Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قراصنة السفن على الشاشة... لصوص لكن ظرفاء

ارتبط عالم اختطاف السفن بشخصية جاك سبارو اللطيفة والأفلام الواقعية التي جسدت الحوادث المرعبة أقل انتشاراً

سلسلة "قراصنة الكاريبي" هي الأكثر شهرة بعالمها الأسطوري الذي لم يخل من الإشارة إلى شخصيات واقعية (مواقع التواصل)

ملخص

عالم القراصنة الحقيقي يبدو مختلفاً كثيراً عن قصص جاك سبارو اللطيفة التي جسدها جوني ديب في سلسة "قراصنة الكاريبي"، إذ تحبس الحكومات أنفاسها بينما تتابع طواقهما وهم تحت رحمة الخارجين عن القانون، وفي حين أن السينما العالمية قدمت بعض الأفلام المستندة إلى حوادث واقعية حول جرائم اختطاف السفن واحتجاز الرهائن، ولكن ظلت الصورة الذهنية الأكثر انتشاراً لهذه المهنة مستمدة من الأفلام الخيالية التي قدمتها كمهنة الحيلة والذكاء وخفة الظل والشجاعة أيضاً

يرتبط اسم القراصنة في أذهان الغالبية بعالم خيالي، ومهنة تبدو سحيقة لم يعُد لها وجود بعد التطور المذهل في وسائل مراقبة وتأمين سواحل البحار والمحيطات، والطرق المعقدة في تعقب وتتبع طواقم السفن، لكن المفاجأة أنه بين حين وآخر يثبت هذا النشاط شديد القدم أنه لا يزال وسيلة لبعضهم في السطو والمقايضة وتحقيق المكاسب غير المشروعة، إذ لا تزال المفاوضات جارية على سبيل المثال للإفراج عن طاقم السفينة التي احتجزها قراصنة صوماليون قبالة سواحل جنوب اليمن، وعلى متنها ثمانية بحارة مصريين، بينما الخاطفون يطلبون فدية بملايين الدولارات.

بين وقت وآخر يطل قراصنة الصومال ليعيدوا سيرة جريمة أرّخت لها الكتب والوثائق منذ 15 قرناً قبل الميلاد في الأقل، في فضاء البحر المتوسط والكاريبي والمحيط الهندي، وفقاً لكتاب "تاريخ القرصنة البحرية" للبولندي ياتسيك ماخوفسكي، إذ كان يزدهر نشاط المغيرين خلال فترات الحروب والنزاعات وعدم الاستقرار، وتُعد مهاجمة السفن وسيلة لتوفير القوت الشحيح في تلك الأوقات، فكان من الصعب للغاية تأمين المسطحات المائية في تلك العصور، ولهذا مع التطور الحاصل ظنّ الجميع أن تلك الجريمة بصورتها التقليدية ذهبت بلا رجعة، وأن كلمة قرصنة بات فقط مقصوداً بها قرصنة المواقع والمواد القيّمة عبر الإنترنت.

لكن الواقع يثبت أن قرصنة السفن بصورتها شديدة الكلاسيكية، متضمنة السرقة وتهديد الحياة وإفساد ممتلكات الغير، لا يزال لها وجود أيضاً حتى لو كانت تنجح محاولاتها على فترات متباعدة، لتطل بوجه شديد الظلمة مختلف تماماً عن المغامرات الأسطورية اللطيفة التي جعلت القرصنة مهنة خفة الظل والقصص الممتعة، والذكاء وسرعة البديهة مثل عالم شخصية بيتر بان، فيمتلك الأدب العالمي والسينما أيضاً مكتبة عامرة بسلاسل أفلام القراصنة الخيالية، وبضعة أفلام كذلك مستوحاة من الحوادث الحقيقية التي تجعل الدول تقف على أطراف أصابعها.

القرصان اللطيف... قاتل أيضاً

وربط الخيال الأدبي والسينمائي عالم القراصنة بقصص غارقة في القدم وشديدة الخيالية، وقدم كثراً منهم على أنهم أبطال بارعون، وربما طيبون أيضاً يبحثون عن العدالة، مع التغاضي عن أفعالهم الخارجة عن القانون التي تدمر الممتلكات، ولا بأس من حصد الأرواح في الطريق.

بالطبع الأكثر شهرة وانتشاراً هنا سلسلة "قراصنة الكاريبي" التي بدأت عام 2003، واختتمت بالجزء الخامس عام 2017، واعتبر البطل جاك سبارو الذي قام بدوره جوني ديب ملهماً للمشاهدين، ولا سيما للمراهقين الذين عشقوا الفانتازيا الجامحة والمغامرات الشيقة التي لا تخلو من الرعب في السلسلة التي حصلت أفلامها على جوائز عدة بينها اختيار النقاد، كما ترشح جوني ديب لأوسكار أفضل ممثل عن الجزء الأول من السلسلة التي تدور خلال القرن الـ16 حول شخصيات خيالية، أبرزها جاك سبارو قبطان سفينة اللؤلؤة السوداء الذي يدخل في خصومة عميقة مع عدوه هكتور باربوسا الذي استولى على سفينته.

 

ويبدو جاك قبطاناً مسالماً، لكن المناخ العنيف في هذا العالم حوّله إلى زعيم قراصنة الكاريبي، خفيف الظل يعشق الحيلة أكثر من السلاح، لكنه لا يتورّع عن استخدامه إذا لزم الأمر، والسلاح هنا لا يخرج عن قائمة السكاكين والبنادق التقليدية، ويبدو البطل شريراً حيناً وأميناً وشجاعاً في غالبية الأوقات، فيما أصبح نمط ملابسه هوساً في العالم بأسلوبه الغجري وأوشحته المتداخلة، وغموضه الغامض وشعره الطويل، وقبعته التي باتت علامة مميزة.

أفلام السلسة أظهرت أيضاً بعض الحوادث المستندة إلى الواقع، بينها شخصيات لقراصنة حقيقيين نشطوا في البحر الكاريبي الذي كان أيضاً مسرحاً لأحداث فيلم " The Crimson Pirate  القرصان القرمزي"، إذ ينجح القرصان فالو الذي عاش في القرن الـ18 في الاستيلاء على سفينة بريطانية محملة بالأسلحة أرسلها الملك البريطاني لسحق المتمردين، ويختلف الأبطال على طريقة التعامل مع هذا الصيد الثمين، وعلى رغم جدية القصة ظاهرياً فإنها قدمت في إطار فكاهي، والعمل أخرجه روبرت سيودماك عام 1952.

أسياد البحر الكاريبي

القصة تبدو مستلهمة بصورة أو بأخرى من القراصنة الحقيقيين الذين حوّلوا حياة رجال البحرية إلى جحيم حقيقي خلال العصر الذهبي للقرصنة ما بين القرنين الـ16 والـ18، بينهم إدوارد تيتش القرصان البريطاني الذي لقب بـ"اللحية السوداء" وولد عام 1680 ومات في 1718، إذ عُرف بميله إلى العنف والأذى، وقيل إنه اكتسب تلك الصفات الشريرة من حادثة مقتل عائلته خلال طفولته، وألهمت قصته المليئة بالأحداث الخطرة على رغم عمره القصير كثيراً من أدباء الخيال، وأيضاً عدداً كبيراً من الحلقات الوثائقية، إضافة إلى الدراما وبينها فيلم "اللحية السوداء، القرصان" Blackbeard, the Pirate الذي أنتج عام 1952 من إخراج راؤول والش، إذ دارت القصة حول محاولة السلطات البريطانية الإيقاع بالقرصان الذي أرهب العالم، وبدا وكأنه استولى على البحر الكاريبي.

وقبل هذا الفيلم بـ10 أعوام، صدر أيضاً فيلم "البجعة السوداء"  The Black Swan من إخراج هنري كينغ، أحد أشهر أفلام القراصنة الكلاسيكية، وهو مستوحى من سيرة قرصان شهير أيضاً خاض صراعاً مع التاج البريطاني، وهو هنري مورغان، إذ حاولت السلطات استمالته أكثر من مرة، وتدور القصة حول مغامرة جديدة يخوضها مع رفاقه في بريطانيا تفجّرها مفاوضات جديدة مع بريطانيا خلال القرن الـ17، وحياة هنري مورغان المليئة بالمغامرات والتمرد على السلطة استفزت صناع الدراما بصورة عامة، إذ قدم عام 1961 فيلماً آخر عن فصل جديد من رحلته بعنوان "قراصنة تورتوغا" Pirates of Tortuga من إخراج روبرت د. ويب.

 

ونظراً إلى ارتباط عالم البحار قديماً بالنهب والاستيلاء بسبب شح الموارد في كثير من الحقب، ولأن البحر كان الوسيلة الأولى لتنقل البشر بين القارات، إضافة إلى نقل البضائع مما يجعله فرصة مضمونة لممارسي السرقة للترصد لضحاياهم، على رغم خطورة تنفيذ المهمات على المسطحات المائية، فالفوضى وتقلب الطقس غير المتوقع يعنيان الموت على الأرجح، لكن على ما يبدو أن الغنائم كانت تستحق المخاطرة، وكل هذه التفاصيل تمثل خلطة نموذجية لصنع فيلم يسلب لبّ الصغار والكبار، ويجعلهم مشدوهين لمعرفة مصائر الأبطال ومتابعة التقلبات الدرامية التي تضاهي تقلبات الموج.

الصراعات الملحمية تتحقق أيضاً في رواية "جزيرة الكنز" للكاتب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون الذي توفي في نهاية القرن الـ19، بينما خياله الفني يلهم الصناع الذين لم يكتفوا بعمل واحد مستوحى من تلك الرواية، إنما أربعة، صدرت بصورة منفصلة بدءاً من منتصف ثلاثينيات القرن الماضي وحتى أوائل التسعينيات، ولعل أبرزها الفيلم الذي صدر عام 1950 باعتباره أول فيلم ملوّن من إنتاج شركة "ديزني" يحكي عن القصة التي تدور أحداثها في القرن الـ18 وأخرجه بايرون هاسكين، فيما تدور الحكاية الرئيسة حول صبي يعثر على خريطة لكنز ثمين، فيبحر إلى الجزيرة المنشودة بصحبة الأصدقاء، لكن عن غير قصد ينضم إلى الفريق قرصان متمرس، فتنشأ الخلافات والخيانة والتمرد في محاولة للاستئثار بالذهب.

قراصنة الصومال على الشاشة

وفي حين بدت البحار والمحيطات هادئة بدءاً من القرن الـ19، إذ سيطرت الدول على سواحلها وتعاونت الحكومات للقضاء على هذا النشاط وتعزيز الأمن وتوقيع اتفاقات التعاون واستحداث طرق مراقبة ومداهمة، مما أسهم في تراجع تلك الأعمال بصورة ملحوظة، وعلى سبيل المثال بقيت السفن الأميركية آمنة تماماً لـ200 عام تقريباً، لتأتي واقعة 2009 وتقطع عليها هذا الأمان الذي بدا أبدياً، إذ تعرضت السفينة "مايرسك ألاباما" التي كانت تحمل حاويات بضائع لمداهمة من قبل قراصنة صوماليين في المحيط الهندي، وحبس العالم أنفاسه حتى تحررت السفينة وقضى على ثلاثة من الخاطفين، وتحرير الرهينة الأميركي، وهو كابتن فيليبس الذي احتجز في قارب مطاطي بعيد من السفينة، لتنتهي الحادثة بعد أربعة أيام فقط، ويدخل العالم في حال استنفار جديدة.

هذه القصة قدّمت بمبالغات عاطفية أكبر بكثير في فيلم من بطولة توم هانكس وإخراج بول غرينغراس عام 2013 حمل اسم "كابتن فيليبس"، إذ ركّز الفيلم على الطريقة شديدة الإنسانية التي تعامل بها قبطان السفينة فيليبس مع الخاطفين الذين وجدهم قليلي الحيلة ويعانون الفقر والهزال، ودارت حوارات متعددة بينه وقائدهم عبدالولي موسى، وعلى رغم أن العمل يصنف في إطار المغامرات والتشويق والإثارة، فإن السيناريو حرص على إظهار التعاطف مع القراصنة المعدمين الذين نجحوا على رغم قلة الموارد وعدم التنظيم في إثارة الرعب في نفوس الطاقم وتحريك قوات النخبة في البحرية الأميركية لتحرير مواطنيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واللافت أن طاقم السفينة الحقيقي انتقد مبالغة الدراما السينمائية في تقديم كابتن فيليبس كبطل حكيم، مشيرين إلى أنه تجاهل كثيراً من التحذيرات الأمنية التي أوقعتهم في تلك الكارثة، وعلى جانب آخر حظي الفيلم بإشادات نقدية ورشح بطله الصومالي الذي جسد شخصية قائد القراصنة لجوائز عدة بينها أوسكار، وحصد جائزة البافتا كأفضل ممثل مساعد، وكان هذا دوره الأول في هوليوود.

والموقع الجغرافي للصومال، إحدى أكثر الدول الأفريقية اضطراباً، إضافة إلى الوضع الاقتصادي الصعب وعدم الاستقرار السياسي، جعلت قراصنتها الأكثر نشاطاً خلال العصر الحديث بين خليج عدن والمحيط الهندي، حيث يعمل كثير من سكان البلاد في الصيد، ومثلما كان الكاريبي اسماً مرادفاً لقراصنة العصور القديمة، يظهر قراصنة الصومال على الخريطة في الوقت الحالي، فخلال عام 2007 على سبيل المثال تعرضت أكثر من سفينة شحن دنماركية للسطو من قبلهم، مما ألهم توبياس ليندهولم لتقديم فيلمه الشهير "اختطاف" A Hijacking عام 2012، مستخدماً تفاصيل من هنا وهناك، وحرص المخرج على التركيز على الجانب النفسي والضغوط التي تعرض لها الرهائن، إضافة إلى صعوبة المفاوضات بين الطرفين التي شهدت شداً وجذباً، ودراما استوحى منها مشاهد فيلمه الذي عرض في أكبر مهرجانات العالم حينها.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون