ملخص
بعد أكثر من 30 عاماً من تقديم أعماله الفنية في القاهرة لم يغادر الفنان التشكيلي المصري عمر عبدالظاهر عالمه الأثير، في معرض "أناشيد الجنوب" (قاعة سفر خان، ضاحية الزمالك)، ظلت منطقة النوبة بما تتضمنه من خصوصية ثقافية وبيئية هي مصدر إلهامه الدائم.
يؤثر الرسام عمر عبدالظاهر، بسبب رواج لوحاته، العمل على إعادة تدوير عالمه وتجويد عناصره ومفرداته، مستنداً إلى حرفية عالية ومهارة واضحة يصعب تفاديها، ولذلك فإن أعماله ظلت من بين الأكثر رواجاً بين أعمال فناني جيله.
يراهن عبدالظاهر (مواليد 1966) على البساطة الآسرة في الموضوعات التي يشتغل عليها، وغالباً ما تكون مستمدة من تفاصيل الحياة اليومية داخل البيت النوبي، أو تأويلاً لعناصر الطبيعة هناك، لذلك فإن لوحاته تبدو للرائي وكأنها مسرد بصري لتلك العناصر والتفاصيل مع نزعة تأثيرية واضحة، فقد احتفظ الفنان في مخيلته بنظرة فطرية للعوالم التي استقرت في مخيلته منذ طفولته في النوبة، لكنه ظل يعمل على تأطيرها ووضعها في صورتها الرومانسية، من دون أن يفكر مرة في خدشها أو التلاعب بها عبر تفكيك عناصرها وإعادة تركيبها أو مواجهتها بأي صورة من الصور.
فناس النهر في لوحات الفنان لا يتوقفون عن العمل، وهم في حال كد دائمة، وتفيض أصابعهم الذكية بمختلف صور العطاء.
يثبت عبدالظاهر عناصر عالم النوبة برمزياته المختلفة من دون التفكير في مغادرته لما يتضمنه من ألفة، لذا فإن لوحاته لا تختلف في أفقها التعبيري عما بلغته لوحات الفنانين الرواد من أمثال حامد عبدالله وتحية حليم وحامد ندا وعبدالهادي الجزار. وهم توجهوا إلى النوبة في ستينيات القرن الماضي، وقاموا برسم لوحات حولها، إلا أن عبدالظاهر كان ينبغي أن يختلف عن هؤلاء نتيجة انتمائه لهذا العالم، إنه أكثر ارتباطاً به، بما يجعل نظرته إلى مفرداته نظرة من الداخل وليس من الخارج، فالمكان له وظائفه التعبيرية والرمزية والمعرفية والاتصالية.
يمثل الحرص على إظهار دلالة المكان لدى عبدالظاهر مرتكزا أساساً في التعامل مع أعماله التي تستخدم المكان بوصفه وسيلة للاتصال المتكرر مع الجماعة، أو أداة لتشكيل الهوية وإبرازها لترميم ما يسمى الانقطاع مع الذات المبكرة. ولو استعملنا تعبيرات غاستون باشلار في كتابه "جماليات المكان" فإن ما يفعله عبدالظاهر هو فتح الصناديق والأدراج التي تتضمن مفاتيح التعاطي مع ذاكرته التي تتجسد عبر لوحاته، فهذه الصناديق، كما يحلل الأكاديمي الراحل شاكر عبدالحميد في كتابه عن "الفن والغرابة"، تحمل "خفايا الأرواح الخاصة"، وما نراه من بيوت في لوحات المعرض ليس إلا هدايا من الصناديق التي خبأتها ذاكرة الفنان.
على رغم ازدحام اللوحة بكثير من العناصر والعلامات، فإنها لا تعاني الازدحام ولا تفيض بالثرثرة، لأن صاحبها يحترف ضبط الإيقاع ويجيد تحريك العناصر على المسطح، كما يجيد استغلال عمق اللوحة.
ثراء وحرفية وتنوع
من جهة أخرى يبدو لي أن الفنان الذي يمتاز بالحرفية العالية اطمأن لما أنجزه في تجربته المتواصلة منذ 35 عاماً، وبات يخشى من كسر توقعات جمهوره. ويفضل الإبقاء على العلامات ذاتها في مقابل إغناء اللوحات بشتى أنواع الترصيع اللوني وبالملامح الفانتازية التي تمنحها الطابع الغرائبي.
ومن مظاهر التميز في تجربته حرصه على استعمال مروحة لونية متنوعة ومتوازنة، فالألوان الطوبية والحارة هي الأكثر ملاءمة للوحات وثيقة الصلة بالبيئة في جنوب مصر، أما الألوان الباردة فهي الأنسب لزرقة البحر والسماء وبهجة الصيد ومشاهد الزفاف.
يقسم عبدالظاهر غالب لوحاته بطريقة أفقية تسمح بتجاور عدة مشاهد تعمل كلها على إنتاج دلالات عدة لكن بطريقة مكثفة. هناك لوحة تبرز في مركزها مشهد عرس تقليدي يجمع بين عريس وعروس، بينما في المستوى الأعلى تتجلى مظاهر من حفل الزفاف برمزياته الفلكورية المعروفة، فنحن أمام زفة من فرقة موسيقية ورقصة خيل وراقصة، وفي أسفل اللوحة مشاهد أخرى تستدعي لحظة استعداد العروس في الحمام الشعبي ورسوم جدارية لبيت الزوجية ودخلة العريس على البيت وهو يحمل باقة من الزهور.
تشيع في اللوحات أجواء من الرومانسية الشعبية وبقدر وافر من البهجة التي لا تخلو من طرافة في بعض الأحيان، فعلى رغم مشاغل وصعوبات الحياة لا يفقد الرجال الشعور بالرومانسية، ولا تغيب مظاهر الاحتفال بطابعها الكرنفالي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من بين لوحات المعرض يمكن التوقف أمام لوحات يشيع فيها التلصص على عوالم النساء في المناسبات الاجتماعية مثل "ليالي الحنة والزفاف"، أو في الجلسات الحوارية. وتمتاز خطوط الفنان عند تشكيل الأجساد الأنثوية بالمرونة والانسيابية التي تماثل حركة النساء في الجدارية الفرعونية الشهيرة "العازفات".
وتعكس لوحات أخرى الدور الفاعل للمرأة في الحياة اليومية، إذ تشارك زوجها في جلب الرزق من البحر، أو من الحقل.
في تلك اللوحات يجري الفنان عملية ترصيع للوحة بعناصر بيئية ومفردات بصرية مرتبطة في الخيال الشعبي بالتحايل لجلب الرزق أو الخصوبة والعلاقة الجسدية، عبر استعمال "الأسماك" أو الطيور ومراكب النهر واليخوت الصغيرة، إلى جانب بعض الرموز الحيوانية، وبالذات القطط.
ويلفت في لوحات أخرى الميل في خطوطها إلى التحريف واتخاذ أوضاع للجلوس مستمدة من الفن المصري القديم. ويتأكد لدى الفنان هذا الأسلوب من خلال حرصه البالغ على التقسيم الأفقي للوحاته بأساليب أقرب إلى رسوم الجداريات الفرعونية وموائد القرابين، التي كانت توضع كرسوم على الحجر في جبانات الموتى، لتلبية حاجاتهم في العالم الآخر، وهي عبارة عن رسم فوق لوح مستطيل يتضمن نحتاً لتمثيلات للطعام والشراب لتصبح المائدة عامرة إلى الأبد، وهناك نماذج شائعة منها في معابد الأقصر والكرنك ودندرة.
وتبرز لوحة "الخيل والليل" كثيراً من العناصر الفطرية التي أعاد الفنان استعمالها، لتعطي إشارة إلى تأثر الفنان برسوم فناني الحج في صعيد مصر، وهي الأقرب في علاماتها البصرية إلى رمزيات التصوف، وبالذات في تعاملها مع رمزيات المراكب وأجنحة الطير والخيول البيضاء التي تبدو طائرة في اللوحات، وكأنها أقرب إلى الكائنات النورانية المحلقة، وهي أقرب إلى الرؤيا بالمعنى الصوفي منها إلى أي شيء آخر.
تخرج عبدالظاهر في قسم الغرافيك - كلية الفنون الجميلة في محافظة المنيا (شمال صعيد مصر)، وعلى امتداد تجاربه في العمل أغنى لوحات التصوير بكثير من العناصر المستمدة من فن الغرافيك. حصل على الدكتوراه في فلسفة الفن من كلية الفنون الجميلة بعنوان: "الموروث الشعبي وأثره في الطبعة الفنية المعاصرة في مصر والعراق ــ دراسة مقارنة" عام 2006. أقام أكثر من 20 معرضاً فردياً، وله بعض المقتنيات في متحف الفن الحديث وصندوق التنمية الثقافية، وأيضاً لدى أفراد في مصر والخارج.