ملخص
انخفضت نسبة الحجوزات على المنازل الجديدة من قبل الفرنسيين بنسبة 14.3 في المئة خلال الربع الأول من العام الحالي، لتصل إلى 19.050 وحدة، وهو مستوى غير مسبوق منذ إنشاء مرصد الاتحاد.
تشهد سوق العقارات الجديدة تراجعاً في فرنسا، فخلال الربع الأول من عام 2026، انخفضت الشراءات إلى ما دون عتبة 20 ألف وحدة للمرة الأولى منذ إنشاء مرصد الاتحاد الفرنسي للعقارات، بينما سجلت العقارات الجديدة المعروضة أدنى مستوياتها تاريخياً.
ويتسارع التراجع في سوق المساكن الجديدة، فبحسب الأرقام التي نشرها "الاتحاد الفرنسي للعقارات" في الـ12 من مايو (أيار) الجاري، انخفضت العقارات الجديدة المعروضة في السوق بنسبة 19.2 في المئة، لتصل إلى 11.649 وحدة وحسب، وهو أدنى مستوى ربع سنوي مسجل على الإطلاق في فرنسا.
ويقل هذا الرقم بنسبة 37.4 في المئة عن متوسط الربع الأول من الفترة ما بين 2020-2026 ويساوي 18.600 وحدة، وبلغ معدل الانسحاب أي نسبة المشاريع المسحوبة من السوق وجرى التراجع عن تسويقها 24 في المئة خلال الربع الأول من العام الحالي، مقارنة بمتوسط طويل الأجل يقل عن 10 في المئة.
ويُعد قطاع المساكن الجديدة في طليعة أزمة اقتصادية لا شك في أنها ببدايتها وفق المتخصصين، وأثارت نتائج الربع الأول التي نشرها "الاتحاد الفرنسي للعقارات" مخاوف القطاع من الأسوأ، فبين الحرب في الشرق الأوسط والضغط على كلفة مواد البناء وعودة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، يلقي القلق بظلاله الثقيلة على الشركات والأسر.
شلل سوق الشراء
وانخفضت نسبة الحجوزات على المنازل الجديدة من قبل الفرنسيين بنسبة 14.3 في المئة خلال الربع الأول من العام الحالي، لتصل إلى 19.050 وحدة، وهو مستوى غير مسبوق منذ إنشاء مرصد الاتحاد.
وتتوزع هذه الحجوزات على النحو التالي 12337 عملية بيع بالتجزئة مسجلة تراجعاً بنسبة 10.8 في المئة و4413 عملية بيع بالجملة منخفضة بنسبة 35 في المئة و2300 عملية بيع للشقق الفندقية التي زادت بنسبة 43.8 في المئة.
"هذه الأرقام تصيبني بالذهول، لا أجد تفسيراً لها والوضع يزداد سوءاً"، هكذا عبّر رئيس الاتحاد الفرنسي للعقارات باسكال بولانجي عن أسفه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعزو الاتحاد هذا التراجع إلى ثلاثة عوامل مجتمعة وهي عودة التضخم لـ2.2 في المئة في أبريل (نيسان) الماضي نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب في إيران، وصعود معدلات الرهن العقاري إلى 3.18 في المئة خلال الربع الأول، وحال من القلق تعوّق قرارات الشراء لدى الأسر.
وبلغ حجم العقارات المعروضة المتاحة 83228 منزلاً بزيادة 3.8 في المئة على أساس سنوي، بمتوسط فترة بيع قدرها 19.9 شهراً، أي أكثر من ضعف الفترة المسجلة خلال الربع الأول من عام 2020 والتي بلغت 9.7 شهر، وارتفعت نسبة المنازل المُسلّمة غير المباعة إلى 12 في المئة، مقارنة بمتوسط طويل الأجل قدره سبعة في المئة.
مخططات اجتماعية فاشلة
في ما يتعلق بمخطط "جانبران" الضريبي وهو حافز ضريبي أنشئ لتعزيز الاستثمار في الإيجار الذي دخل حيز التنفيذ في الـ21 من فبراير (شباط) الماضي، يقرّ باسكال بولانجي بأن النتائج أقل بكثير من الأهداف المرجوة، إذ لم يُبَع سوى نحو 100 منزل بموجب هذا المخطط خلال الربع الأول من العام الحالي، مقارنة بالمعدل المستهدف الذي يراوح ما بين 4 آلاف و5 آلاف منزل شهرياً للوصول إلى هدف 50 ألف منزل سنوياً.
وأعرب باسكال بولانجي عن "خيبة أمله الشديدة" إزاء إعلان الحكومة عن خطة إنعاش الإسكان التي عرضت في الـ23 من أبريل الماضي والتي ركزت على تحسينات "مشروع جانبران السكني" للعقارات القديمة.
ويرى المحلل الاقتصادي جمال بن جميع أن الصدمة الأولى للقطاع تمثلت في ارتفاع أسعار الفائدة، فبعدما كانت الأسر الفرنسية تقترض من دون خوف يذكر من أعباء الائتمان واستحوذ المستثمرون على كل ما يقع تحت أيديهم، عاد التضخم، مدفوعاً بتداعيات جائحة "كوفيد-19" وتوترات الطاقة والحرب في أوكرانيا، عندها رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة فجأة، وكانت النتيجة فورية ففقدت الأسر قدرتها الشرائية.
وأصبحت الشقة التي كانت في متناول اليد عام 2021 باهظة الثمن الآن. فقبل جائحة "كوفيد-19"، كانت الأسر تقترض بفائدة 0.45 في المئة، أما بعد الجائحة، فارتفعت الفائدة إلى نحو 3.6 في المئة.
وتعاني فرنسا أيضاً مشكلة هيكلية في العرض، إذ أصبح قطاع البناء بطيئاً ومكلفاً، بل محبطاً في بعض الأحيان، وتتزايد المعايير البيئية وتستغرق التراخيص وقتاً طويلاً وتؤدي التحديات القانونية إلى تأخير المشاريع، في حين أن ارتفاع أسعار المواد والطاقة يزيد من كلفة البناء.
ويفضل عقاريون تأجيل مشاريعهم بدلاً من بيعها من دون أرباح تذكر، ظاهرة أخرى لا ينبغي إغفالها أيضاً فلم يعُد السكن مجرد مكان للعيش، بل أصبح أصلاً مالياً.
وفي عدد كبير من المدن الغربية الكبرى، تُستخدم الشقق الآن كملاذ آمن للثروة واستثمار ضد التضخم، وأحياناً كمنتج للمضاربة.
هذه النزعة المالية تغذي ارتفاعاً مستمراً في الأسعار وتثني الأجيال الشابة عن امتلاك المنازل، فاليوم ينتظر المشترون انخفاض الأسعار ويرفض البائعون بيع عقاراتهم بأسعار أقل من أسعار أعوام الازدهار. والنتيجة جمود السوق، مما يساوي تراجعاً في المقاولات ومزيداً من عدم اليقين وشعوراً عاماً بالشلل، ولم تعُد سوق الإسكان الجديد مجرد ضحية لأزمة ظرفية، بل تعاني انهياراً عاماً في الثقة.
ويمثل انخفاض عدد الشراءات إلى أقل من 20 ألفاً مؤشراً مهماً، مما يعني أنه حتى في بلد لا يزال عدد السكان ديناميكياً نسبياً والحاجة إلى السكن قائمة، فإن عملية الشراء توقفت.
ومع ذلك، لا تموت سوق العقارات أبداً بسبب نقص الطلب، بل تنهار عندما تتلاشى الرؤية المستقبلية.
ويرى بن جميع أن المؤشرات مقلقة لأنها تتجه جميعها نحو المسار نفسه، موضحاً أنه "عندما تنخفض المبيعات وتنهار مشاريع بناء المساكن ويسحب المطورون مشاريعهم من السوق وتؤجل الأسر مشترياتها، لم يعُد الأمر مجرد تصحيح فني بسيط، بل هو مؤشر على تدهور عميق في المناخ الاقتصادي".
ويضيف أن "النقطة الإيجابية الوحيدة في النظام الفرنسي هي أن قروض الرهن العقاري الفرنسية غالباً ما تكون بأسعار فائدة ثابتة، مما يحمي الأسر من صدمة مفاجئة في الأقساط الشهرية، على عكس النموذج الأميركي خلال العقد الأول من الألفية الثانية، بعبارة أخرى، كانت أزمة 2008 أزمة سيولة مالية، أما الأزمة الحالية فهي أقرب إلى أزمة ثقة وسيولة اقتصادية".
ورأى المدير العام السابق للسياسة النقدية في البنك المركزي التونسي محمد صالح سويلم أن انعدام الثقة هو الغريم الأول للمناخ الاقتصادي بصفة عامة ولسوق السكن بصفة خاصة، إذ تدفع الشكوك وضبابية التوقعات إلى الانكماش في سوق العقارات وهي مرتبطة بمدخرات الأسر ونوايا الاستثمار فيها، فتُعرقل خطط شراء المنازل للعائلات الشابة، وتؤدي الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض المقدرة الشرائية، مما يثني العائلات عن الإقبال على اقتناء المساكن.
وتتسبب الاضطرابات أيضاً في زيادة معدلات الرهن العقاري وخلق حال من عدم اليقين، مما يمثل مزيجاً مرّاً للغاية لسوق العقارات.