ملخص
ترى "وول ستريت جورنال" أن الحجم الضخم لهذه المعاملات يكشف كيف تحولت "بينانس" إلى شريان مالي رئيس للحرس الثوري الإيراني، القوة النافذة التي تهيمن على مفاصل السياسة والاقتصاد والمؤسسة العسكرية في إيران.
قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" في تقرير لها إن الملياردير الإيراني بابك زنجاني اضطلع بدور محوري، إلى جانب منصة "بينانس"، في تمويل موارد النظام الإيراني والجماعات الموالية له، مشيرة إلى أنه في وقت كانت فيه طهران تستعد لمواجهة محتملة مع واشنطن، أنشأ أحد أبرز الممولين الماليين للنظام شبكة دفع سرية لضمان استمرار تدفق الأموال إلى القوات العسكرية، وكانت "بينانس" في قلب هذه الشبكة.
وبحسب تقارير الامتثال الداخلي الخاصة بـ"بينانس"، فإن الشبكة التي كان يديرها زنجاني نفذت حتى أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، معاملات مالية تقدر بنحو 850 مليون دولار خلال عامين، عبر أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في العالم، وذلك بصورة رئيسة من خلال حساب تداول واحد.
وأوضح التقرير أن مقربين من زنجاني، من بينهم شقيقته، وشريكة عاطفية له، ومدير إحدى شركاته، كانوا يديرون حسابات أخرى مرتبطة بالشبكة نفسها، وجميعها كانت تدار من خلال جهاز مشترك، ما يشير إلى وجود منظومة تشغيل موحدة.
وأشارت الصحيفة الأميركية إلى أن شقيقة زنجاني وشريكته العاطفية كانتا تديران ما لا يقل عن ثلاثة حسابات إضافية على "بينانس"، من بينها حساب يعود إلى تاجر ألماس مقيم في دبي.
ويرى مراقبون متخصصون في متابعة تمويل الإرهاب، أن مثل هذه الحسابات لا تستخدم عادة لأغراض استثمارية، بل تستعمل كأدوات لتحويل الأموال، عبر نمط يقوم على إيداع مالي يتبعه سحب بالقيمة نفسها.
وأوضح التقرير أن هذا النمط ظهر أيضاً في حساب يعود إلى أحد مديري الشركات التابعة في دبي، والذي شهد معاملات بلغت قيمتها 21 مليون دولار، فيما أظهرت تقارير "بينانس" أن هذا الحساب تلقى نحو 10 ملايين دولار من محفظة رقمية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وبينت البيانات أن جميع هذه الحسابات كانت تدار من خلال جهاز واحد مشترك، مما يعزز فرضية أنها كانت جزءاً من شبكة مالية موحدة.
وأضافت الصحيفة أن الحساب الرئيس ظل نشطاً لمدة لا تقل عن 15 شهراً رغم صدور عدة تحذيرات في شأن هذه الأنشطة، وبقي مفتوحاً حتى يناير (كانون الثاني) الماضي، لافتة إلى أن استخدام زنجاني لمنصة "بينانس" لم يكشف عنه سابقاً.
تدفقات مالية أخرى
بحسب التقارير، جرت خلال السنوات الأخيرة معاملات مالية كبيرة أخرى عبر منصة "بينانس" لمصلحة جهات مرتبطة بإيران. وأفادت المعطيات بأن البنك المركزي الإيراني أودع، خلال العام 2025، نحو 107 ملايين دولار من العملات المشفرة في عدة معاملات داخل حسابات على منصة "بينانس"، من دون اتضاح ما إذا كانت هذه الأموال قد سحبت لاحقاً من المنصة أم لا.
وتظهر بيانات صادرة عن جهة خارجية أن نحو 260 مليون دولار من المعاملات المباشرة جرت خلال عامي 2024 و2025 بين حسابات على "بينانس" ومحافظ رقمية مرتبطة بجهات تمويل تابعة لجماعات موالية لإيران مصنفة على قوائم الإرهاب. إلى جانب ذلك، حولت محفظة رقمية مجهولة نحو 218 مليون دولار إلى شبكة مالية مرتبطة بإيران.
وتأتي هذه المبالغ منفصلة عن نحو 1.7 مليار دولار كانت "وول ستريت جورنال" كشفت في تقرير نشرته خلال فبراير (شباط) الماضي، عن تحويلها عبر "بينانس" إلى الشبكة نفسها المرتبطة بالنظام الإيراني.
واستناداً إلى تقارير الامتثال التنظيمي، وبيانات سلسلة الكتل "بلوك تشين" ومعلومات قدمها مسؤولون أجانب معنيون بمتابعة تمويل الإرهاب، إلى جانب باحثين متخصصين في العملات المشفرة، فإن هذه الأموال تمثل جزءاً من مليارات الدولارات من المعاملات الرقمية التي تدفقت خلال العامين السابقين للحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة عبر "بينانس" إلى شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وأكد مسؤولون أجانب أن التدفقات المالية عبر حسابات "بينانس" إلى جهات مرتبطة بالنظام الإيراني استمرت خلال العام الحالي، مشيرين إلى رصد معاملات تعود حتى إلى هذا الشهر.
وكان مؤسس "بينانس" تشانغ بينغ تشاو حصل على عفو من الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بعدما أقر عام 2023 بانتهاك قوانين مكافحة غسل الأموال، وقضى عقوبة بالسجن لمدة أربعة أشهر.
وترى صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الحجم الضخم لهذه المعاملات يكشف كيف تحولت "بينانس" إلى شريان مالي رئيس للحرس الثوري الإيراني، القوة النافذة التي تهيمن على مفاصل السياسة والاقتصاد والمؤسسة العسكرية في إيران. ويدعم الحرس الثوري جماعات مسلحة حليفة في الشرق الأوسط، من بينها حركة "حماس" و"حزب الله" اللبناني والحوثيين في اليمن.
رد "بينانس" على هذه الاتهامات
قال متحدث باسم منصة "بينانس" إن هذه المعلومات "غير دقيقة"، مؤكداً أن الشركة لم تسمح في ذلك الوقت بإجراء معاملات مالية لأشخاص أو محافظ رقمية خاضعة للعقوبات، وأنها اتخذت الإجراءات اللازمة فور رصدها. وأوضح أن سجلات "بينانس" تظهر أن الجزء الأكبر من هذه المعاملات، على ما يبدو، لا يرتبط بالمنصة. وامتنعت الشركة عن الرد على أسئلة محددة تتعلق بتفاصيل المعاملات، بما في ذلك حجم الأموال التي جرى تحويلها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأكدت "بينانس" أنها تتبنى سياسة عدم التسامح مطلقاً مع أي نشاط غير قانوني على منصتها، مشيرة إلى أنها رفعت منذ عام 2024 مستوى برنامج الامتثال لديها إلى مستوى متقدم، مما أدى إلى خفض التعامل مع الكيانات الخاضعة للعقوبات إلى مستويات تقترب من الصفر. وأوضحت أنها تتعاون مع الجهات القضائية حول العالم.
وبحسب تقديرات متخصصين في تمويل الإرهاب، فإن نحو 425 مليون دولار من إجمال معاملات بابك زنجاني البالغة 850 مليون دولار، بما يشمل عمليات الإيداع والسحب، يرجح أنها استخدمت عبر منصة "بينانس" في تمويل القوات العسكرية الإيرانية. وخلص محققو "بينانس" أنفسهم، في تقارير الامتثال الداخلي، إلى توصيف هذه الشبكة بوصفها منظومة لغسل الأموال تستخدم في تمويل الحكومة الإيرانية.
الخلفية القانونية والسياسية
تجري وزارة العدل الأميركية حالياً تحقيقات في شأن استخدام إيران لمنصة "بينانس" بهدف الالتفاف على العقوبات الدولية، علماً أن الشركة كانت قد أقرت عام 2023 بانتهاك قوانين مكافحة غسل الأموال والعقوبات.
وفي إطار التسوية القانونية آنذاك، دفعت "بينانس" غرامة بلغت 4.3 مليارات دولار، وخضعت لإشراف مباشر من الحكومة الأميركية. وأبدى مسؤولون في وزارة الخزانة الأميركية، خلال الآونة الأخيرة، مخاوف في شأن فاعلية ضوابط الامتثال داخل "بينانس".
شبكة زنجاني
ويعد بابك زنجاني، المعروف في إيران كأبرز الشخصيات المرتبطة بالالتفاف على العقوبات، من الوجوه البارزة في هذا المجال، إذ وسع خلال الأعوام الأخيرة نشاطه عبر شركته المتخصصة في العملات المشفرة.
وكانت الولايات المتحدة فرضت عقوبات عليه عام 2013، قبل أن ترفع عنه عام 2016 في إطار الاتفاق النووي، إلا أنه أعيد إدراجه على قوائم العقوبات خلال يناير الماضي.
وبحسب التقارير، فإن شركته المتخصصة في العملات المشفرة، "زدكس"، مسجلة في لندن، بينما كان الحرس الثوري الإيراني يعد العميل الرئيس لها عملياً.
استخدام العملات المشفرة
بالعودة إلى تقرير "وول ستريت جورنال" فإن الإيرانيين، بمن فيهم المدنيون، اتجهوا بصورة متزايدة إلى العملات المشفرة للالتفاف على القيود المالية، وسط تقديرات تشير إلى تنفيذ معاملات رقمية تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار خلال عام 2025. وفي بعض الحالات، طلب من سفن تعبر مضيق هرمز دفع رسوم العبور باستخدام العملات المشفرة أو اليوان الصيني.
وأوضحت الصحيفة أن منصة "بينانس" تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى أحد المسارات الرئيسة لتحويل الأموال إلى الشبكات المرتبطة بإيران والحرس الثوري، حتى بعد إقرارها بالذنب عام 2023 وفرض غرامات مالية ضخمة عليها.
وعلى رغم تأكيدات "بينانس" في شأن إصلاح منظومتها الرقابية، لا يزال مسؤولون أجانب ووثائق داخلية يتحدثون عن استمرار تدفق هذه المعاملات.
وفي المقابل، نقلت الصحيفة عن متحدث باسم زنجاني نفيه الاتهامات الأميركية، مدعياً أن موكله لم يحتج يوماً، ولم يعتمد، على أي منصة لتداول العملات المشفرة من أجل غسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات، من دون أن يجيب عن الأسئلة المتعلقة بحسابات "بينانس".
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"