ملخص
بينما كان ترمب في بكين يحذر تايوان من إعلان الاستقلال عن الصين رسمياً، كان رئيس الاستخبارات الأميركية جون راتكليف في كوبا يحذر قياداتها بأن رفض المطالب الأميركية بإخراج الصين وروسيا من الجزيرة سيكون له عواقب جسيمة. وأثارت المفارقة بين التساهل في ملف تايوان والتشدد مع كوبا التكهنات في شأن مقاربة أميركية جديدة للتنافس مع الصين، تكون فيها الأولوية للمحيط الأمني المباشر للولايات المتحدة، من دون الانشغال بمناطق بعيدة مثل تايوان.
كوبا وتايوان جزيرتان مختلفتان جذريا، الأولى غارقة في الظلام، والثانية غارقة في المال، لكنهما تشتركان في معضلة واحدة تتمثل في منافسة الولايات المتحدة والصين عليهما، في صراع يأخذ نسقاً تصاعدياً على وقع الحسابات المتغيرة للقوتين العظميين. الجزيرة الكاريبية التي تعيش في الماضي متمسكّةً بشيوعيتها باتت في صلب اهتمام الرئيس دونالد ترمب الذي يريد سحبها إلى المدار الأميركي، أما الجزيرة الآسيوية التي تنتج معظم أشباه الموصلات المستخدمة في أهم الصناعات العالمية فتخشى من تراجع الالتزام الأميركي بالدفاع عنها في حال قررت الصين التدخل عسكريا لضمها، وهو سيناريو يتوقع مسؤولو "البنتاغون" حدوثه في 2027.
مصير غامض
لعقود تبنت الولايات المتحدة موقفاً مزدوجاً من تايوان، فبينما قطعت العلاقات الرسمية معها عام 1979 واعترفت بمبدأ "الصين الواحدة"، إلا أنها ظلت ملتزمة الدفاع عن الجزيرة الصغيرة وحكمها الديمقراطي ضمن استراتيجيتها لتطويق القوة الآسيوية ومنعها من تحقيق الهيمنة على أكبر قارة في العالم. وفي الوقت نفسه حرصت الولايات المتحدة على ضم كوبا إلى مدارها السياسي لحماية المحيط الجغرافي الأميركي من النفوذ الروسي والصيني، وعلى رغم أن تلك المساعي باءت بالفشل، فإن ترمب عاد ليحييها من منطلق إنعاش "مبدأ مونرو" القائم على تثبيت الهيمنة الأميركية على النصف الغربي من الكرة الأرضية.
لكن الوضع القائم في الجزيرتين، على رغم هشاشته، بات مهدداً منذ عودة ترمب إلى الحكم، فكوبا ترزح منذ أشهر تحت وطأة ضغوط اقتصادية شديدة وتتأهب لعمل عسكري أميركي، في حين تخشى تايوان من أن يقدّم ترمب تنازلات للصين تشجع الأخيرة على غزوها عسكرياً وضمها بالقوة.
مخاوف الجزيرتين تصاعدت أخيراً في ضوء سلسلة من التصريحات والتحركات الأميركية، فبينما كان ترمب في بكين يحذر تايوان من إعلان الاستقلال عن الصين رسمياً، كان رئيس الاستخبارات الأميركية جون راتكليف في كوبا يحذر قياداتها بأن رفض المطالب الأميركية بإخراج الصين وروسيا من الجزيرة الكاريبية والتوجه نحو اقتصاد السوق سيكون له عواقب جسيمة لا تقتصر على الضغط الاقتصادي. وأثارت المفارقة بين التساهل في ملف تايوان والتشدد مع كوبا التكهنات في شأن مقاربة أميركية جديدة للتنافس مع الصين، تكون فيها الأولوية للمحيط الأمني المباشر للولايات المتحدة، دون الانشغال بمناطق بعيدة عن الولايات المتحدة مثل تايوان التي قال ترمب أخيراً إنها تمثل "مشكلة صعبة"، مشيراً إلى أن الجزيرة تبعد عن بلاده نحو 9500 ميل.
مخاوف تايوان
قبل زيارة ترمب إلى بكين كان المختصون بالصين يحذرون من أي تصريح أو تعهد أميركي قد تفهمه الصين بمثابة ضوء أخضر لغزو تايوان، وتمحورت مخاوفهم حول إمكان أن تقنع الصين الإدارة الأميركية بالتغاضي عن بعض الالتزامات الاستراتيجية مقابل تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة، مثل الاتفاق على صفقات لشراء طائرات بوينغ. وبدت تلك المخاوف وجيهة بعدما رفض ترمب في مقابلة مع "فوكس نيوز" من بكين الجمعة الماضي حسم قراره في شأن مبيعات الأسلحة المعلقة لتايوان، ووصفها بأنها "ورقة تفاوض جيدة" مع الصين.
وبينما ركّز ترمب على الفرص الاقتصادية الممكنة خلال زيارته بكين، كان الرئيس الصيني واضحاً في كلمته الترحيبية بأن تايوان ليست أولويته فحسب بل القضية الأهم للعلاقات الثنائية، محذراً من أن إساءة التعامل معها قد تقود الولايات المتحدة والصين إلى صراع. وبدا الرئيس الأميركي متفهماً مطالب نظيره الصيني الذي يبدي تلهفاً متزايداً للسيطرة على تايوان وقال إن قضية تايبيه تبقى "أهم ملف للرئيس الصيني" وإن الصين "لا تريد أن ترى تايوان مستقلة"، محذراً من أن بكين قد تتخذ "رداً قاسياً" إذا مضت تايبيه في هذا الاتجاه.
وفي المقابل شددت تايوان السبت على أنها دولة مستقلة، وقالت وزارة الخارجية في بيان إن تايوان "دولة ديمقراطية ذات سيادة ومستقلة، وليست خاضعة لجمهورية الصين الشعبية". وتعتبر الصين تايوان مقاطعة تابعة لها لم تتمكن من ضمها لبقية أراضيها منذ نهاية الحرب الأهلية الصينية عام 1949 وهي تدعو إلى حل سلمي، لكنها تنادي بحقها في استخدام القوة، وتعارض أي إجراء من شأنه، في رأيها، تقويض "إعادة التوحيد" التي تعتبرها حتمية وغير قابلة للتفاوض.
وعلى رغم تحذير ترمب لتايوان من إعلان الاستقلال، فإن إدارته لم تتخل عملياً عن دعمها العسكري للجزيرة، ففي ديسمبر )كانون الأول( 2025 وافقت واشنطن على صفقة أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، فيما بقيت صفقة أخرى بقيمة 14 مليار دولار بانتظار موافقة الرئيس الأميركي، لكن حتى هذه الصفقات باتت تُقدَّم ضمن إطار تفاوضي أوسع مع الصين، لا باعتبارها جزءاً من سياسة ردع مستقرة، ولم يكن هذا التحول مفاجئاً، ففي حملته الانتخابية عام 2024، قال ترمب إن تايوان "يجب أن تدفع" مقابل الحماية الأميركية.
وفي قلب هذه المعادلة تقف صناعة أشباه الموصلات، التي تمثل اليوم أهم أوراق القوة التايوانية، فتايوان، عبر شركة "تي أس أم أس" TSMC، تنتج النسبة الأكبر من الرقائق التي تدخل في معظم الصناعات الحيوية، من هواتف الآيفون إلى الأنظمة الدفاعية، ولهذا تراهن تايبيه على أن اعتماد الولايات المتحدة على هذه الصناعة سيجعل الدفاع عنها ضرورة استراتيجية أميركية، لكن ترمب هاجم مراراً الجزيرة واتهمها بأنها "استحوذت" على الصناعة الأميركية، وفي هذا السياق، ضغطت إدارته من أجل نقل جزء كبير من الإنتاج إلى الولايات المتحدة، ضمن استراتيجية أوسع لإعادة توطين الصناعات الحساسة وتقليل هشاشة سلاسل الإمداد.
وبلغ هذا التوجه ذروته في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عندما رفضت تايوان مقترحاً أميركياً يقضي بتقاسم إنتاج أشباه الموصلات بنسبة 50-50 بين البلدين. وأكدت آنذاك نائبة رئيس الوزراء التايواني تشينغ لي-تشيون أن فريقها التفاوضي "لم يلتزم قط" هذا الطرح، وأن تايوان "لن تقبل بمثل هذا الشرط". وكشف الخلاف حدود التباين بين الطرفين، فواشنطن تريد تقليل اعتمادها الاستراتيجي على الجزيرة، بينما ترى تايبيه أن احتفاظها بتفوقها في صناعة الرقائق يمثل أحد أهم ضمانات أمنها.
وفي محاولة لحماية نفسها من الضغوط الأميركية والرسوم المحتملة، أعلنت شركة "تي أس أم سي" استثمار 100 مليار دولار لبناء مصانع في الولايات المتحدة، لكن نجاح واشنطن في نقل صناعة الرقائق إلى الداخل الأميركي قد يضعف تدريجاً ما يُعرف بـ"درع السيليكون" التايواني، أي الفكرة القائلة إن أهمية الجزيرة الاقتصادية تجعل الدفاع عنها مصلحة أميركية حيوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كوبا في عين العاصفة
بينما كان ترمب يستمتع بالحفاوة الصينية ويحذر تايوان من تجاوز الخطوط الصينية الحمر، حط رئيس الاستخبارات الأميركية جون راتكليف الخميس الماضي في كوبا ومعه مطالب الإدارة الجمهورية، وفي مقدمتها إغلاق محطات التنصت الصينية والروسية. وأصبحت زيارة راتكليف غير المعلنة ثاني زيارة أميركية رفيعة للجزيرة بعد الرحلة السرية التي أجراها وفد من الخارجية الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي، عندما هبطت طائرة حكومية أميركية للمرة الأولى في هافانا منذ زيارة الرئيس السابق بارك أوباما في 2016.
وفي موازاة الحراك الدبلوماسي والاستخباراتي، كثّفت واشنطن ضغوطها الاقتصادية والأمنية على الجزيرة، عبر مواصلة خنق إمدادات النفط، وتوسيع رحلات المراقبة الجوية والاستخباراتية حول كوبا، مع إبقاء احتمال تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة مطروحاً، وفق ما نقلته "نيويورك تايمز" عن مسؤولين في إدارة ترمب.
لكن التطور الأبرز تمثل في تحضير الولايات المتحدة للائحة اتهام ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، البالغ من العمر 94 سنة، في خطوة تهدف إلى زيادة الضغط على النظام الكوبي ودفعه إلى تقديم تنازلات تضمن نهاية الحكم الشيوعي في الجزيرة. وتستند التهم المحتملة إلى حادثة تعود إلى عام 1996، حين أسقطت القوات الكوبية طائرتين تابعتين لمجموعة من المنفيين الكوبيين. وتتمحور المخاوف الكوبية من أن تتحول هذه اللائحة إلى ذريعة لتكرار "السيناريو الفنزويلي"، أي استخدام الاتهامات القانونية غطاءً لتحرك أميركي مباشر ضد أحد رموز النظام.
وأبلغ راتكليف خلال زيارته هافانا مسؤولي الاستخبارات الكوبية أن واشنطن "ستتعاون بجدية" مع الجزيرة في القضايا الاقتصادية والأمنية فقط إذا أجرت "تغييرات جوهرية". في المقابل، ردت الحكومة الكوبية بأن اللقاء أتاح التأكيد أن كوبا "لا تمثل بأي حال تهديداً للأمن القومي الأميركي"، رافضة الاتهامات الأميركية المتعلقة باستضافة قواعد صينية أو دعم أنشطة معادية للولايات المتحدة
وتعكس زيارتا ترمب إلى الصين وراتكليف إلى كوبا، وما رافقهما من ضغوط على تايوان وهافانا، تحوّلاً في أولويات السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب، ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى توسيع نفوذها في كوبا وتعزيز حضورها في نصف الكرة الغربي، بدا الرئيس الأميركي أقل استعداداً للتعامل مع تايوان بوصفها التزاماً استراتيجياً غير قابل للمساومة. ولعل هذه المفارقة تمثل أحد أبرز تجليات استراتيجية الأمن القومي الصادرة في ديسمبر 2025، التي أعادت تعريف الدور العالمي للولايات المتحدة على أساس التركيز على المحيط الأمني المباشر، خصوصاً قضايا الحدود والهجرة وتهريب المخدرات في الأميركتين.
وعلى رغم تأكيد الاستراتيجية ضرورة منع الصين أو أي قوة من فرض هيمنتها، فإنها تدعو إلى تحقيق ذلك ضمن مقاربة حذرة تتجنب "هدر الدماء والأموال" في كل ساحة دولية. وفي هذا السياق، لم تعد واشنطن تنظر إلى تايوان باعتبارها خطاً أحمر مطلقاً، بل باتت تتعامل معها كملف ينبغي أن يتحمل الحلفاء جزءاً أكبر من أعبائه، بالتوازي مع مساعٍ أميركية لتقليل الاعتماد على صناعة الرقائق التايوانية.
في المقابل، استعادت أميركا اللاتينية موقعها التقليدي كأولوية جيوسياسية، في إطار نسخة محدثة من "مبدأ مونرو" تستهدف تقليص النفوذ الصيني والروسي في نصف الكرة الغربي. ومن ثم، تبدو تايوان وكوبا رمزين لتحول أوسع في الاستراتيجية الأميركية، يقوم على إعادة تركيز النفوذ ضمن المجال الحيوي المباشر للولايات المتحدة، ومواجهة الصين وفق حسابات انتقائية وأكثر براغماتية.