Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف جعلت الحرب الهلال السوداني بطلاً للدوري في رواندا؟

فاز بالبطولة المحلية وحصد الدوري في موريتانيا ورواندا ليحقق إنجازاً فريداً في كرة القدم لم يسبقه إليه أي نادٍ آخر

توج الهلال السوداني بلقب الدوري الرواندي في موسم 2026 (نادي الهلال السوداني)

ملخص

على المدى البعيد، سيبقى مستقبل الكرة السودانية مرتبطاً بتحقيق الاستقرار في البلاد لأن عودة الجماهير للملاعب وإعادة تأهيل المنشآت الرياضية تمثل الأساس الحقيقي لأية نهضة كروية مستدامة تعيد للسودان مكانته التاريخية في القارة الأفريقية.

لم تكن كرة القدم السودانية بمنأى عن تداعيات الحرب التي ألقت بظلالها الكثيفة على مختلف تفاصيل الحياة في البلاد، إذ تحولت الملاعب إلى ساحات صامتة وتوقفت المنافسات المحلية، بينما وجدت الأندية واللاعبون أنفسهم أمام تحديات كبيرة فرضتها ظروف اللجوء والنزوح وعدم الاستقرار، وبينما عانت الفرق الرياضية صعوبات مالية ولوجستية ونفسية، استطاع الهلال السوداني أن ينجح في مواصلة نشاطه خارج البلاد حفاظاً على حضوره القاري واستمرارية مشروعه الرياضي.

واضطر الهلال، صاحب الرقم القياسي في عدد مرات التتويج بالدوري السوداني، إلى خوض تجربة فريدة باللعب في الدوريات الخارجية بعد توقف النشاط المحلي بسبب الحرب، فشارك أولاً في الدوري الموريتاني العام الماضي، قبل أن ينتقل هذا الموسم إلى الدوري الرواندي، حيث تُوج بلقب البطولة هذا الأسبوع عقب مشوار استثنائي مليء بالتحديات، ولم يقتصر الأمر على التنقل بين الدول، بل حُرم الفريق أيضاً من اللعب وسط جماهيره وخوض مبارياته القارية على أرضه، شأنه شأن المريخ السوداني، مما ضاعف من حجم الضغوط على اللاعبين والجهاز الفني.

وعلى غم الظروف القاسية، اختار الهلال طريق التحدي بدلاً من الاستسلام، محققاً إنجازاً نادراً بالتتويج بألقاب دوري في ثلاث دول مختلفة، السودان وموريتانيا ورواندا التي توج فيها بلقب الدوري الرواندي لموسم 2026، إثر فوزه على نادي غاسوجي بنتيجة 2-1 خلال فترة قصيرة، حتى بات إنجازه مرشحاً للدخول إلى "موسوعة غينيس" للأرقام القياسية، في قصة تلخص معاناة الكرة السودانية وإرادة البقاء فيها.

صعود وانكسارات

ارتبط تاريخ كرة القدم السودانية بتاريخ المجتمع السوداني نفسه، إذ كانت اللعبة منذ بداياتها في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي مساحة للتعبير الشعبي والهوية الوطنية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى واحدة من أكثر الرياضات تأثيراً وجماهيرية في السودان.

وعاشت الكرة السودانية فترات ازدهار كبيرة، بخاصة خلال خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما كان السودان من أبرز القوى الكروية في أفريقيا، مستفيداً من الاستقرار الإداري والدعم الحكومي والزخم الجماهيري الكبير، وشكل تتويج المنتخب السوداني بكأس الأمم الأفريقية عام 1970 ذروة العصر الذهبي لكرة القدم السودانية، في وقت كانت الملاعب تمتلئ بالجماهير وتحظى الأندية واللاعبون برعاية واسعة واهتمام إعلامي وشعبي استثنائي.

وفي قلب هذه الحكاية، برز الهلال بوصفه أحد أهم رموز الكرة السودانية وأكثرها تأثيراً، فمنذ تأسيسه عام 1930 في مدينة أم درمان، تحول إلى ظاهرة جماهيرية وثقافية تتجاوز حدود الرياضة، حتى لُقب بـ"هلال الملايين" بسبب قاعدته الشعبية الواسعة، وعاش النادي فترات مجد طويلة، خصوصاً خلال الثمانينيات والتسعينيات، حين فرض حضوره قارياً ووصل إلى نهائيات أفريقية عدة، كما أصبح مع غريمه التقليدي المريخ جزءاً من هوية السودانيين الكروية في ما يعرف بـ"ديربي النيلين"، أحد أقدم وأشهر "الديربيات" العربية والأفريقية.

لكن كرة القدم السودانية شهدت لاحقاً فترات تراجع نتيجة الأزمات الاقتصادية وضعف البنية التحتية والصراعات السياسية، قبل أن تأتي الحرب الأخيرة لتدخل الرياضة في أصعب مراحلها، وعلى رغم ذلك، ظل الهلال نموذجاً للصمود، متنقلاً بين دول عدة للحفاظ على استمراريته وتمثيل السودان قارياً، في قصة تختصر تاريخ الكرة السودانية بكل ما فيه من صعود وانكسارات وشغف جماهيري لا ينطفئ.

اصطدام الطموحات

 خلال العقد الأخير، بدأت كرة القدم السودانية محاولة استعادة مكانتها التاريخية بعد أعوام طويلة من التراجع الإداري والفني، فشهد المنتخب والهلال السوداني تحركات واسعة لإعادة بناء المشروع الكروي على أسس أكثر احترافية. وعمل "الاتحاد السوداني لكرة القدم" على تطوير مسابقاته المحلية وإعادة تأهيل المنتخبات السنية والاستعانة بأجهزة فنية أجنبية، مما انعكس تدريجاً على أداء "صقور الجديان" الذين عادوا لكأس الأمم الأفريقية عام 2021 بعد غياب طويل، وقدموا مستويات لافتة في تصفيات المونديال وكأس أفريقيا، مستفيدين من بروز جيل جديد قاده لاعبون من فريقي الهلال والمريخ.

 

 

وفي المقابل، كان الهلال السوداني أكثر الأندية تحركاً نحو مشروع الاستقرار والتحديث، بدءاً من عام 2016، حين اتجه النادي إلى تطوير بنيته التحتية وتجديد ملعبه الشهير "الجوهرة الزرقاء"، فضلاً عن توسيع استثماراته الفنية والتعاقد مع محترفين ومدربين أصحاب خبرات أفريقية، ونجح الهلال أيضاً في فرض حضوره القاري بصورة ثابتة، بوصوله المتكرر إلى دور المجموعات ضمن دوري أبطال أفريقيا، ومنافسة كبار القارة مثل الأهلي المصري والترجي التونسي ومازيمبي الكونغولي، ليصبح واجهة الكرة السودانية خارجياً.

لكن هذه الطموحات اصطدمت لاحقاً بواقع الحرب التي شلت النشاط الرياضي وأدخلت الكرة السودانية في أصعب مراحلها، وبين نجاحات الصمود وإخفاقات الواقع، بقي الهلال والمنتخب القومي عنواناً لمحاولة إنقاذ ما بقي من وهج كرة القدم السودانية التي لا تزال تبحث عن عودتها الكبرى لمكانتها التاريخية في القارة الأفريقية.

استحقاق "غينيس"

 قال الصحافي خالد ماسا "فكرة إدارة الهلال في استحقاق دخول النادي واسمه لـ’موسوعة غينيس‘ يأتي بدوافع موضوعية تتسق مع فكرة الموسوعة والأرقام المسجلة فيها، فمنذ اندلاع الحرب صار من المستحيل أن يؤدي الهلال مباريات الدوري المحلي داخل السودان وفي الوقت ذاته كان مطالباً بالاستعداد للاستحقاق الأفريقي لعام 2023- 2024 فقامت إدارة الهلال باختيار موريتانيا كأرض لمعسكر الهلال وأداء بعض المباريات هناك لخلق الجاهزية الفنية".

وتابع أن "إدارة الهلال تواصلت بعد ذلك مع الاتحاد الرواندي لكرة القدم عبر الاتحاد السوداني وتوصلا إلى صيغة اتفاق بمشاركة الهلال ضمن كلية الأندية الموريتانية في الدوري، والشيء الطبيعي هو أن يحقق الهلال في هذه المشاركة نتائج وانتصارات كبيرة للفوارق في المستوى والإمكانات وجاهزية الهلال بطاقم أجنبي كبير ومحترفين بمستوى عال".

وأردف الصحافي أن التحول الذي جعل من مشاركة الهلال شيئاً استثنائياً هو إعلان الاتحاد السوداني لكرة القدم إصراره على قيام منافسة الدوري المحلي واستدعاء الهلال للمشاركة فيه وربط ترشيحه للبطولة القارية الموسم التالي بالمشاركة المحلية، "ووقتها كان الهلال مرتبطاً بجدول المشاركة الأفريقية واستحقاقات الدوري الموريتاني المتراكمة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وأوضح ماسا أن "الهلال حضر الى السودان في ظروف لا تزال الحرب تلقي بظلالها على الأوضاع العامة، وجراء ذلك امتنع الجهاز الفني بقيادة المدرب السابق فلوران ايبينغي عن الحضور وقيادة الفريق في الدوري المحلي وكذلك كل المحترفين عدا اثنين قبلوا بالمشاركة هما البورندي جان كلود والموريتاني أحمد سالم، لتقام المنافسة المحلية في ولاية نهر النيل بالمدرب المساعد واللاعبين الوطنيين وبعض اللاعبين الشباب. وكان الإعجاز في تحقيق الهلال للبطولتين في آن واحد، في موريتانيا والسودان".

 وأبان أن استمرار عدم جاهزية الملاعب السودانية لاستضافة المباريات فرض على الهلال اختيار المشاركة في بطولة خارجية ثانية في رواندا، وكذلك نسبة إلى الترتيبات الإدارية المتأخرة لهذه المشاركة، تأخر الهلال بجملة مباريات في الدوري الرواندي لأسابيع عدة إضافة إلى بداية الالتزامات الأفريقية، "ومع ذلك ومع وجود الند التقليدي المريخ في البطولة، استطاع الهلال أن يتصدر البطولة ووقتها أيضاً أصر الاتحاد السوداني على برمجة مباريات الدور الأول للنخبة في بورتسودان لتجد إدارة الهلال نفسها مشاركة بفريقين ضمن منافستين في السودان ورواندا، إضافة إلى المشاركة في المراحل المتقدمة في بطولة الأبطال والتزام عدد كبير من لاعبيه بمشاركات المنتخب الوطني"، وفق ما ذكر  ماسا.

 وختم بقوله "الإنجاز كان في أن الهلال حسم البطولة الرواندية ونال لقبها قبل أسابيع من نهايتها ليكون أول نادٍ يحقق البطولة المحلية في ثلاث دول مختلفة وهو الإنجاز والرقم غير المسبوق".

تحديات محيطة

تقف كرة القدم السودانية بين واقع الحرب القاسي ومحاولات استعادة الحياة الرياضية تدريجاً، خصوصاً بعد عودة الهلال السوداني  للبلاد للمشاركة في دوري النخبة عقب أعوام من التنقل بين موريتانيا ورواندا، وتمثل هذه العودة خطوة رمزية مهمة، تعكس رغبة الأندية السودانية في إعادة بناء النشاط المحلي على رغم استمرار الظروف الأمنية المعقدة، كما تمنح الجماهير أملاً في استعادة جزء من المشهد الكروي الذي غاب طويلاً بسبب الحرب وتوقف المنافسات المحلية.

 

 

لكن المستقبل القريب لا يزال محاطاً بتحديات كبيرة، أبرزها ضعف البنية التحتية الرياضية وصعوبة إقامة المباريات بصورة منتظمة، فضلاً عن الأزمات المالية وضغط المشاركات الخارجية، خصوصاً للهلال والمنتخب السوداني، كذلك تواجه الأندية خطر فقدان المواهب الشابة بسبب الهجرة والاحتراف الخارجي، في وقت تعاني الكرة السودانية غياب الاستقرار الإداري والفني الكامل، وعلى رغم ذلك، يرى كثرٌ أن تجربة الهلال الأخيرة منحت الكرة السودانية درساً في الصمود والقدرة على التكيف.

وفي هذا السياق، يعتقد معلقون رياضيون بأن الفريق نجح في الحفاظ على روحه التنافسية على رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب والتنقل المستمر خارج السودان، وأن استمرار الفريق في المنافسة قارياً ومحلياً وسط الحرب يعكس قوة ذهنية كبيرة لدى اللاعبين وإصراراً على تمثيل السودان بصورة مشرفة، وأكد عدد من مسؤولي الهلال والجهاز الفني خلال مناسبات مختلفة أن استمرار الفريق في المنافسة قارياً ومحلياً وسط ظروف الحرب يعكس قوة شخصية اللاعبين وقدرتهم على التكيف مع الضغوط.

 وعلى المدى البعيد، سيبقى مستقبل الكرة السودانية مرتبطاً بتحقيق الاستقرار في البلاد لأن عودة الجماهير للملاعب وإعادة تأهيل المنشآت الرياضية تمثل الأساس الحقيقي لأية نهضة كروية مستدامة تعيد للسودان مكانته التاريخية في القارة الأفريقية.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة