ملخص
غيرت شبكة الإنترنت وخدمات البث المباشر والتحولات السياسية طريقة انتشار الموسيقى في العصر الرقمي، مما سهّل على الفنانين الوصول إلى جماهير خارج بلدانهم الأصلية، ونتيجة لذلك، أصبح المستمعون في جميع أنحاء العالم أكثر انفتاحاً على الموسيقى بلغات مختلفة، ويتقبلون أنواعاً موسيقية وفنانين كانوا يكافحون في السابق للوصول إلى الشهرة.
من فرقة البيتلز إلى بيونسيه، هيمن الفنانون الناطقون بالإنجليزية على صناعة الموسيقى لعقود، وسهّلت هذه الهيمنة وصول الأغاني الإنجليزية إلى جمهور عالمي، مما جعلها اللغة المفضلة للأغاني العالمية الناجحة، وأثبتت اللغة الإنجليزية أنها أداة فاعلة للفنانين للتواصل مع جمهورهم، إذ أصدر كثير من الفنانين غير الناطقين بالإنجليزية، نسخاً إنجليزية من أغانيهم لتحقيق شهرة عالمية، ومن الأمثلة على ذلك أغنية "ديسباسيتو" (Despacito) للويس فونسي وأغنية "هيلو" (Hello) لأديل اللتان حققتان نجاحاً عالمياً باهراً، مما يبرز قوة اللغة في صناعة الموسيقى.
لكن في العصر الرقمي انهارت تلك الحواجز، إذ غيّرت شبكة الإنترنت وخدمات البث المباشر والتحولات السياسية طريقة انتشار الموسيقى، مما سهّل على الفنانين الوصول إلى جماهير خارج بلدانهم الأصلية، ونتيجة لذلك، أصبح المستمعون في جميع أنحاء العالم أكثر انفتاحاً على الموسيقى بلغات مختلفة، ويتقبلون أنواعاً موسيقية وفنانين كانوا يكافحون في السابق للوصول إلى الشهرة.
العصر الرقمي
وكان صعود منصات البث الموسيقي مثل "سبوتيفاي" و"أبل ميوزك" و"يوتيوب" من أبرز العوامل المحفزة لهذا التحول، فعلى عكس الإذاعات التقليدية وبرامج الموسيقى خلال عصر "أم تي في"، عندما كان المتحكمون يحددون ما يُبث، تعتمد خوارزميات البث الموسيقي على سلوك المستمعين لا على اللغة أو الجنسية، فإذا كانت الأغنية جذابة أو مؤثرة عاطفياً، يمكنها أن تحقق نجاحاً باهراً بغض النظر عما إذا كان الجمهور يفهم كلماتها أو لا.
وخير مثال على ذلك موسيقى الكيبوب (Kpop) التي أصبحت ظاهرة عالمية على رغم أنها تغنى في الغالب باللغة الكورية، فحظيت فرق مثل "بي تي أس" (BTS) و"بلاك بينك" (BLACKPINK) وغيرها بشعبية عالمية واسعة بفضل منصات مثل "يوتيوب" و"تيك توك" ووسائل التواصل الاجتماعي. وقام تطبيق "تيك توك"، على وجه الخصوص، بدور محوري في كسر حواجز اللغة، إذ تنتشر الأغاني من مختلف الثقافات انتشاراً واسعاً بفضل صوتها وإيقاعها وجاذبيتها للرقص، وليس بسبب معانيها الغنائية. فأغاني مثل "لوف نوانتيتي" (Love Nwantiti) للفنان النيجيري "سي كيه" (CKay) و"بي زي آر بي ميوزيك سيشون #52" (Bzrp Music Sessions #52) لمغني الراب الإسباني كويفيدو (Quevedo) والمنتج الأرجنتيني "بيزاراب" (Bizarrap)، حققت نجاحاً عالمياً بفضل إيقاعاتها الجذابة و"تحديات تيك توك"، وليس بسبب سهولة الوصول إليها باللغة الإنجليزية.
بيانات "سبوتيفاي"
وبحسب بيانات جديدة من شركة "سبوتيفاي" لبث الموسيقى، فإن الموسيقى باللغة الإنجليزية تفقد سيطرتها على قوائم الأغاني الأكثر استماعاً. وأعلنت الشركة أن أغاني بـ16 لغة مختلفة، من بينها الإسبانية والكورية والبرتغالية والتركية والإندونيسية والعربية، ظهرت ضمن قائمة أفضل 50 أغنية عالمية لديها العام الماضي، مما يمثل أكثر من ضعف الرقم المسجل عام 2020، عندما كان "باد باني" الذي يغني حصرياً بالإسبانية، الفنان الأكثر استماعاً عبر الإنترنت في العالم، أما روزاليا الحائزة على جائزة "بريت"، فتغني بـ14 لهجة ضمن ألبومها الأخير "لوكس".
وأعلنت "سبوتيفاي" أن موسيقى الفانك البرازيلية هي الأسرع نمواً في العالم، حيث ارتفعت نسبة جمهورها 36 في المئة، وشهدت موسيقى "الكيبوب" زيادة بنسبة 31 في المئة، بينما زادت موسيقى "تراب لاتينو" بنسبة 29 في المئة. وقالت الشركة إن جميع تلك الأنواع الموسيقية حققت أكثر من 100 مليون دولار (74.5 مليون جنيه استرليني) كعائدات من "سبوتيفاي" العام الماضي.
وعلى رغم ذلك، لا تزال اللغة الإنجليزية تهيمن على قوائم الأغاني، إذ تم غناء 14 من أفضل 20 ألبوماً مبيعاً في العام الماضي حصرياً بهذه اللغة، وفقاً لهيئة صناعة الموسيقى (IFPI)، لكن فرقاً كورية جنوبية مثل "ستراي كيدز" و"إنهيبن" و"سيفنتين" ظهرت جميعها في القائمة، وكذلك فرقة الروك اليابانية "مسز غرين أبل"، فيستكشف المعجبون بصورة متزايدة الموسيقى خارج النماذج التقليدية للروك والبوب. ووفقاً لتحليل لسلوك الاستماع نشر في مجلة "نايتشر" (Nature) عام 2021، فإن هذا الاتجاه يتسارع منذ عام 2017.
دراسة خاصة
ومواكبة لهذا التحول أجرى الباحثان ويل بيج وكريس دالا ريفا دراسة على هذه الظاهرة وقدماها ضمن ورقة بحثية أكاديمية نشرتها "كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية"، فحللوا قوائم الموسيقى لعام 2022 لـ10 دول أوروبية، وهي المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والسويد وبولندا وإيرلندا والبرتغال، مع مراعاة جنسيات الفنانين واللغة التي يغنون بها.
وأظهرت الدراسة أن اللغات المحلية تشهد عودة قوية في الإنتاج الموسيقي للدول التي شملتها الدراسة، بخاصة الإيطالية، إذ إن 70 في المئة من الأغاني الـ10 الأكثر شعبية في البلاد عام 2022 كانت باللغة الإيطالية، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بنسبة 30 في المئة المسجلة ما بين عامَي 2012 و2017. ويعزى هذا التحول جزئياً إلى نجاح فنانين محليين مثل روف الذي حققت أغنيته "شيكيراندو" انتشاراً واسعاً على منصة "تيك توك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وينقل الباحثان عن الرئيس التنفيذي لأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا في مجموعة "يونيفرسال ميوزيك" آدم غرانت قوله "إذا نظرنا إلى أفضل 10 فنانين في العالم عام 2022، فسنجد أنهم ينتمون إلى سبع دول مختلفة"، مما أثار استياء الموسيقيين الناطقين باللغة الإنجليزية. ويشير ويل بيج وكريس دالا ريفا خلال دراستهما إلى أنه "إذا كانت الأسواق الأوروبية المحلية تستفيد من العولمة المحلية، فلنفكر قليلاً في الأسواق الناطقة باللغة الإنجليزية التي كانت تتمتع تقليدياً بميزة نسبية في صادرات الموسيقى، فإنها تكافح الآن من أجل إيصال ذخيرتها الموسيقية باللغة الإنجليزية إلى الخارج".
دور السياسة
وفي هذا التحول قامت السياسة بدور في إعادة تشكيل الأذواق الموسيقية العالمية، فمع تصاعد النزعة القومية والاستقطاب السياسي في بعض أنحاء العالم، يبحث بعض الجمهور عن بدائل ثقافية، مما يدفعهم إلى الاستماع إلى موسيقى من مناطق مختلفة. وعلى سبيل المثال، تزامن تراجع "القوة الناعمة" الأميركية، وهو مصطلح يشير إلى النفوذ الثقافي العالمي للبلاد، مع صعود فنانين من دول أخرى ليصبحوا نجوماً عالميين في موسيقى البوب من دون الحاجة إلى موافقة السوق الأميركية. ويزدهر فنانو أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الآن وفقاً لشروطهم الخاصة، بدلاً من الاعتماد على التعاون باللغة الإنجليزية لتحقيق الشهرة الجماهيرية.
وتتجلى العلاقة بين السياسة الثقافية وسلوكيات الاستماع عبر الإنترنت بصورة خاصة في باريس وكذلك الصين، إذ استحوذ الفنانون الفرنسيون المحليون على 62 في المئة من اهتمام المستمعين عبر منصات البث الموسيقي، وهذه الهيمنة لافتة للنظر، إذ يدعم مستمعو باريس الموسيقى المحلية بمعدلات تزيد 2.5 مرة على لندن بـ25 في المئة، وتتجاوز برلين 43 في المئة بصورة ملحوظة، وتقارب ضعف نسبة مدريد البالغة 32 في المئة. وتعكس هذه الاختلافات الجوهرية كيف تستمر الأسس الثقافية التي بُنيت على مدى عقود في عصر البث المباشر. ويشير تفوق باريس إلى أن حتى المدن العالمية الكبرى يمكنها الحفاظ على هويتها الموسيقية عندما تُرسى الأسس اللازمة، وبالمثل روجت الحكومة الصينية لموسيقى الماندرين بوب (ماندوبوب) وموسيقى الهيب هوب المحلية كجزء من استراتيجية أوسع لتعزيز الفخر الوطني بالصادرات الثقافية.