Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتحول أزمة هرمز إلى كارثة عالمية؟

تسجل قطاعات صناعية وزراعية وتجارية وسياحية خسائر في مناطق مختلفة

أزمة هرمز تجارية رفعت كُلف الشحن العالمي (غيتي)

ملخص

 أزمة هرمز أزمة صناعية لأنها خفضت إمدادات الألومنيوم اللازم لصناعات كثيرة، ورفعت كُلف الفولاذ الذي يستخدم في صناعات كثيرة أيضاً، إضافة إلى أنواع المعادن كافة في أنحاء العالم بسبب ارتفاع أسعار الوقود.

إذا كان هناك أمر يتفق عليه معظم المراقبين في شتى المجالات حول أزمة مضيق هرمز فهي أن الأسئلة كثيرة والأجوبة قليلة، ومن الأسئلة المطروحة الآن: هل تتحول أزمة المضيق بالضرورة إلى كارثة عالمية شاملة جميع القطاعات الاقتصادية والمالية والزراعية والسياحية والعقارية والمواصلات؟ وهل سيصل العالم إلى وضع كارثي في أسواق الطاقة خلال الصيف بسبب أزمة هرمز؟

أزمة هرمز ليست أزمة نفطية مثل الأزمات التي حصلت في الماضي، سواء المقاطعة النفطية عام 1973 أو الثورة الإيرانية عام 1979 أو الحرب العراقية - الإيرانية بين عامي 1980 و1988 أو الغزو العراقي للكويت صيف عام 1990 أو حرب الخليج الأولى أو انقلاب فنزويلا عام 2002 أو الاحتلال الأميركي للعراق ابتداء من عام 2003 أو الارتفاع الكبير في أسعار النفط بين عامي 2007 و2008، أو أزمة كورونا خلال عامي 2020 و2021 أو الغزو الروسي لأوكرانيا خلال عام 2022، فأزمة هرمز أكبر أزمة عالمية منذ الحرب العالمية الثانية.

إنها أزمة صناعية لأنها تؤثر في القطاع الصناعي العالمي وبخاصة الآسيوي، لا بسبب الحاجة إلى مواد اللقيم مثل الغاز والغازات السائلة فقط، وبخاصة صناعة البتروكيماويات وبالتالي البلاستيك، أو الوقود مثل النفط والغاز، وإنما أيضاً بسبب توقف إمدادات الهيليوم اللازم لتصنيع رقائق الكومبيوتر والتي تعتمد عليها حياتنا اليومية من الهواتف الذكية إلى الحواسيب والسيارات والطائرات وأجهزة التكييف والبرادات وأجهزة الميكروويف والغسالات، وعدد من الأجهزة الطبية التي يحتاجها المرضى، وتحديداً كبار السن، إضافة إلى استخدام الهيليوم في كثير من الأجهزة مثل أجهزة الرنين المغناطيسي، ونظراً إلى أتمتة المصانع واعتمادها على الروبوتات فإن نقص إمدادات الهيليوم الذي يستخدم في تصنيع الرقائق الإلكترونية يضرب القطاع الصناعي بأكمله إذا استمرت أزمة هرمز فترة طويلة.

وهي أزمة صناعية لأنها خفّضت إمدادات الألومنيوم اللازم لصناعات كثيرة، ولأنها رفعت كُلف الفولاذ الذي يستخدم في صناعات كثيرة أيضاً، و أنواع المعادن كافة في أنحاء العالم بسبب ارتفاع أسعار الوقود، ومن عجائب القدر أنه في الوقت الذي تؤدي أزمة هرمز إلى انعاش الطاقة الشمسية والهوائية لكنها أيضاً رفعت كُلفهما بصورة كبيرة، وخفّضت إمدادات الميثانول الذي لا يمكن إنتاج الديزل الحيوي من دونه، والأغرب من ذلك أن صناعة الغاز المسال الأميركية استفادت بصورة كبيرة من إغلاق المضيق، ولكن خطط التوسعة الآن مهددة بالإلغاء أو التأخير بسبب ارتفاع أسعار الموارد الأساس لمعامل تسييل الغاز مثل الألومنيوم والفولاذ والأسمنت.

وأزمة هرمز زراعية كذلك وتؤثر في الإنتاج الزراعي بخاصة في آسيا وأفريقيا اللتين تعتمدان على إمدادات الأسمدة بشتى أنواعها من الخليج، ولكن المشكلة أكبر من إمدادات الأسمدة من الخليج لأن عدداً من الدول، وتحديداً الهند، تعتمد مصانع الأسمدة فيها على استيراد الغاز والغازات السائلة التي تستخدم في تصنيع الأسمدة من الخليج، ونظراً إلى ارتفاع أسعار الأسمدة فحتى المزارعين في الدول التي تتوافر فيها الأسمدة مثل الولايات المتحدة وأوروبا بدأوا يعانون أيضاً وقلصوا المساحات الزراعية بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة الكبير، وقد بدأت منظمات دولية عدة ومنها الـ "فاو" بالتحذير من مجاعة وأزمة غذاء عالمية نتيجة هذه التطورات.

وأزمة هرمز سياحية، ليس لأنها ضربت السياحة في دول الخليج فقط وخصوصاً في مكان مشهور عالمياً مثل دبي، ولكنها أيضاً لأنه رفعت أسعار الوقود وبخاصة وقود الطائرات، وهو ما أسهم في قرار شركات الطيران العالمية خفض عدد رحلاتها، فشركة "لوفتهانزا" الألمانية أعلنت إلغاء 20 ألف رحلة، وشركة "يونايتد" الأميركية ألغت 21 ألف رحلة، وشركة "دلتا" 7500 رحلة، و"أميركا" 6400 رحلة، والخطوط النيوزلندية 1100 رحلة، و"ساس" 1000 رحلة، وكذلك خفّضت عشرات خطوط الطيران الأخرى رحلاتها، وتجاوز عدد الرحلات الملغاة حتى الآن 100 ألف رحلة.

وأزمة هرمز عقارية، ليس فقط في المدن الخليجية التي انخفضت فيها أسعار العقارات بسبب الحرب، ولكن أيضاً لأنه رفعت كُلف مواد البناء من الأسمنت إلى الألومنيوم و الحديد والزجاج، وكل ما تحتاجه العقارات من أجهزة تكييف وتدفئة وغيرها، وأيضاً أثرت في عمليات بناء المصانع ومراكز البيانات لأنها رفعت الكُلف وجعلت الشركات تعيد التفكير في خططها المستقبلية.

وأزمة هرمز تجارية، ليس لأنها أوقفت التجارة من وإلى الخليج وقتلت الأنشطة في مواني معينة ونشّطت أخرى، ولكنها لأنها رفعت كُلف الشحن العالمي وغيّرت مسارات التجارة الدولية وأثرت في سلاسل الإمداد، ونتج من حال الهلع التي أصابت الأسواق تحويل مسارات السفن لمن يدفع أكثر في المجالات كافة وليس في مجالي النفط والغاز المسال فقط.

وأيضاً أزمة هرمز مالية لأنها خنقت الموارد المالية لدول الخليج والعراق وأثرت سلباً في معظم دول العالم التي ارتفعت كُلف واردات الطاقة فيها بصورة مفاجئة وكبيرة، وهذا يعني عدم قدرة كثير من الدول على سداد ديونها المقررة، وستضطر دول أخرى إلى الاستدانة من المنظمات والبنوك العالمية، وبعض الشركات ستفلس في وقت تحقق فيه بعض الشركات أرباحاً تاريخية، والمنشآت السياحية التي اعتمدت على التمويل في مشاريعها لا يمكنها الدفع الآن وقد تفلس، وهو ما سيؤثر في القطاع المصرفي العالمي، وقد قدّمت كثير من الحكومات حول العالم، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي، إعانات ضخمة لشعوبها وشركاتها للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار الطاقة، وهذا يعني زيادة العبء على موازنات هذه الدول، ولعل أكثر مظاهر الأثر المالي تتركز في أمرين: انخفاض عملات كثير من الدول في مقابل الدولار، وربما انهيار بعضها، وإجبار البنوك المركزية التي كانت تخطط لخفض أسعار الفائدة على رفعها لمكافحة التضخم.

وكذلك فأزمة هرمز اقتصادية، فقد أسهمت في رفع مستويات التضخم ويُتوقع الآن أن تؤدي إلى ركود اقتصادي في معظم دول العالم، ورأينا كثيراً من الدول، بما فيها الهند، تلجأ للتقشف وتقصر أيام العمل مع العمل من البيت، وكذلك فإن تعثر القطاع الصناعي وتوقف القطاع السياحي يعني تسريح عدد ضخم من العمال والموظفين، أي انخفاض الدخول وضعف القوة الشرائية وتوقف عجلة الاقتصاد.

إن أزمة هرمز أزمة طاقة عالمية وهو أمر يتحدث عنه الجميع، ونظراً إلى اعتماد دول الخليج على تصدير النفط فقد طغى موضوع الطاقة على غيره، والحقيقة أن أزمة الطاقة قد تكون الأقل حدة من غيرها لتوافرها في مناطق أخرى ووجود بدائل وقدرة على التكيف، ولكن توقف مصانع الرقائق الإلكترونية يعني توقف العالم وتجمده في مكانه، ولذلك فأزمة هرمز أم الأزمات طالما أنها لم تتحول إلى كارثة.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء