Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الأشعة والظلال" يفضح متعاونين فرنسيين مع النازية

سجال حول الفيلم يشكك في تاريخيته وخياراته السردية واتهامه بعض اليسار

جان دو جاردان في دور الصحافي المتعامل مع النازية (ملف الفيلم)

ملخص

لا يزال يثير فيلم "الأشعة والظلال" للمخرج الفرنسي القدير كزافييه جيناولي موجة نقاش واسعة في فرنسا منذ بدء عرضه التجاري قبل شهر، خارج إطار المهرجانات السينمائية المعتادة.

الفيلم الذي بلغت كلفته نحو 30 مليون يورو، أعاد إلى الواجهة ملفاً شديد الحساسية يتعلق بسلوك بعض الفرنسيين خلال فترة الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية. وعلى رغم أن السينما الفرنسية تناولت هذه الحقبة مراراً، فإنها نادراً ما ركزت على مسألة المتعاونين مع النازية باعتبارهم جزءاً من البنية الاجتماعية والسياسية، لا مجرد حالات فردية انتهت بمحاكمات ما بعد التحرير. من خلال نبشه في هذا الفصل من التاريخ، دخل الفيلم إلى منطقة إشكالية، محاولاً تقديم قراءة أكثر تعقيداً لهذه الفئة، وهو ما فجر الانقسام حوله. 

تعددت الانتقادات الموجهة إلى الفيلم الذي شاهده حتى الآن 800 ألف متفرج. فإلى جانب التشكيك في دقة بعض التفاصيل التاريخية، على رغم استعانة المخرج بمؤرخين، برز اعتراض أكثر حدة يتعلق بخياراته السردية، ولا سيما إدراجه شخصيات منتمية إلى اليسار ضمن دائرة التعاون مع الاحتلال. هذا الطرح أثار استياء صحف محسوبة على هذا التيار، مثل "ليبراسيون" و"لومانيتيه"، التي عدت الفيلم يخلط بين الإدانة والتعاطف، وصولاً إلى تمييع الحقائق التاريخية.

انطلاقاً من هذا الجدل، أُعيد طرح سؤال يتعلق بالذاكرة الجماعية: من يملك حق إعادة سرد التاريخ؟ فـ"الأشعة والظلال" لم يكتف بإعادة فتح ملف المتعاونين، وإنما ذهب إلى زعزعة صورة راسخة عن انتماءات سياسية ظلت، لفترة طويلة، بمنأى عن هذا النوع من المساءلة.

معايير مفككة

لا يقدم الفيلم نفسه كحكاية عن الماضي الجامد، بقدر ما يطرح رؤية مفتوحة حول سلوك الإنسان حين تتفكك المعايير، من خلال شخصيات كان لها وجود فعلي في التاريخ، تعيش في المنطقة الرمادية بين القناعة والانتهازية. ينطلق الفيلم مما بعد الحرب في أواخر الأربعينيات، إذ تروى الأحداث بأثر رجعي عبر شهادة كورين (ناستيا غولوبوفا كاراكس) التي تعرضت للنبذ والعنف.

في قلب الحكاية يقف جان لوشير (جان دوجاردان)، الصحافي الذي تحول تدريجاً إلى أحد وجوه التعاون مع النازية. الشخصية لا تُقدم كحال أيديولوجية صلبة، بقدر ما تُطرح كنموذج للانزلاق البطيء. طموح مهني ورغبة في النفوذ وخوف من خسارة الموقع، عوامل تتراكم لتدفعه إلى تبرير ما لا يمكن تبريره. إلى جانبه، يظهر الدبلوماسي الألماني أوتو أبيتز (أوغوست ديل)، في مسار موازٍ يكشف كيف يمكن أن تتآكل القناعات تحت ضغط السلطة. التعاون كما نراه في الفيلم ليس موقفاً سياسياً واضحاً بقدر ما هو نتيجة شبكة معقدة من المصالح والخيارات الصغيرة. وبهذا المعنى، يقترب العمل من تفكيك آليات السقوط الأخلاقي أكثر مما يقدم حكماً عليه.

شخصية كورين، ابنة جان لوشير، الممثلة الصاعدة في عدد من أفلام منتصف الثلاثينيات، تضيف طبقة أخرى من التعقيد. هي ليست فاعلة بقدر ما هي نتاج بيئتها، لكنها في الوقت نفسه ليست بريئة تماماً. الفيلم يميز بين من يختار بوعي ومن ينجرف بجهل، من دون أن يعفي أياً منهما من المسؤولية. وهذه المسافة الدقيقة بين الفهم والإدانة تشكل أحد أعمدة العمل.

السينما داخل الفيلم تؤدي دوراً لافتاً، كمساحة مضادة لواقع مأزوم. في زمن الرقابة والهيمنة، تتحول الشاشة إلى ملاذ، وربما إلى وهم جماعي أيضاً. هذا التوتر بين الجمال والخراب يمنح الفيلم أحد أهم أبعاده ويأتي بسؤال: كيف يمكن للفن أن يستمر في بيئة فاسدة دون أن يتلوث بها؟ المشهد الأخير المؤثر جداً، الذي سيبقى ماثلاً في وجداننا، خير دليل على استمرارية الخيال إلى ما بعد لحظة الكارثة. 

إلى جانب ذلك، يحضر عالم الصحافة كعنصر أساس. المؤسسة الإعلامية تظهر هنا كأداة قابلة للتكيف مع السلطة، هي ذراعها بدلاً من أن تكون قوة مواجهة لها. يواصل جيانولي بذلك اهتمامه القديم بتشريح هذا الوسط، كاشفاً العلاقة الملتبسة بين الكلمة والنفوذ، وبين الحقيقة والمصلحة. اختيار عدم إظهار العنف النازي بصورة مباشرة ليس تفصيلاً شكلياً. على العكس، هذا الغياب يعزز حضوره. الجرائم تجد موطئ قدم لها في القرارات، وفي الصمت، وفي التواطؤ. حتى السل الذي يصيب الشخصيات يتحول إلى استعارة واضحة، إذ يتقدم كعلامة على تآكل داخلي يوازي الانحدار الأخلاقي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بالمقارنة مع أفلام سابقة تناولت المقاومة الفرنسية، مثل "جيش الظلال" رائعة جان بيار ملفيل، يذهب "الأشعة والظلال" في اتجاه معاكس تقريباً. إذا كان الأول يركز على البطولة، فإن هذا العمل ينشغل بما هو محرج ومعيب، خصوصاً إذا نظرنا إلى التاريخ من مسافة: التواطؤ، والصمت، والتبرير.

بصرياً، يعتمد الفيلم على تباينات حادة في الإضاءة، بحيث ننتقل بصورة متواصلة بين الدفء والبرودة، وبين البذخ والانهيار. هذا التشكيل الجمالي لا يعمل بمعزل عن الفكرة: عالم يبدو متماسكاً من الخارج، فيما يتداعى من الداخل.

قد يعتقد بعضٌ أن الفيلم يسعى إلى إعادة كتابة التاريخ وتحريفه، ولكن في الحقيقة هو لا يفعل سوى مساءلته، مستلهماً عنوانه من ديوان للشاعر والروائي الفرنسي فيكتور هوغو، صاحب "البؤساء"، الذي تأسست رؤيته الأدبية على فكرة الازدواجية الإنسانية. أحد أبيات هوغو يختصر هذه المقاربة بالقول إن الإنسان يحمل في داخله وجهاً للخير وآخر للشر، وإن الأحكام المطلقة تعجز عن الإحاطة بتعقيد الطبيعة البشرية التي تتكون من عناصر متناقضة، كأنها مزيج من معدن نفيس وآخر ثقيل. هذا الاستحضار الأدبي يشكل الإطار الفكري الذي يتحرك ضمنه الفيلم، بعيداً من ثنائية الضحية والجلاد الصارمة. ومن خلال هذا الاشتباك بين "الأشعة" و"الظلال"، يرسخ الفيلم حضوره كأحد الأعمال البديعة سينمائياً والتنويرية فكرياً، التي يرجح أن تترك أثراً مستمراً في الذاكرة السينمائية.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما