ملخص
هناك حيث تقف عند خيط رفيع بين الفن والعنف، الحب والحرب، فتسرق من سياقها الإنساني لتتحول إلى سلاح لا يترك ندوباً ظاهرة على الجسد، ولكنه يدمر الجهاز العصبي ويذيب هوية الضحية بصمت.
من منا لم يكره أغنية أحبها يوماً، فقط لأنه جعلها نغمة منبهه الصباحية؟ في تلك الثواني الأولى من الاستيقاظ يتسلل إحساس بالانزعاج والنفور من لحن طالما ارتبط في أذهاننا بشعور محبب، فلا نلبث نوقفه ونغير النغمة، لكن ماذا لو لم يكن هناك زر "إيقاف"؟ ماذا لو ظلت الأغنية نفسها تتكرر باستمرار، ليس لخمس ثوان بل لخمسة أيام متصلة؟ ماذا لو لم توقظك من النوم، بل منعتك منه تماماً؟
فإذا كان منبه صباحي صغير قادراً على أن يسرق منا حب لحن جميل خلال أيام، فكيف بالجحيم النفسي الذي يصنعه صوت يصم الآذان، صوت يتسلط على عقل إنسان بلا توقف ولا سياق ولا نهاية؟ وما بين غرفة النوم الدافئة وغرفة التحقيق المعتمة، تتكشف الحقيقة المرة وتكشف الموسيقى عن وجهها المظلم. هناك حيث تقف عند خيط رفيع بين الفن والعنف، الحب والحرب، فتسرق من سياقها الإنساني لتتحول إلى سلاح لا يترك ندوباً ظاهرة على الجسد، ولكنه يدمر الجهاز العصبي ويذيب هوية الضحية بصمت.
فكيف استخدمت الموسيقى في التعذيب من أبواق أريحا مروراً بالعصور الوسطى وبنما وغوانتانامو وحرب العراق وحصار كنيسة المهد في فلسطين وغيرها كثير من الوقائع في التاريخ؟
تكتيك نفسي
يحكى أن القصة بدأت منذ آلاف السنين وتحديداً في أريحا (فلسطين)، حيث كانت المدينة محاطة بسور حجري مما جعلها حصناً منيعاً، فروي أن الله بين للنبي يشوع طريقة فتح أريحا، إذ كان على الناس أن يحيطوا بالمدينة مرة واحدة يومياً لمدة ستة أيام، وكان على سبعة كهنة أن ينفخوا في قرون الكبش بينما يصمت الشعب. ولكن في اليوم السابع كان عليهم أن يحيطوا به سبع مرات، وكان على الكهنة أن ينفخوا في الأبواق بينما جميع الشعب يصرخون دفعة واحدة، عندها انهارت الأسوار بأعجوبة، وتم الاستيلاء على المدينة.
وعلى رغم هذه الحكاية، فإنه يصعب تحديد أول استخدام للموسيقى كتكتيك نفسي، فربما كان قرع الطبول أو نفخ البوق يثير الرعب في قلوب الخصوم العسكريين، ولكن ألم يكن الهدف من هذه الموسيقى أيضاً تحفيز الجنود وإصدار الأوامر وتوجيه القوات؟ انطلاقاً من هذا يقدم أستاذ عمليات المعلومات في جامعة الدفاع الوطني في "فورت ماكنير"، دان كويل نظرة معمقة على خلفية الموسيقى في العمليات النفسية، فيقول إن "الموسيقى تلعب دوراً بارزاً، لا سيما في مجال إحدى الكفاءات الأساسية الخمس للعمليات المعلوماتية كما نعرفها اليوم في الجيش الأميركي، ألا وهي العمليات النفسية، وبهذا المعنى استخدمت الموسيقى منذ فجر الحروب. وأرى أنه ما لم تكن من المؤمنين بالتفسير الحرفي للنصوص الدينية، فإن يشوع لم يسقط أسوار أريحا بأبواقه، بل أربك المدافعين نفسياً بتلك العملية، وقد شهدنا ذلك حتى العصر الحديث".
بعد خفي من القسوة
ومن أصداء زنزانات العصور الوسطى إلى قرع الطبول المتواصل في غرف الاستجواب، وصولاً إلى مكبرات الصوت، طالما كان الصوت أكثر من مجرد خلفية في تاريخ البشرية. إذ تكشف الآثار النفسية للضوضاء على الأسرى عن بعد خفي من القسوة، مظهرة أن التجارب السمعية قادرة على إلحاق معاناة لا تقل حدة عن العقاب البدني. وعلى مر القرون والثقافات، اكتشف الحكام والمحققون أن الضوضاء كسلاح قادرة على كسر الروح، وإجبار الأفراد على الخضوع، وخلق صدمات نفسية طويلة الأمد.
ففي أنحاء أوروبا، لا سيما في غرف التعذيب في العصور الوسطى، اكتشف المسؤولون أن استخدام أصوات معينة كعقاب يسرع من الاعترافات والطاعة. ووضعت أدوات الإنفاذ، كالأجراس والطبول وآلات الإيقاع، في مواقع استراتيجية لإحداث صدى يكثف الشعور بالحبس. وفي المحاكم الآسيوية، كاليابان والصين، جرى تكييف أساليب الصوت الاحتفالية والقضائية لتكمل العقاب البدني، ممزوجةً من الطقوس والتعذيب.
وخلال ثورة تكساس (1835- 1836) في معركة آلامو، وفقاً للرائد المتقاعد إد راوس، وهو خبير في العمليات النفسية والحرب النفسية، "في تاريخنا الأميركي، عزف المكسيكيون بقيادة سانتا آنا لحن ديغويلو المرعب (لا رحمة للمدافعين) طوال الليل وحتى ساعات ما قبل الفجر الباردة في 16 مارس (آذار) 1836، بينما هاجمت كتائب الجنود المكسيكيين ألامو واجتاحتها، ويعتبر لحن ديغويلو مؤثر للغاية، لدرجة أن عديداً من مدارس تكساس لا تزال تحظر عزفه في الأحداث الرياضية حتى اليوم".
عملية "السبب العادل"
في ديسمبر (كانون الأول) 1989، رسخ حدث محوري مكانة الموسيقى كأداة نفسية بالغة الفعالية في العمليات العسكرية. فكانت عملية "السبب العادل" محاولة من الحكومة الأميركية والرئيس جورج بوش الأب لاعتقال الديكتاتور البنمي مانويل نورييغا. ومع غزو القوات الأميركية لبنما، لجأ نورييغا إلى مقر البابا (سفارة الفاتيكان)، فحوصر المكان الذي كان أحد أهداف العمليات النفسية للحد من الاتصالات، وذلك عبر منعه من الظهور على المنصة والتحدث، أو الاتصالات الداخلية من داخل مقر البابا، ومن بين الوسائل التي استخدمت لتحقيق ذلك تشغيل الموسيقى. ونظراً إلى قرب السفارة من الفنادق والمباني السكنية، كان هناك تخوف من أن يتمكن الصحافيون المزودون بميكروفونات قوية من التنصت على المحادثات الحساسة. ولهذا السبب أنشأت القوات الأميركية حاجزاً موسيقياً من خلال تشغيل موسيقى الروك/ الميتال الصاخبة. وقد كان لها أثر جانبي قوي، فقد كان نورييغا عاشقاً للأوبرا، وهذه الموسيقى تزعجه، وعندها رفع جنود المارينز مستوى الصوت، واستمروا في تشغيل ليد زيبلين ومارثا ريفز وفانديلاس في أغنية "لا مكان للهروب، لا مكان للاختباء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اعتبرت هذه العملية نقطة محورية في اكتشاف أحد إمكانات الموسيقى كتكتيك نفسي. إذ صرح بن أبيل، المتحدث باسم قيادة العمليات النفسية للجيش الأميركي في فورت براغ، عقب عملية "السبب العادل"، "منذ حادثة نورييغا، لاحظنا زيادة في استخدام مكبرات الصوت، وعليه فقد استثمر الجيش مبالغ طائلة في الحصول على مكبرات صوت أصغر حجماً وأكثر متانة". وفي ما بعد أدت التطورات التكنولوجية، لا سيما في تصميم مكبرات الصوت، إلى زيادة قدرة الصوت على إحداث تأثيرات سلبية. وفي هذا السياق تفصل جولييت فولكلر في كتابها "عالي الصوت للغاية: الصوت كسلاح"، محاولات تصنيع أجهزة صوتية قادرة على إضعاف قوات العدو أو تفريق الحشود، إذ تصدر الأجهزة الصوتية بعيدة المدى، التي تلقب بـ"مدافع الصوت"، نغمات حادة نابضة تصل شدتها إلى 149 ديسيبل، وهي كافية لإحداث تلف دائم في السمع.
أصوات في الفلوجة
ويزداد تأثير هذه الأصوات عند اتباع هذا التكتيك، فيملأ المكان ويخترق الجدران، وعن هذا كتب الكاتب ذو الأسلوب غير المباشر والموجز باسكال كينيار في كتابه "كراهية الموسيقى"، "كل صوت هو غير مرئي، كقذيفة تخترق الأغلفة، سواء أكانت أجساداً أو غرفاً أو شققاً أو قلاعاً أو مدناً محصنة، إنه غير مادي يكسر كل الحواجز، فالسمع ليس كالبصر وما يرى يمكن إخفاؤه بالجفون ويمكن إيقافه بالفواصل أو الستائر، ويمكن جعله غير قابل للوصول إليه فوراً بالجدران. أما ما يسمع فلا يعرف جفوناً ولا فواصل ولا ستائر ولا جدران، يندفع الصوت وينتهك الصمت وهذا ما يفسر سبب كون ردود الفعل على الأصوات غير المرغوب فيها شديدة، فنحن نواجه متطفلين بلا وجوه، إننا نلمس بأيد خفية".
خلال حرب العراق، استخدمت القوات العسكرية الأميركية تكتيكات نفسية تتضمن الموسيقى بطريقتين رئيستين: الأولى من خلال تشغيل الموسيقى عبر مكبرات الصوت في الأماكن العامة، كما في عملية "السبب العادل"، واستخدامها بشكل خاص أثناء استجواب المعتقلين.
ففي معركة الفلوجة عام 2004 بدأ الجيش الأميركي عمليات لاستعادة السيطرة على الفلوجة، وكجزء من هذه الاستراتيجية، وضعت مكبرات صوت ضخمة على أبراج مدافع سيارات "الهمفي" لتشغيل موسيقى الروك/ الميتال الصاخبة، بينما كان الجنود يحاصرون المدينة. ولم يكن الجيش يملك قائمة تشغيل رسمية، فكان يترك اختيار الموسيقى للجنود، ويبدو أن اختيار النوع الموسيقي يقتصر على موسيقى الروك/ الميتال الصاخبة أو الراب.
ويصف كتاب "أهداف صوتية" الغرض النفسي من تشغيل موسيقى الروك/ الميتال الصاخبة والراب على المتمردين في الفلوجة، "الأمر لا يتعلق بالموسيقى بقدر ما يتعلق بالصوت، إنه أشبه بإلقاء قنبلة دخان، فالهدف هو إرباك العدو وتشتيت انتباهه لكسب ميزة تكتيكية. وإذا تمكنت من إزعاج العدو طوال الليل، فإن ذلك يضعف قدرته على القتال. كما أن الموسيقى الغربية ليست من ذوق العراقيين، لذلك أصبح رجالنا مبدعين للغاية في إيجاد أصوات يعتقدون أنها ستزعج العدو. وتنجح عمليات المضايقة هذه بشكل خاص في المناطق الحضرية مثل الفلوجة، فالأصوات تتردد باستمرار على الجدران".
معركة صوتية
ويعد كتاب "لا مجد حقيقي: رواية من الخطوط الأمامية لمعركة الفلوجة" لبينغ ويست، تقريراً مباشراً عن العمليات العسكرية في الفلوجة، استناداً إلى رحلة استغرقت أشهراً مع الكتائب التي استعادت السيطرة على المدينة. ويقدم تقريره مثالاً آخر على استخدام موسيقى الروك/ الميتال والراب في مواجهة المتمردين، فقد عزفت هذه الموسيقى بشكل متواصل في الفلوجة لدرجة أن مشاة البحرية أطلقوا على المدينة لقب "لالا فلوجة" (في إشارة إلى المهرجانات الصيفية التي كانت تقام طوال اليوم، والتي كانت تعزف فيها موسيقى الروك والراب في الغالب). ولم يرض رجال الدين أن يهزموا، فردوا بمكبرات صوت موصولة بمولدات كهربائية، محاولين إغراقهم بأصوات الصلوات وتكبيرات الله أكبر والموسيقى العربية. وفي هذه الأثناء، دارت معركة صوتية بين محاولات جنود المارينز للترهيب النفسي والمضايقة والحرمان الحسي ضد المتمردين داخل الفلوجة، الذين حاولوا إغراق موسيقى الميتال والراب بموسيقاهم الخاصة، التي يرجح أنها أناشيد دينية تبث من المساجد.
أما الطريقة الرئيسة الثانية التي تستخدم بها الموسيقى في التكتيكات النفسية فتتمثل في التعامل مع المعتقلين. ولا تقتصر استخدامات الموسيقى أثناء الأسر على الاستجواب فقط، فقد ذكر سفانيبور بيتان أن الموسيقى استخدمت لإذلال السجناء خلال حرب كرواتيا في التسعينيات، موثقاً حالات أجبر فيها السجناء على غناء الأغاني الوطنية والعنصرية لآسريهم، وتعرضوا للضرب إذا رفضوا. وفي سياق العمليات العسكرية الأميركية، أفاد آدم بيور في مايو (أيار) 2003 أن المحققين الأميركيين كانوا يشغلون موسيقى الميتال وأغاني الأطفال الأميركية لكسر إرادة الأسرى غير المتعاونين في العراق. وادعى بيور أنه إذا رفض السجناء الإجابة على الأسئلة، فغالباً ما كانوا يعرضون لموسيقى الميتال أو أغاني الأطفال لفترات طويلة.
ووفقاً للرقيب مارك هادسيل من قسم العمليات النفسية، كان الهدف من هذا التكتيك هو "كسر مقاومة السجين من خلال حرمانه من النوم، وتشغيل موسيقى تعد مسيئة ثقافياً بالنسبة إليه. فهؤلاء الناس لم يسمعوا موسيقى الهيفي ميتال من قبل ولا يستطيعون تحملها، وإذا شغلتها لمدة 24 ساعة يبدأ الدماغ ووظائف الجسم بالتدهور، ويتباطأ التفكير، وتنهار الإرادة. وعندها نتدخل ونتحدث معهم". ومن بين أغاني الميتال التي اختيرت للاستجواب أغنية "Enter Sandman" لفرقة "ميتاليكا" وأغنية "Bodies" لفرقة "دراونينج بول". ومن بين أغاني الأطفال التي عزفت بهذه الطريقة أغنية "I Love You" لبارني الديناصور الأرجواني.
تكتيك واحد وأماكن مختلفة
عن هذا التكتيك قالت موراج جوزفين غرانت، عالمة الموسيقى في كلية ريد للموسيقى بجامعة إدنبره بالمملكة المتحدة، "إن الموسيقى استخدمت كوسيلة للتعذيب عبر التاريخ، لأنها قادرة على التسبب لنا بألم شديد". وأوضحت غرانت أن الموسيقى يمكن أن تسبب الألم بسبب وظائفها العاطفية والنفسية، مما يؤثر بشكل كبير على هويتنا الذاتية وعواطفنا، وكلاهما مستهدف بالتعذيب".
أما دانييل ليفيتين، أستاذ علم الأعصاب والموسيقى بجامعة "ماكجيل"، فقال إن "ذلك يعيق الدماغ عن تنظيم المعلومات وفهمها، إذ يحاول الدماغ باستمرار العثور على الأنماط وتنظيم النظام من الفوضى، ويقدم له شيئاً غير مألوف، فيشعر بالإحباط".
وقد أثبت أن الأصوات العالية أو المخيفة تعزز آثار أساليب التعذيب الأخرى، مثل الحرمان من النوم، ويمكن أن تطغى على الأفكار الداخلية للمعتقلين، مما يؤدي إلى فقدان التوجه وحتى الهلوسة، بحسب ما يقول بحث بقلم سوزان كوزيك، أستاذة الموسيقى في جامعة نيويورك، إذ إن الضوضاء العالية توقف عملية التوجيه النفسية، مما يجعل من الصعب التمييز بين الواقع ومقاومة الأسئلة من الخاطفين. ومن أحد الأمثلة على ذلك هو إجبار الموسيقيات اليهوديات على أداء المسيرات والموسيقى الكلاسيكية من تأليف شوبرت وباخ على سبيل المثال في معسكر اعتقال أوشفيتز- بيركيناو.وتوصل جوليان براور، باحث في مركز تاريخ العواطف بمعهد "ماكس بلانك" للتنمية البشرية، إلى أن أول استخدام للأوركسترا في معسكرات الاعتقال النازية كان في صيف عام 1942، فقد تم إيواء الموسيقيين في ثكنات منفصلة وحصلوا على مزيد من الطعام كمكافأة على عملهم. وعزفت الموسيقى على أبواب المعسكرات مع دخول السجناء الجدد. وتظهر الروايات الشخصية للموسيقيين التي سجلها براور التناقض بين ذكرياتهم السعيدة عن عزف الموسيقى واستخدام موهبتهم بواسطة "آلية الموت في المعسكر"، وأدى ذلك إلى الاكتئاب والأمراض الجسدية الخطرة والانتحار، بحسب بحث براور، إذ تربط أجسادنا الموسيقى بذاكرتنا ومعانينا وعواطفنا.
وخلال حصار مجمع طائفة ديفيد كوريش في واكو (تكساس) عام 1993، بث مكتب التحقيقات الفيدرالي الموسيقى والضوضاء ليلاً ونهاراً. وعندما لجأ فلسطينيون إلى كنيسة المهد في بيت لحم للاحتماء بها عام 2002، أفادت التقارير أن القوات الإسرائيلية حاولت طردهم باستخدام موسيقى الميتال الصاخبة. أما في غوانتانامو، فقد جُرد المعتقلون من ملابسهم وقيدوا إلى الكراسي، وأعموا بأضواء وامضة بينما كانت موسيقى الميتال الصاخبة وموسيقى الراب وأغاني الأطفال تزعج آذانهم.