ملخص
إنها تظهر أكثر مما تضمر، وتكشف وتبوح أكثر مما تتكتم، على رغم ما يطبعها أحياناً من نوازع أيديولوجية تؤثر في مسار الفيلم وطريقة تلقيه من طرف المتفرج.
حظيت التجارب الموسيقية الغربية داخل الساحة الهوليوودية بعديد من الأفلام عملت على تشريح صورة الموسيقي داخل الفيلم، إذ نعثر على نماذج مميزة كشفت عن عديد من أسرار الصنعة الموسيقية ومداراتها. وعلى رغم تشابه الأفلام من ناحية المقاربة السينمائية التي تتعامل مع الحكاية وفق منطق لا يخرج عن السيرة الذاتية، فإن الاختلاف الفني والتلاحق الجمالي حقق تراكماً سينمائياً مذهلاً أصبح مرجعاً داخل الصناعة السينمائية في العالم.
إن المتابع لهذه الأشكال الفيلمية سيجد أنها تتشابه على مستوى السيناريو، فهي معنية بتصوير عباقرة الموسيقى، أو في الأقل التوقف عند تجارب مضيئة في تاريخ الموسيقى والغناء، أي أنها في مجملها أفلام لا تخرج عن جماليات السيرة الذاتية، فهي التي يستند إليها المخرج في بناء حكاياته وقصصه، إذ تصوغ أسلوبه البصري وتجعله يبني عوالمه السينمائية انطلاقاً من السيرة.
وترتكز هذه الأفلام على النشأة والحب والشغف والصراع والجنون والألم، ذلك أنها مواضيع تتكرر من فيلم لآخر، إذ يحاول المخرج أن يجعلها بمثابة توابل بصرية يبني عبرها مسار الحكاية. بهذه الطريقة يصبح الفيلم شهادة بصرية عن حياة موسيقية لا تتكرر، لأن المخرج غالباً ما يروم الاعتماد على قصص موسيقية لها أثرها في تاريخ الصناعة الموسيقية. فالمخرج حين يعمل على بوب ديلان أو موتسارت أو فريدي ميركوري أو مايكل جاكسون، لا تهمه جماليات الموسيقى أو قيمتها الفنية بقدر ما يشغل نفسه كمخرج بهاجس التخييل السينمائي، الذي يجعله يتعامل مع التجربة الموسيقية على أساس أنها حكاية تستحق أن تجد طريقها في عالم الفن السابع.
براعة التخييل
من هنا نفهم السبب الذي يجعل كوكبة من المخرجين السينمائيين يتعاملون مع صناع الموسيقى على أساس أنهم عبارة عن سير ذاتية مختلفة، تمنح المخرج إمكانات مذهلة لبناء أفق تخييلي تجاه الواقع. كما أن هذه الأفلام لا تعنى بإقامة نوع من التأريخ البصري لسيرة الفنان، بل تستوحي فقط ملامحه وتاريخه وذاكرته وأفكاره وأنفاسه، وتعمل من خلالها على إقامة سفر سينمائي جذاب.
فالسينما وإن كانت لها القدرة على القبض عن الصور، فإنها تبقى قاصرة عن "التأريخ" بموضوعية للحياة الفردية، ما دام أنها صورة تعبيرية تقوم على إضاءة الواقع لا محاكاته. ذلك أن الأفلام التي رمت تحقيق طباق بصري مع الواقع باءت بالفشل، بحكم أنها ارتكزت على الأسلوب السردي في بناء الصور، ولم تشغل نفسها بخلق مساحة بصرية تمنح للحكاية أفقها الجمالي، وتعطي للمشاهد إمكانات تأويلية لبناء علاقة مع سيرة الفنان وموسيقاه داخل المرحلة التاريخية التي عاش فيها.
وحظيت أفلام الموسيقى باهتمام كبير من لدن الدراسات النقدية، إذ نعثر في الصحف والمجلات على تفاعل نقدي كبير مع هذه الأفلام السينمائية الغربية. وحرص النقاد على تفكيك هذه الأفلام وإظهار ما تحبل به من جماليات على مستوى الكتابة والتخييل، بيد أن اهتمام النقاد بهذا النمط من الأفلام يعود بالأساس لكونها أفلاماً ملتزمة وتنتمي في مجملها إلى سينما المؤلف، لأنها سينما مشغولة بتحولات الموسيقى داخل مجتمعه وترصد في مجمل صورها ومشاهدها سيرة الفنان والمراحل التراجيدية التي يمر منها في سبيل الوصول إلى عبقريته الموسيقية. إن هذا النزوع الجمالي بالنسبة إلى النقاد تتحكم فيه أمور فكرية أكثر منها جمالية وفنية، ذلك أن فعل الكتابة نابع من تصور مفهوم السينما وطبيعتها وقدرتها على تفكيك الواقع وخلق تفكير مغاير.
ففي مقابل هذه الأفلام تقف سينما الأكشن والمغامرة والعنف والأبطال الخارقين بكل ما يطبعها من أبعاد تجارية تحول السينما إلى بضاعة سينمائية غايتها الإبهار والترفيه والاستهلاك، لهذا فإن المتلقي حين يشاهد أفلاماً من قبيل "مايكل" (2026) أو "مجهول تماماً" (2024) أو "ويبلاش" (2014) أو "مولد نجم" (2018) سيجد نفسه أمام أفلام لا يهمها الترفيه، بل تبني أصالتها السينمائية من خلال لذة السناريو وقوة الأداء وجماليات الإخراج. فهذه العناصر الجمالية القوية تمنح الأفلام أصالة سينمائية تحرك الأهواء وتخلق النقاش وتثير الحساسيات بطريقة يصبح معها الفيلم محور العملية التواصلية بين الناس خارج صالات العرض.
بحثاً عن سينما مغايرة
تمنح هذه الأفلام متعة للمشاهد، لأنها تكشف له عن العوالم الداخلية للفنان، والطريقة التي بها يعيش ويفكر ويحب ويحلم ويموت، إنها تظهر أكثر مما تضمر، وتكشف وتبوح أكثر مما تتكتم، على رغم ما يطبعها أحياناً من نوازع أيديولوجية تؤثر في مسار الفيلم وطريقة تلقيه من طرف المتفرج. لكن بصرف النظر عن هذه الملاحظات، تستحق هذه الأفلام أن تشاهد، لأنها تنقل المتلقي صوب عوالم غير مألوفة داخل محيطه الاجتماعي اليومي، بحيث تمكنه من رفع منسوب ثقافته الموسيقية وتظهر له الحقيقة الكامنة وراء صناعة الموسيقى في العالم وما يطبعها من حرب تتحكم فيها شركات الإنتاج وهلامية الجماهير وطبيعة الذوق الجمالي السائد، وكيف يتم صناعته وتوجيهه لتحقيق عائدات مادية كبيرة حول ألبومات غنائية معينة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكشف الأفلام الأخرى عن جماليات الشغف الموسيقي، وكيف يسهم في صناعة العبقرية الموسيقية، بعيداً من فساد أسمدة النقد الكيماوية أو حتى الترويج المبالغ فيه من لدن بعض المؤسسات الإنتاجية. ذلك أنها تمنحنا مزيداً من الدفء الفني، وتقدم لنا سيرة عديد من نجوم الموسيقى والغناء، ليس من خلال ألبوماتهم والمؤلفات التي كتبت عنهم، وإنما عبر سير موسيقية استقرت على شكل صور سينمائية أصبح لها تأثير كبير في المخيال الجمعي العالمي.
تجدر الإشارة إلى أن الأفلام الموسيقية لا تقتصر على حضور الموسيقي في السينما، بل هناك نمط آخر حقق نجاحات كبيرة جداً في هوليوود، ويتعلق الأمر بنماذج من أفلام موسيقية ظهرت في هوليوود خلال خمسينيات القرن الـ20 تمزج الموسيقى بالغناء. وتعد هذه النماذج الفيلمية مثل "شيكاغو" (2002) و"لا لا لاند" (2016) و"البؤساء" (2012) من أرقى الأفلام الموسيقية التي أنجزت، ذلك أنها أعمال سينمائية فيها اشتغال كبير على الموسيقى والغناء، فهي لا تبني جمالياتها انطلاقاً من السيناريو / الحكاية، بل تعتمد على صورة تعبيرية تحول الفضاء إلى مسرح سينمائي تتواشج فيه الموسيقى بالغناء.
وإذا كان النموذج الفيلمي الأول يعتمد على عنصر السيرة الذاتية ويجعل منها أفقاً لبناء الفيلم، فإن النموذج الثاني ينحو صوب عناصر فنية أخرى لاجتراح أفق سينمائي مغاير. غير أن النجاح "التجاري" الذي يرافق هذا النموذج لم ينعكس بالصورة الإيجابية على النقد السينمائي، فغالب المقالات والدراسات التي أنجزت حول هذه الأفلام تركز على عنصر الحكاية ولا تقف عن عتبات الموسيقى والطريقة التي بها تشتغل داخل الفيلم، فالموسيقى تلعب دور البطل لدرجة تصبح بمثابة المنقذ بالنسبة إلى بعض الأفلام، وهي تحقق للأفلام نجاحاً كبيراً وتجعلها حاضرة في ذهن المتفرج.
عرفت هذه الأفلام تحولات كبيرة من الستينيات إلى اليوم، ذلك أنها شهدت طفرات فنية كبيرة أصبحت بمثابة المرآة التي تعكس جماليات الموسيقى المعاصرة، إذ يتم عبر هذه الأفلام الترويج لصور جديدة من الموسيقى تتماشى مع طبيعة المرحلة وخصوصية السياق التاريخي الذي نعيش فيه. وعلى رغم اختلاف هذه الأفلام من ناحية اللون الموسيقي الذي تشتغل عليه، فإنها تظل ناجحة بصورة عامة، لأنها تضع المتفرج أمام فيلم سينمائي تمتزج فيه الألوان الفنية والإيقاعات الموسيقية، وتكون لها وحدة عضوية مركبة داخل الصورة السينمائية.