ملخص
كان الاتحاد الأوروبي يحاول مواصلة تحوله المنهجي بعيداً من موارد الطاقة الروسية. وقد فرض حظراً على الواردات قصيرة الأجل من الغاز الطبيعي المسال الروسي، وكان من المتوقع التخلص التدريجي الكامل من الغاز والنفط الروسيين بحلول عام 2027، لكن الوضع انقلب رأساً على عقب في الأشهر الأخيرة، وصار لزاماً على الأوروبيين أن يفكروا مطولاً بجدوى الطلاق مع روسيا إذا ما كانوا يحتاجون بالفعل لموارد الطاقة منها.
وسط تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتواترة لإيران، تحافظ أسعار النفط العالمية على أسعارها المرتفعة فوق الـ100 دولار للبرميل، ويظل الوضع المحيط بمضيق هرمز عاملاً رئيساً في عدم الاستقرار العالمي. وبينما تُصعّد الولايات المتحدة ضغوطها على طهران لإجبارها على الاستجابة لشروطها، تبقى أوروبا، بحسب هارالد نويبر، كاتب عمود في صحيفة "برلينر تسايتونغ" مراقباً سلبياً، مما يُنذر بأزمة طاقة واقتصاد جديدة تجتاح القارة العجوز.
تهديدات ترمب وصمت أوروبا
يكتب هارالد نويبر، في صحيفة "برلينر تسايتونغ" الألمانية "دونالد ترمب يهدد إيران، وأسعار النفط ترتفع، وأوروبا تلتزم الصمت. مضيق هرمز لا يزال مغلقاً، وأسعار البنزين إلى ازدياد. السؤال الأهم: ما الذي ستفعله أوروبا؟".
مساء الأحد الـ17 من مايو (أيار) الجاري، أمسك دونالد ترمب لوحة المفاتيح وكتب على حسابه "الوقت ينفد أمام إيران، وعليها أن تتحرك بسرعة وإلا فلن يبقى منها شيء. الوقت ينفد"، أحرف كبيرة، علامات تعجب، وإشارة تعجب رقمية على حسابه في "تروث سوشيال" مفادها بأن "الوقت ينفد وصبره أيضاً".
بعد ساعات قليلة، ومع افتتاح التداول صباح الإثنين، قفز سعر خام برنت بنسبة تقارب اثنين في المئة ليصل إلى نحو 111 دولاراً للبرميل. وارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، المعيار الأميركي، إلى ما يقارب الـ108 دولارات للبرميل. وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر "ستاندرد أند بورز 500" بأكثر من 0.6 في المئة، وأغلقت البورصات في طوكيو وشنغهاي وتايبيه على انخفاض حاد. منشور واحد، بضعة أسطر من المشاعر، ومليارات الدولارات من القيمة السوقية كانت كافية لإحداث تغيير جذري.
هذه الصورة تقول كل شيء عن هذه الحرب: وقف إطلاق النار الهش بين واشنطن وطهران موجود فقط على الورق، ومضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق تمر عبره كثير من إمدادات النفط والغاز في العالم، لا تزال حرية الملاحة فيه مهددة.
هذه هي اللحظة التي تتلاقى فيها الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة واللامبالاة السياسية في معادلة واحدة ضيقة الأفق. أوروبا تكتفي بأن تراقب بصمت وكأنها لا تُبالي. إلا أن هذه العبارة تخفي أكثر من مجرد افتقار الرئيس الأميركي للتعاطف معها. إنها عرض من أعراض إعادة تشكيل جيوسياسية تُسخّر فيها الطاقة مجدداً كسلاح، ويتسلل الصراع، عبر أسعار الوقود وفواتير البقالة، حرفياً إلى غرف المعيشة في جميع أنحاء العالم. وتبدو أوروبا متفرجاً نسي أن المشهد الذي يشاهده يلعب هو أحد أكثر أدواره هشاشة، بحسب مراقبين.
كيلومترات مضيق هرمز التي يعتمد عليها العالم
ارتفاعات أسعار النفط وموارد الطاقة بصورة عامة ترتبط هذه الأيام بما يكتبه ترمب على منصة "تروث سوشيال".
ديناميكيات السوق لا تعمل وهي معطلة، بل ما يفلح في تذبذب الأسعار هو التهديدات المتوالية ضد إيران التي تشكل تلاعباً واضحاً بجيوب وبمشاعر المستهلكين.
مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق يمتد لنحو 30 كيلومتراً بين الخليج العربي وخليج عُمان، مغلق فعلياً منذ فبراير (شباط). ويُعدّ هذا المضيق عادة معبراً لنحو 20 في المئة من النفط وموارد الطاقة للأسواق العالمية، فضلاً عن حصة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. ومع استمرار إغلاق هذا المضيق، تتزايد حال عدم اليقين في أوروبا، وتختفي الثقة بعودة حرية الملاحة والعبور بلا قيود، وتصبح الإمدادات العالمية الموثوقة في ظل اقتصاد معولم ضرباً من الخيال. وأوروبا أكثر من يعاني من أزمة التزود بموارد الطاقة، فيما أكثر بلد يعاني عجزه عن تصريف إنتاجه من الغاز المسال هو قطر. فقد توقفت هذه الدولة الخليجية، التي تستمد أكثر من 60 في المئة من إيرادات ميزانيتها من الغاز ومشتقاته، عن شحن الغاز الطبيعي المسال تقريباً لأكثر من شهرين. وتقوم شركة قطر للطاقة بتخفيض الإنتاج في رأس لفان.
موارد الطاقة ليست مجرد محرك لعجلة الاقتصاد، بل هي سياسة خارجية في صورة سائلة. من يفتح الصنبور، أو يغلقه، يُغير موازين القوى أسرع من أي قرار لمجلس الأمن الدولي. إيران تُدرك ذلك، وترمب يُدركه، وفلاديمير بوتين أدركه منذ عام 2022. لكن يبدو أنهم في أوروبا عامة، وفي برلين على وجه الخصوص، يُجبرون اليوم على تعلم هذا الدرس مراراً وتكراراً.
ماذا إذا استمر إغلاق مضيق هرمز؟
إذا استمر إغلاق هذا المضيق الحيوي، سيواجه العالم انقطاعاً غير مخطط للتيار الكهربائي بحسب ما يقول الخبراء. وتُظهر ديناميكيات الأسعار الحالية أن مجرد الإعلان عن استمرار إغلاق المضيق أو التهديد بإغلاقه حتى إشعار آخر، يؤدي بالفعل إلى ارتفاعات حادة في الأسعار.
إن الحصار المطول لن يقتصر أثره على تعطيل إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال فحسب، بل سيهدد أيضاً أمن الممرات البحرية في الخليج العربي وإمدادات الأسمدة الزراعية ومكوناتها منها. وستتضرر أوروبا بشدة، إذ قد تتفاقم أزمة الطاقة مع تعطل سلاسل إمداد النفط والغاز الرئيسة. ونتيجة ذلك، ستتفاقم أزمة الأسعار في الأسواق ومحطات الوقود بسرعة.
أزمة الحياة اليومية
تبدو الجغرافيا السياسية مجردة حتى تتغير. فقد أكد المحلل الاقتصادي الإيرلندي، فيليب بيلكينغتون، في الـ20 من مايو أن أوروبا ستكون مجبرة على التوجه إلى روسيا بسبب أزمة الطاقة للحصول على وقود الديزل. فكتب على صفحته على منصة "إكس": بدأ الأوروبيون الآن يطلبون من روسيا تزويدهم بوقود الديزل. الوضع يائس بصورة واضحة، غير أن الناس لا يبلغون بالقدر الكافي عن حجم هذه الأزمة، كان ينبغي عليهم ترشيد الاستهلاك الآن، بدلاً من انتهاج سياسة المماطلة والتغطية على الأزمة".
وأشار هذا المحلل الاقتصادي الإيرلندي إلى أن بريطانيا لم تعد قادرة على الخروج من أزمة الوقود من دون المنتجات النفطية الروسية.
وأعلن المدير التنفيذي للمكتب الدولي للسلام راينر براون، في مقابلة مع صحيفة "برلينر تسايتونغ"، أن أوروبا بحاجة إلى تحسين العلاقات مع روسيا. وقال "أعتقد أن روسيا بالتأكيد لا ترغب في صراع مع حلف ‘الناتو‘. لدي انطباع بأن الجانب الروسي، كما في الماضي، مهتم بتلطيف العلاقات مع أوروبا ومستعد لتقديم تنازلات لتحقيق ذلك. لكن الخطوة التالية يجب أن يتخذها الغرب الآن".
ورأى براون أن تحسين العلاقات مع روسيا سيعود بالنفع على الدول الأوروبية. وأضاف أن "الحفاظ على علاقات معقولة مع موسكو كان ولا يزال من أهم مصالح الاتحاد الأوروبي". وقال "بإمكان روسيا أن تفعل ما تشاء، لكن الغرب لا يزال لا يرى سوى المواجهة. لقد رسّخت صورة ‘عدو روسيا‘ سياسة جمهورية ألمانيا الاتحادية منذ تأسيسها. لم تعد روسيا مستعدة للتسامح مع أي شيء، وهو ما يُعد، بالمناسبة، دليلاً على قوتها. تمتلك روسيا قوة دولة عظمى، يجب احترامها. إذا لم نعد إلى الحوار، فسنبقى عالقين في مواجهة مسدودة".
بالنسبة لألمانيا وأوروبا، تبدو الصورة متشابهة من حيث البنية، لكنها غائبة ظاهرياً عن الخطاب العام. تصل أسعار النفط المتزايدة إلى محطات الوقود في المدن متأخرة من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. ويواجه البنك المركزي الأوروبي، الذي تعافى لتوه من صدمة التضخم في الفترة بين 2022 و2023، تضخماً مستورداً مرة أخرى. وستتعرض أسعار الكهرباء الصناعية، التي تُعد بالفعل نقطة ضعف الاقتصاد الأوروبي، لضغوط إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال من مصادر بديلة. وستزيد احتياجات الطاقة لمراكز البيانات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي (التي تستهلك حالياً من الكهرباء ما يعادل متوسط استهلاك دولة صناعية) من تفاقم الوضع.
حالة الاقتصاد الألماني وارتفاع أسعار البنزين
تُؤثر ديناميكيات أسعار النفط الحالية والغموض المحيط بمضيق هرمز تأثيراً بالغاً على الاقتصاد الألماني. فبالنسبة للمستهلكين، تعني أسعار البنزين المرتفعة نفقات إضافية مباشرة في حياتهم اليومية، فضلاً عن زيادة تكاليف نقل البضائع.
يواجه قطاع الخدمات اللوجيستية ارتفاعاً في التكاليف، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية. وتضطر الشركات إلى الاستعداد لارتفاع تكلفة واردات الطاقة واضطرابات في سلاسل إمداد الغاز الطبيعي المسال، مما يزيد من خطر نشوب أزمة طاقة جديدة في أوروبا. وفي الوقت ذاته، لا يزال الاعتماد على واردات النفط يشكل خطراً رئيساً على الاستدامة الاقتصادية. ولكن، كيف تتعامل برلين مع هذا الوضع؟
ألمانيا توقفت عن شراء النفط الروسي منذ بداية الحرب في أوكرانيا. كانت تستهلك كثيراً منه قبل ذلك، وهناك مصافي نفط كانت مخصصة لمعالجة نفط جبال الأورال الروسي حصراً. وبدلاً من النفط الروسي، بدأت ألمانيا بتلقي النفط من كازاخستان عبر خط أنابيب دروجبا نفسه. وقد استمر هذا النظام لمدة أربعة أعوام. اتخذت ألمانيا خطوات مهمة نحو تنويع مصادر إمدادها بالنفط، حيث تشتري النفط من دول أخرى، وتوصله إلى ميناء روستوك، وكذلك إلى ميناء غدانسك البولندي، ومنه يُنقل إلى ألمانيا عبر خط الأنابيب.
مع ذلك، بقيت نسبة معينة من النفط الكازاخستاني، نحو 17 في المئة، في المخزون. وفي الأول من مايو، أعلنت الحكومة الروسية، ممثلة بنائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، من جانب واحد، إنهاء عملية العبور لأسباب فنية غير معروفة.
وسبق ذلك إعلان نوفاك، أن الشركات الروسية ستقوم قريباً بتحويل بعض إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال من أوروبا إلى دول صديقة أخرى.
أثار هذا الأمر في البداية قلقاً، ثم هدأت حدة الذعر في ألمانيا. ففي نهاية المطاف، كان الأمر يتعلق بإمدادات الوقود لمنطقة العاصمة، واجهة البلاد.
ومع تطور الأحداث، بدأت القوى الموالية لروسيا في ألمانيا باستغلال هذا الموقف، ودعم الرسائل المؤيدة لروسيا. وتتلخص هذه الرسائل في ما يلي "دعونا نفصل الاقتصاد عن السياسة. مسألة من يملك القرم والنفط الرخيص موضوعان منفصلان. دعونا لا نخلط بينهما".
من المثير للاهتمام أن هذا الخطاب يحظى بدعم قوتين على طرفي نقيض من الطيف السياسي: اليسار المتطرف واليمين المتطرف، وبخاصة "حزب البديل من أجل ألمانيا". وقد روّجتا لرسائل مماثلة هذا الأسبوع، مع أنهما في الواقع كانتا تدعمانها طوال فترة الحرب: الحرب أمر فظيع، هناك من يتقاتل مع الآخر، والسبب غير واضح، لكننا في وضع حرج، لذا فلنعد إلى علاقة طاقة براغماتية مع روسيا. لكن من المهم التأكيد على أن الحكومة الفيدرالية لا توافق على هذا. وقد صرحت المعارضة الموالية لروسيا بذلك، لكن الائتلاف الحاكم لم يدعُ بعد إلى استئناف علاقات الطاقة مع روسيا.
بريطانيا تخفف العقوبات
على رغم الجفاء السياسي الكبير بين موسكو ولندن منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، خففت الحكومة البريطانية في الفترة الأخيرة العقوبات المفروضة على النفط والغاز الروسيين، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة إثر تعطل الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الحيوي، بسبب الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران نهاية فبراير الماضي.
بدأ سريان هذا القرار الأربعاء الـ20 من مايو الجاري، ويشمل النفط المكرر إلى ديزل ووقود طائرات في دول ثالثة والغاز الطبيعي الروسي المسال. وأعلنت لندن أن عقوباتها على موسكو إجمالاً أصبحت أكثر صرامة، لكن الأمر حالياً بات يتطلب بعض المرونة.
وارتفعت أسعار وقود الطائرات في أوروبا بأكثر من الضعف بعد بدء الحرب في الشرق الأوسط، لكنها تراجعت بعد ذلك بنحو النصف، الأمر الذي اضطر شركات طيران عدة في البلاد لإلغاء رحلاتها ورفع أسعار بطاقات السفر بسبب تراجع مخزونات وقود الطائرات. في حين تشهد أسعار الوقود في محطات التزود بالبنزين على امتداد المملكة المتحدة ارتفاعاً مستمراً.
لندن التي قادت لأعوام الجهود الدولية للضغط الاقتصادي على روسيا بسبب حربها على أوكرانيا، وقعت على بيان مجموعة السبع الثلاثاء الـ19 من الشهر الجاري الذي أعاد تأكيد التزام لندن الثابت بفرض كلف باهظة على موسكو مع استمرار تلك الحرب.
وكانت لندن قد أعلنت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أنها تخطط لحظر منتجات نفطية مثل الديزل ووقود الطائرات، كُررت من النفط الروسي داخل دول ثالثة، لكن الآن يُسمح باستيراد هذه المنتجات من تركيا أو الهند، التي كانت مورداً رئيساً لهذه السلع لأوروبا.
وصرحت السفارة الروسية في لندن بأن هذا الوضع سيلقي بتداعيات أشد وطأة على اقتصاد بريطانيا وأوروبا ككل، نظراً للقيود المفروضة على موسكو، إذ ارتفعت تكاليف الطاقة لديهما إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف مستوياتها ما قبل العقوبات.
فيما قدر الخبراء أن أزمة الطاقة كلفتهما نحو 1.8 تريليون دولار، وأكدت البعثة الدبلوماسية أن هذه الأرقام جرى احتسابها قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.
وقال المسؤول في وزارة الخزانة دان توملينسون، إن التغيير "الصغير والمحدد زمنياً" اتُّخذ "لحماية أمن إمدادات السلع الأساسية المهمة حقاً في الاقتصاد البريطاني، كوقود الطائرات"، مضيفاً أنه في حين أن الحكومة لا تزال "ثابتة في التزامها بدعم أوكرانيا"، إلا أنها مضطرة إلى "اتخاذ القرارات الصحيحة والمعقولة" عندما يتعلق الأمر بالمنتجات الحيوية، حتى تتمكن من دعم الأسر في جميع أنحاء البلاد التي تعاني ارتفاع كلف المعيشة.
والمفارقة أن البرلمان صوت أخيراً، ضد إصدار تراخيص جديدة للنفط والغاز في البلاد، وحكومة ستارمر اليوم مضطرة لأن تستورد من روسيا بدلاً من التنقيب عن موارد الطاقة في بحر الشمال.
لذلك انتقدت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك الخطوة، وقالت، إنه "بعد كل هذا الوقت في الوقوف بوجه فلاديمير بوتين، أصدرت حكومة كير ستارمر بهدوء مريب ترخيصاً يسمح باستيراد النفط الروسي المكرر في دول ثالثة".
إعفاء أميركي
الولايات المتحدة بدورها مددت الأسبوع الماضي، إعفاء مماثلاً أُقر للمرة الأولى في مارس (آذار) الماضي، وأدى لتخفيف العقوبات التي تمنع الدول الأخرى من شراء النفط والمنتجات البترولية الروسية التي حُملت بالفعل على سفن في عرض البحر.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت حينها، إن "الإجراء قصير الأجل" يهدف إلى تعزيز الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، لكن الخطوة تعرضت إلى انتقادات من قبل عدد من حلفاء واشنطن، الذين يقولون إنها تساعد على تمويل بوتين في حرب أوكرانيا.
هذه الإجراءات دفعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للقول، إن "إغلاق مضيق هرمز لا يبرر بأي حال رفع العقوبات عن روسيا"، بينما اعتبر رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي أن كل دولار يُدفع مقابل النفط الروسي هو مال يُنفق في الحرب على بلاده.
عندما صدر القرار الأميركي انتقده قادة أوروبا، وحاول بعضهم وصفه بأنه "قضية محددة ومستهدفة"، وهذا ما سهّل خطوة لندن اليوم أمام البريطانيين وتحت قبة مجلس العموم، لأن ما يجوز للأخ الأكبر، يجب أن يجاز للأخ الأصغر.
سياسة الطاقة الأوروبية: من التبعية إلى اللامبالاة
وهنا نصل إلى السؤال المركزي: لماذا تلتزم أوروبا الصمت، لماذا تتجمد ألمانيا في حال من الشلل السياسي بينما تتغير الإحداثيات الأساسية للجغرافيا السياسية من حولها؟
منذ عام 2020، تعيش أوروبا في حال أزمات متواصلة: الجائحة والصراع في أوكرانيا وأزمة الطاقة والتضخم والهجرة، والآن إيران. الأنظمة السياسية كالبشر: قد تعتاد على هذا الاندفاع المستمر للأدرينالين حتى تفقد الإحساس به. والنتيجة ليست نشاطاً، بل شللاً. عندما تبدو كل الأمور ملحة بالقدر ذاته، لا يبدو أي شيء ملحاً في النهاية. ثانياً: التبعية الهيكلية. بعد عام 2022، استبدلت أوروبا بالفعل الغاز الروسي بالغاز الطبيعي المسال القطري والأميركي والنرويجي، لكن هذا في جوهره لم يُؤدِّ إلا إلى إعادة توزيع التبعيات. إذا أُغلق بحر هرمز، سيختفي 20 في المئة من نفط العالم من السوق. لن يُجدي أي قدر من "التنويع" نفعاً هنا. وحدها سياسة صناعية نزيهة تنظر إلى استقلال الطاقة لا كحلم بعيد المنال، بل كهدف أمني أساسي، هي الحل. بدلاً من ذلك، تُكافح الحكومة الألمانية لتطبيق سقف أسعار الغاز التالي.
أمر واحد واضح في سياسة الطاقة الألمانية والأوروبية: الاعتماد على واردات النفط من الشرق الأوسط لا يزال يُمثل خطراً استراتيجياً. يُصبح هدف الاستقلال الأوروبي في مجال الطاقة ذا أهمية قصوى، وتبرز الحاجة إلى بدائل للنفط الشرق أوسطي، كذلك يكتسب ضمان أمن الطرق البحرية أهمية متزايدة في السياسة الأمنية. ومن دون سياسة طاقة مستدامة وموثوقة، تُهدّد الصدمات المتكررة الاقتصاد والمجتمع.
لعقود طويلة، اعتادت أوروبا على فرض واشنطن نظامها على العالم، بينما تكتفي عواصمها بالتعليق على النتائج. لم يعد هذا النموذج مجدياً. لماذا يهتم رئيس أميركي يصرح علناً بأنه لا يكترث لرفاهية مواطنيه برفاهية الأوروبيين؟ لم يتفكك نظام الأمن الأطلسي بعد، لكنه فقد أساسه النفسي: فقد زال اليقين بأن أحدهم سيتحمل مسؤولية الدفاع عن الآخرين وإمدادهم في نهاية المطاف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الاستنتاج الأولي
لعلّ التقييم الأكثر صدقاً لهذه الأزمة لا يتعلق بترمب، ولا بالنفط، ولا بالتضخم، بل بأوروبا نفسها. لقد اتسعت الفجوة بين التصور الأوروبي للذات والواقع الأوروبي بصورة ملحوظة. أظهر الوضع المحيط بإيران ومضيق هرمز مجدداً مدى ترابط السياسة والطاقة والاقتصاد العالمي. بدأت أسعار النفط المرتفعة تؤثر بالفعل على تكلفة المعيشة في عديد من الدول، وتواجه أوروبا خطر الوقوع مجدداً في قلب أزمة طاقة. ووفقاً لأحد كتّاب صحيفة "برلينر تسايتونغ"، فإن السؤال الرئيس اليوم لا يقتصر على تحركات الولايات المتحدة أو إيران فحسب، بل يتعداه إلى ما إذا كان الاتحاد الأوروبي نفسه مستعداً للتخلي عن موقف المتفرج ووضع استراتيجية خاصة به لتحقيق الأمن والاستقلال في مجال الطاقة.
صحيح أن أوروبا لم تلجأ إلى روسيا بعد كملاذ أخير لإنقاذ نفسها من أزمة الطاقة، ولكن في خضم الصراع في الشرق الأوسط، الذي زاد من تعقيد الخدمات اللوجيستية، يلجأ الاتحاد الأوروبي إلى شراء كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال الروسي، ويعلن أن هذا إجراء موقتاً، وليس تحولاً استراتيجياً.
كان الاتحاد الأوروبي يحاول مواصلة تحوله المنهجي بعيداً من موارد الطاقة الروسية. وقد فرض حظراً على الواردات قصيرة الأجل من الغاز الطبيعي المسال الروسي، وكان من المتوقع التخلص التدريجي الكامل من الغاز والنفط الروسيين بحلول عام 2027، لكن الوضع انقلب رأساً على عقب في الأشهر الأخيرة، وصار لزاماً على الأوروبيين أن يفكروا مطولاً بجدوى الطلاق مع روسيا إذا ما كانوا يحتاجون بالفعل لموارد الطاقة منها.
وخير دليل على ذلك، أن واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى أوروبا بلغت مستوى قياسياً تاريخياً في الربع الأول من عام 2026. ويعود ذلك إلى ارتفاع الأسعار ونقص المعروض في السوق العالمية نتيجة اضطرابات الإمداد من الخليج العربي.
تُوازن أوروبا حالياً بين العقوبات والضرورة الاقتصادية قصيرة الأجل. لكن نائب رئيس البرلمان السلوفاكي، تيبور غاشبار، حذر من أن فقدان الطاقة الروسية يدفع الصناعة الأوروبية للهجرة خارج القارة، مطالباً بإعادة الموارد الروسية إلى سلة الخيارات الأوروبية.
وقالت الأستاذة المساعدة في قسم الإدارة المالية والاستثمارية بالجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية نتاليا كوتشكوفسكايا، "تستحوذ الولايات المتحدة على رؤوس الأموال والمصانع الأوروبية، مستغلة ميزتها في انخفاض تكاليف الطاقة، والدعم الحكومي الذي تقدمه في إطار السياسة القومية الاقتصادية".
وأفادت وكالة "بلومبورغ"، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن الصراع في الشرق الأوسط يزيد من احتمالية تأجيل الاتحاد الأوروبي لعملية التخلي عن استيراد النفط الروسي. وقالت "بالنسبة للاتحاد الأوروبي، يثير عدم الاستقرار في الشرق الأوسط تساؤلات عما إذا كانت القارة العجوز ستتمكن في النهاية من التخلص من اعتمادها على موارد الطاقة الروسية كما تدعي... هناك خطر متزايد من تأجيل الحظر المخطط له على إمدادات النفط الروسية".
تبقى التصريحات الكلامية مجرد شعارات سياسية، لكن الواقع يؤكد أن الاتحاد الأوروبي يستعد لإجراء مفاوضات مع روسيا، بسبب النقص الحاد في النفط والغاز في السوق الأوروبية، وفق محللين في الشأن الاقتصادي. ففي الأسابيع الأخيرة التي تلت تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، دفعت أوروبا أكثر من 30 مليار يورو زيادة في أسعار واردات الوقود. وهذا ما يدفع القادة الغربيين إلى البحث عن سبل لإعادة التواصل مع موسكو، على رغم استمرار الخلافات السياسية. بخاصة وأن احتياطات الغاز في الاتحاد الأوروبي تتناقص، بينما لا تزال الأسعار أعلى بنسبة 35 في المئة من مستويات ما قبل الأزمة.
يشير الخبراء إلى أن أوروبا لا تُظهر تحولاً سياسياً كاملاً نحو موسكو، إلا أنها مضطرة إلى تبني نمط أكثر براغماتية في العلاقات معها. فالمصالح الاقتصادية والتجارية وتأمين موارد الطاقة بالنسبة للمواطن الأوروبي، تفوقان الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية التي يتمسك بها قادته.