ملخص
يقول أبو رامز "فقدت عملي والحياة بدت صعبة للغاية ولا أملك إلا ثيابي، وتوقف هذه الإعانة يعني أن تطلق النار على صدري لأن ذلك سينهي حياتي في آخر المطاف، فإما أن تستمر هذه المعونات أو على الحكومة أن تقدم لنا ما يسد رمقنا".
يعيش 90 في المئة من السوريين اليوم تحت خط الفقر بحسب دراسة أممية، وعلى رغم تحرير البلاد من سلطة عائلة الأسد عقب أكثر من نصف قرن من الحكم، لا يزال الناس يعانون من أجل إعادة الحياة لأرض الدمار والركام، ويصارعون للتعافي ولا يستطيعون، فمخيمات النزوح ما زالت حاضرة في الشمال السوري، والحاجات المعيشية تتفاقم في ظل واقع اقتصادي لا يزال في طور المراوحة وسط تفشي الغلاء الفاحش، ثم جاء قرار حجب المساعدات الأممية عن السوريين كضربة قاسية على الرأس.
طلقة في الصدر
"البحصة تسند الجرّة" مثل شعبي يلقيه العجوز السوري أبو رامز في سياق سرده لما أصابه من ضرر حين توقفت إعانة إغاثية كان يتلقاها من إحدى المنظمات. لقد وسد بيديه عائلته، زوجته وأولاده وأحفاده الخمسة، الثرى منذ أكثر من 10 أعوام إثر قصف أصاب بيته في ريف حلب شمال سوريا، وتقطعت به سبل الحياة إذ فقد مصدر رزقه، وتقاذفته أمواج النزوح من مكان إلى آخر ومن هجرة إلى أخرى حتى وصل إلى مخيم على الحدود التركية.
يكمل أبو رامز "فقدت عملي والحياة بدت صعبة للغاية ولا أملك إلا ثيابي، وتوقف هذه الإعانة يعني أن تطلق النار على صدري لأن ذلك سينهي حياتي في آخر المطاف، فإما أن تستمر هذه المعونات أو على الحكومة أن تقدم لنا ما يسد رمقنا".
وأوقفت الأمم المتحدة مطلع مايو (أيار) الجاري العمليات الإنسانية وآلية إيصال المساعدات العابرة للحدود من الأراضي التركية إلى سوريا، بعد كل التطورات السياسية وفتح المعابر التجارية، ولم يخفِ المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، الحاجة الملحة لدعم إنساني في سوريا، وقال إن "13 مليون مواطن يعانون انعدام الأمن الغذائي، كما يحتاج 12 مليون شخص إلى مصادر مياه الشرب النظيفة".
يأتي ذلك بالتزامن مع اضطرار برنامج الأغذية العالمي أيضاً إلى تقليص عملياته في سوريا بسبب نقص التمويل، وخفض المساعدات بنسبة 50 في المئة، مما يعني تراجع عدد المستفيدين من 1.3 مليون إلى 650 ألف شخص فقط، مع توقف برنامج "دعم الخبز الوطني" الذي كان يقدم إلى ملايين السوريين يومياً بسبب الأزمة المالية.
ومما يفاقم الوضع سوءاً ما تعيشه البلاد من سياسات جديدة كرفع الدعم الحكومي عن مواد أساسية مثل الخبز والمحروقات والسكر والرز وغيرها، إذ ارتفع قبل ما يقارب العام سعر ربطة الخبز من 400 ليرة سورية إلى أربعة آلاف (يعادل الدولار الواحد نحو 14 ألف ليرة سورية) ويبلغ دخل العاملين بالدولة قرابة 100 دولار شهرياً وسط أزمات رفع الدعم عن الكهرباء وقطاع الطاقة، مما جعل كثيراً من الأسر عاجزة عن تلبية حاجاتها اليومية.
آثار سلبية
يرى موظفون أمميون أن من المتوقع أن يؤدي هذا التقليص في المساعدات إلى زيادة الضغوط على الأسر الضعيفة التي تعاني أصلاً آثار النزاع الممتد والتدهور الاقتصادي والنزوح، علاوة على ارتفاع كلف المعيشة، وقد يضطر عدد كبير منهم إلى آليات تكيّف سلبية، بما في ذلك تقليل عدد الوجبات، والحد من التنوع الغذائي، أو زيادة الديون لتلبية الحاجات الأساسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحذرت مديرة وممثلة برنامج الأغذية العالمي في سوريا ماريان وارد خلال تصريح إلى اندبندنت عربية" من أن يسهم تعليق البرنامج في ارتفاع أسعار الخبز، فضلاً عن زيادة الضغط على الفئات الضعيفة التي تكافح أصلاً لتأمين حاجاتها الأساسية، مثلما أدت فجوات التمويل بالفعل إلى تعليق مبادرة دعم الخبز التابعة لبرنامج الأغذية العالمي في مختلف أنحاء سوريا.
وتضيف أن "فجوات التمويل أجبرت برنامج الأغذية العالمي على تعليق برنامج دعم الخبز الذي كان يساعد أكثر من 300 مخبز وأكثر من 4 ملايين شخص في الحصول يومياً على خبز مدعّم بأسعار مناسبة".
وتختم وارد حديثها بأنه "وفقاً لأحدث تقييم للأمن الغذائي لا يزال 7.2 مليون شخص في سوريا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، بما في ذلك 1.6 مليون شخص يعيشون أوضاعاً شديدة الخطورة أو معرضين لها، وأي تقليص في المساعدات الإنسانية قد يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي وزيادة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على المجتمعات الضعيفة أصلاً".
ويلفت عاملون في المجال الإنساني إلى ضرورة الاهتمام بخلق فرص عمل في حال توقف المساعدات، مشيرين إلى تجارب لمنظمات أممية دأبت على دعم مشاريع صغيرة وحرف يدوية للتعامل مع نقص المساعدات أو غيابها.
وينظر الناشط المجتمعي عمار الأسعد، من الشمال السوري، إلى الأمر بكثير من الدهشة، ويقول "زوال حكم الأسد ووصول حكومة جديدة لا يعنيان أن سوريا عادت كما السابق، فهي اليوم بحاجة إلى دعم لمرحلة التعافي، وأرى أن تتحول المساعدات إلى مشاريع عمل لمساعدة المحتاجين إلى الديمومة وعدم الاتكالية، ولا سيما أن الحرب توقفت".
وكانت سوريا عاشت حرباً طاحنة إثر تمسك الرئيس السابق بشار الأسد (2000 - 2024) بالحكم خلفاً لأبيه حافظ من دون أن يستجيب للمطالب الشعبية بالتنحي وإجراء إصلاحات في البلاد، فتحول الحراك الشعبي إلى قتال ونزاع مسلح أسفر عن مصرع ما يقارب نصف مليون شخص وهجرة ونزوح ملايين السوريين قسراً من بيوتهم إلى داخل البلاد وخارجها.