ملخص
منذ أن تكرس اسم الياباني ريوسوكي هاماغوتشي دولياً عبر ”قودي سيارتي“، بدا كأن السينمائي الآتي من تقاطع الأدب والمسرح والسينما وجد مكانه بين كبار مخرجي جيله.
اعتمد هاماغوتشي في أفلامه السابقة، ومنها ”دولاب الحظ والفانتازيا“ و“لا يوجد شر“، على الاقتصاد في التعبير، وجعلها تنطوي على باطنية خاصة بالسينما الآسيوية عموماً، لذلك يبدو أحدث أعماله ”فجأةً“، المشارك في مسابقة مهرجان كان السينمائي (12 – 23 مايو "أيار")، منعطفاً حاداً في مسيرته، ليس فقط لأنه أول أفلامه المصوّرة خارج اليابان (فرنسا)، وإنما لأنه أيضاً أكثر أعماله انفلاتاً من أي إطار.
حظي الفيلم بصدى إيجابي خلال عرضه الأول في المهرجان، وبدت بطلته فيرجيني إيفيرا، متأثرة إلى حد أنها راحت تمسح دموعها عن خديها قبل أن تعانق المخرج قائلة له: ”شكراً“، أما النقاد فانقسمت آراؤهم حول العمل، وإن ظلت الكفة تميل إجمالاً إلى الإيجابية، فبين من انتقدوا نزوعه الديداكتيكي، ومن رأوا فيه ”صنعة أستاذ“، يبقى الفيلم واحداً من أقوى الأفلام المرشحة لنيل ”السعفة الذهبية“ التي تمنحها مساء اليوم لجنة تحكيم يترأسها آسيوي آخر، هو الكوري الجنوبي بارك تشان ووك.
تدور الأحداث داخل دار رعاية للمسنين في باريس، حيث تنشأ علاقة بين مديرة المؤسسة الفرنسية (إيفيرا)، ومخرجة مسرح يابانية محتضرة بسبب إصابتها بالسرطان (تاو أوكاموتو). ما يبدأ كصداقة عابرة بين امرأتين من ثقافتين مختلفتين، يتحول تدريجاً إلى محاولة لإعادة تعريف مفهوم العناية بالمريض والمسن. بدلاً من الانضباط الصارم للبروتوكولات الطبية يطرح الفيلم نموذجاً قائماً على القرب الإنساني والإنصات للضعيف والكرامة الشخصية.
الفيلم الذي تبلغ مدته ثلاث ساعات وربع الساعة (أطول أفلام المسابقة) مقتبس من كتاب يستند إلى مراسلات متبادلة بين ماوكو ميانو وماهو إيسنو، وهو ما يفسر ربما الطابع التأملي للنص، واعتماده الكبير على الحوار والمكاشفات الطويلة. هاماغوتشي نفسه كان قد قال في إحدى مقابلاته إنه يحتاج دائماً إلى الحوار لبناء أفلامه، وإن تأثره الأكبر يأتي من سينمائيين مثل إريك رومير وجون كاسافيتيس أكثر من الأدب نفسه، على رغم الصورة الشائعة عنه كمخرج “أدبي”. هذا الميل يظهر بوضوح هنا، خصوصاً في المشاهد المطولة التي تكتفي بوجهين يتحاوران على ضفة نهر، بحيث يعود صاحب الفيلم إلى أكثر ما يجيده: استخراج الشحنة العاطفية من أبسط التفاصيل اليومية. يعرف هاماغوتشي كيف يمنح الزمن وزناً سينمائياً. مدة الفيلم الطويلة هي جزء من التجربة. المشاهد تمتد حتى حدود الإنهاك أحياناً، لكن هذا البطء نفسه يسمح بتراكم التفاصيل الصغيرة التي تصنع قوة الفيلم الوجدانية.
في قسمه الأول يحتفظ ”فجأة“ بالتوازن. الكاميرا تراقب الشخصيات من مسافة قريبة، والعلاقة بين السيدتين تُبنى ببطء شديد، إلى حد أن الفيلم يتحول إلى دراسة عن العزلة أكثر منه دراما عن المرض، لكن الفيلم يتغير جذرياً في نصفه الأخير. ما كان دراما حميمية يتحول إلى تنديد بأنظمة الرعاية والطب والمجتمع والرأسمالية، فيبدأ الفيلم بالابتعاد عن حساسية هاماغوتشي المعروفة، ليدخل منطقة أكثر التباساً. الشخصية الفرنسية تتحول إلى منبر للأفكار، فتطلق مرافعات طويلة عن المؤسسات الصحية، والعمل التطوعي، والعنف الكامن في النظام الاقتصادي الحديث. الإشارات الفكرية تتكاثر، من نقد الرعاية التقليدية إلى استحضار اسم الطبيب والناشط الإيطالي فرانكو باساليا الذي أحدث ثورة على مستوى علم النفس في الستينيات.
عاب البعض على الفيلم الحبكة التي تنطوي على مبالغات تضعف صدقيتها، وخصوصاً في ما يتعلق بالشخصية اليابانية المريضة، التي تتأرجح بين الانهيار الجسدي الحاد واستعادة النشاط بصورة تكاد تتجاهل المنطق الطبي. الأصوات نفسها أخذت على هاماغوتشي أيضاً رغبته الواضحة في الدفاع عن مقاربة أكثر إنسانية للمرض والشيخوخة، ومن جهة أخرى، جعل شخصياته أحياناً وكأنها مجرد أدوات لطرح مواقف نظرية.
”فجأة“ هو من تلك الأفلام التي إما أن تعشقها أو تنفر منها، ذلك أنه يصعب مقاربته ببرود، حتى في لحظاته الأكثر ضعفاً، يحتفظ بطاقة عاطفية. إيفيرا تمنح الدور كثافة استثنائية، إلى حد قولها إن الكاميرا لم تصوّر أداءها بقدر ما التقطت ما عاشته فعلاً أثناء التصوير. هذا الإحساس ينتقل إلى الشاشة، خصوصاً في المشاهد التي يتراجع فيها الخطاب تاركة المجال للإنهاك والخوف والصمت. تفصيل آخر دال: تعلّمت إيفيرا اللغة اليابانية من أجل هذا الفيلم، ودرست قراءة الهيراغانا، وهي إحدى الأبجديات اليابانية، فضلاً عن خضوعها لتدريبات تُسمى ”هومانيتود“ (Humanitude) التي تركّز على رعاية كبار السن والأشخاص الذين يعانون اضطرابات إدراكية. مدرسة تقوم على اعتبار كل شخص إنساناً حقيقياً. في حوار، علقت إيفيرا بالقول: ”تعلمتُ أيضاً أن ما يحدث خارج المشاهد في الفيلم لا يقل أهمية، بل ربما يكون أهم، مما يحدث أثناء المشاهد نفسها“.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الأعوام الأخيرة تحول هاماغوتشي، 47 سنة، إلى أحد الأسماء البارزة في المهرجانات الكبرى. بعد مشاركاته في برلين وكان والبندقية، وفوزه بالـ“أوسكار“ عن ”قودي سيارتي“، أبدى العالم اهتماماً كاملاً بمشروعه، لكن هو نفسه يتعامل مع هذا الاعتراف بحذر، إذ سبق أن قال إن الجوائز لا تخصه وحده، بل تخص المشروع كله، وإنه لا يعرف فعلياً ما إذا كانت قد غيرت شيئاً في عمله. ربما لهذا السبب يبدو ”فجأة“ محاولة واعية للخروج من التوقعات، حتى لو قادته أحياناً إلى أرض وعرة.