريب لا تكمن في النص الحرفي الذي قد يكون خضع لإعادة صياغة، بل في كون التوقيت يبدو بمثابة "إعلان سياسي عن إغلاق فصل كامل من الحرب، والاستعداد لمرحلة جديدة أو حرب جديدة بعناوين جديدة".
في نهاية المطاف تسجل صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في قراءتها للرسالة أن نصرالله ارتكب خطأ حياته، وهو الذي تمتع لجيل بصورة "الحكيم" العارف بكيفية ردع إسرائيل، عندما لم ينضم للمعركة في ساعتها الأولى، ليقع بدقة في الفخ الذي حذرته منه قيادة "حماس" في رسالتها الاستباقية حين نبهته إلى أن "ثمن أي تردد سيكون كبيراً ولا يمكن تحمله". وأشارت الصحيفة بسُخرية إلى أن نصرالله عجز عن قراءة الخريطة الاستراتيجية بصورة صحيحة، ولم يستوعب حقيقة الموقف إلا بعد أن انهار مخبؤه فوق رأسه، معقبة على هذا الخذلان والمفارقة بعبارة لا تخلو من الشماتة: "يا له من حظ!".
في ما يلي، أبرز الاقتباسات من الرسالة:
1. إفشال "جهود السلام"
"إن الجهود المحمومة لاستكمال التطبيع بين السعودية ودولة الاحتلال، والتي بدأت بخطوات عملية، ستفضي قريباً إلى اتفاق (...) وسيقلّص الفرص أمام محور المقاومة واستراتيجياته وأهدافه."
2. محو "مرحلة أوسلو"
"هذه المعركة، بفضل الله، ستغيّر المعادلات والقواعد التي أصبحت من المسلمات. لن يبقى أوسلو ولا سلطة التنسيق الأمني، وستنهار أنظمة الخيانة والتطبيع."
3. عذر "كتمان السر"
"وقد تطلب ذلك مستوى عالياً من السرية حتى داخل صفوف القيادة لدينا (...) خشية أن يكشف العدو النيات ثم يبادر بضربة ساحقة ضدنا (...) ونحن واثقون أنكم، كما نعرفكم، ستعذروننا لأننا لم نطلعكم على السر."
4. كلفة "أي تردد"
"أخونا الحبيب، إن ثمن أي تردد سيكون كبيراً ولا يمكن تحمله، لا بالنسبة لمشروعنا جميعاً ولا بالنسبة لكم وللجمهورية الإسلامية (...) ونحن نرى أن عليكم الإسراع والمشاركة."
5. خطة "شلّ قدرة سلاح الجو"
"إن استمرار القصف المكثف والهجمات بالطائرات المسيّرة لمدة يومين أو ثلاثة سيحقق الهدف بإذن الله (...) سيؤدي إلى شلّ قدرة سلاح الجو واستنزاف صواريخ القبة الحديدية."
6. تحقيق "رؤية الإمام الخميني"
"سنمحو مرحلة الصراعات والنزاعات التي ضربت المنطقة، وسنحقق بإذن الله أعظم تحول تاريخي في تاريخ الإسلام، يتمثل في إذابة الطائفية (...) وتحقيق رؤية الإمام الخميني، رحمه الله، بإشعال الثورة الإسلامية الكبرى."
7. عقاب مناسب
"هذا عقاب مناسب لاعتداءاته على مسجدنا الأقصى، خاصة في الأسابيع الأخيرة (...) حيث اقتحمت قواته المسجد الأقصى المبارك، وأمطرت المصلى القبلي بقنابل الغاز (...) واعتدت بالهراوات وأعقاب البنادق والرصاص المطاطي على رؤوس المعتكفين والمعتكفات".