Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المهاجرون في تونس... هل يهددون فعلا التركيبة السكانية؟

هناك من يقلل من أهمية هذه المخاوف ويرى أن وجودهم حركة بشرية طبيعية وظاهرة عابرة تتطلب مقاربة تشاركية اقتصادية وإنسانية

لكلفة الاقتصادية للمهاجرين من أكل وإيواء تقدر بنحو 23 مليون دولار سنوياً في تونس (اندبندنت عربية)

ملخص

تزداد مخاوف التونسيين من تزايد أعداد المهاجرين الوافدين من أفريقيا جنوب الصحراء، وسط ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، وبات وجودهم يثير أسئلة جدية حول إمكان تغيير التركيبة السكانية للتونسيين، فهل هي مخاوف حقيقية أم نوع من التهويل؟

يطرح وجود آلاف المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في تونس أزمة مركبة، اجتماعية واقتصادية، وسط تعالي الأصوات بضرورة إيجاد حل جذري لها.

وقد تضاعف عدد المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في تونس أكثر من عشر مرات، إذ كان عددهم لا يتجاوز 7 آلاف مهاجر عام 2010، ليتعدى 70 ألف مهاجر حالياً، وهو ما بات يطرح تحديات كبرى على الدولة والمجتمع.

وتتباين الآراء والمواقف إزاء توافد آلاف المهاجرين من جنوب الصحراء إلى تونس، بين من يرى أن وجودهم يمثل تهديداً للتركيبة السكانية للبلاد ولهوية المجتمع، وبين من يقلل من أهمية هذه المخاوف، ويعتبر وجودهم حركة بشرية طبيعية، وظاهرة عابرة تتطلب مقاربة تشاركية اقتصادية وإنسانية تكفل لهؤلاء حق التنقل.

وفي خضم هذا الجدل، تعول تونس في إدارتها لهذه الأزمة على البعد الإنساني من خلال الترحيل الطوعي بالتعاون مع المنظمات الدولية للهجرة، وبالتنسيق مع دول جنوب الصحراء، مع العمل على تعزيز أمن حدودها البرية والبحرية وتفكيك شبكات التجارة بالأشخاص التي تستغل أوضاع المهاجرين.

فإلى أي مدى يعتبر وجود المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء تهديداً جدياً للتركيبة الديموغرافية للمجتمع التونسي؟

تهديد جدي لتركيبة السكان

كشفت النائب في البرلمان فاطمة المسدي، في وقت سابق، أن معدل خصوبة المهاجرات من جنوب الصحراء يتجاوز ثلاث مرات معدل الخصوبة عند التونسيات، وهو ما بات يثير مخاوف جدية من تغير جذري للتركيبة السكانية في البلاد، لافتة إلى أن "التوقعات المستقبلية في محافظة صفاقس وحدها، تشير إلى أن المهاجرين الأفارقة سيمثلون قرابة خمسة في المئة من السكان خلال الأعوام الـ10 القادمة، و18 في المئة عام 2040"، مضيفة أن "الكلفة الاقتصادية للمهاجرين من أكل وإيواء تقدر بنحو 70 مليون دينار (23 مليون دولار) سنوياً".

ويشاطر المتخصص في علم الاجتماع في الجامعة التونسية، بالعيد أولاد عبدالله، النائب المسدي الرأي ذاته، ويرى أن "استمرار تدفق المهاجرين إلى تونس واستقرارهم، واحتمال حصولهم على الوثائق الإدارية، وسط تدهور المقدرة الشرائية للتونسيين والعزوف عن الزواج وتراجع معدل الخصوبة والإنجاب وتحول الأسر التونسية من العائلة الممتدة إلى العائلة النواة، المتكونة من ثلاثة أو أربعة أفراد، قد يحدث تغيرات على التركيبة الديموغرافية للمجتمع التونسي".

ويضيف في تصريح خاص أن "الخصائص السوسيوديموغرافية لسكان شمال أفريقيا تختلف عن الخصائص السوسيوديموغرافية والثقافية لدول أفريقيا جنوب الصحراء، منها نزوع تلك الشعوب إلى الإنجاب أكثر من شعوب دول شمال أفريقيا، علاوة على أن الفتيات ينجبن في سن صغيرة، عكس تركيبة المجتمع التونسي".

وبعيداً من التوظيف السياسي والخطاب التحريضي العنصري، يبدي المتخصص الاجتماعي تخوفاً حقيقياً من تنامي أعداد المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في تونس، داعياً إلى "منع توطينهم حفاظاً على التركيبة السكانية للتونسيين، مع تمكينهم من المساعدات الإنسانية الضرورية. وتساءل عن نياتهم الحقيقية: هل يرغبون في البقاء في تونس أم أن وجهتهم أوروبا؟".

ويدعو بالعيد أولاد عبدالله، السلطات التونسية إلى "اليقظة بخاصة في ظل وجود شبكات تتاجر بآلام هؤلاء المهاجرين"، لافتاً إلى أن "تونس يجب ألا تتحمل بمفردها وزر هذه الأزمة، وأن على دول الاتحاد الأوروبي التي تنعم بتقلص عدد الوافدين من المهاجرين الأفارقة مساعدة تونس التي تدفع ثمناً باهظاً وكلفة عالية جراء هذه الأزمة".

ويخلص المتخصص في علم الاجتماع إلى "ضرورة إيقاف هذا النزف، ووضع استراتيجية إقليمية للحد من الظاهرة قبل تفاقمها، بينما تواجه تونس وضعاً اقتصادياً واجتماعياً صعباً".

أقل من واحد في المئة من عدد السكان

وفي غياب إحصاءات دقيقة حول عدد المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، تشير بعض المصادر إلى وجود نحو 70 ألف مهاجر، وهو ما يمثل 0.6 في المئة من عدد السكان البالغ نحو 12 مليون نسمة.

نسبة لا تشكل قلقاً في تقدير عدد من المتابعين، لأن أعداد المهاجرين في دول أخرى تعد بالملايين من دون أن تتغير تركيبة المجتمع الأصلي. ففي فرنسا مثلاً يعيش أكثر من 7 ملايين مهاجر، أي ما يعادل أكثر من 10 في المئة من عدد السكان، وفي إيطاليا التي تعد 59 مليون نسمة، يعيش أكثر من 5 ملايين مهاجر، ما يمثل نسبة تزيد على ثمانية في المئة.

وعليه فإن عدد المهاجرين في تونس لا ينذر بالخطر ولا يشكل تهديداً للتركيبة السكانية، بحسب الباحث في سياسات الهجرة، منير حسين، الذي يرى أن "هؤلاء المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء هم عابرون"، لافتاً إلى أن "سياسات الاتحاد الأوروبي القائمة على تصدير الحدود جعلتهم عالقين في تونس".

ويرى حسين أن "السردية التي تقول إن المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء يهددون التركيبة السكانية للتونسيين، مستمدة من خطاب اليمين في أوروبا، وقد انتقل هذا الخطاب إلى المجتمع التونسي، وهو مرتبط أساساً بخلق مناخ معادٍ للمهاجرين عبر التسويق لمقولة تغيير التركيبة الديموغرافية لتونس".

ويلفت الباحث في سياسات الهجرة إلى أن "التركيبة الديموغرافية لأي مجتمع تحتاج إلى مئات الأعوام حتى تتغير"، مشدداً على أن "ما يجري تداوله من أرقام حول تزايد عدد الولادات في صفوف المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء غير دقيقة"، لافتاً إلى أن "واقع هؤلاء المهاجرين يتسم بالهشاشة، ويحتاج إلى مقاربة إنسانية وليس إلى خطاب تحريضي يقوم على الكراهية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتساءل منير حسن عن عدد المهاجرين البيض القادمين من أوروبا والمستقرين في تونس وعددهم قد يكون مساوياً لعدد المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، قائلاً "لماذا لا نتخوف من هؤلاء المهاجرين من الناحية الديموغرافية؟"، محذراً من "الانتظام في الخطاب العنصري القائم على فكرة المخاوف من تغيير التركيبة السكانية"، لافتاً إلى أن "التونسيين المهاجرين قد يتعرضون بدورهم للخطاب نفسه القائم على الوصم المرتبط باللون".

ويدعو الباحث في سياسات الهجرة السلطات التونسية إلى "التعاطي مع هذا الملف بالشراكة مع كل بلدان العبور وبلدان الانطلاق، لمواجهة سياسات الاتحاد الأوروبي القائمة على تصدير الحدود ووصم المهاجرين وجعل مناطق العبور مناطق مناوئة للمهاجرين".

يذكر أن تونس وقعت في صيف 2023 مع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً يقضي بتقديم مساعدات مالية بقيمة 105 ملايين يورو (112 مليون دولار) مقابل صد المهاجرين غير النظاميين ومنعهم من الوصول إلى السواحل الأوروبية.

وفي ظل تصاعد الضغوط الداخلية والجيوسياسية على تونس بسبب تنامي أعداد الوافدين من أفريقيا جنوب الصحراء، دعا رئيس الجمهورية، قيس سعيد، إلى إعادة النظر في الشراكة الشاملة بين تونس والاتحاد الأوروبي، مؤكداً ضرورة أن تكون العلاقة "متوازنة وأكثر عدلاً وإنصافاً"، وذلك خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لمناسبة الذكرى الـ70 لاستقلال تونس.

تفاوت في النمو السكاني بين شمال القارة وجنوبها

ويشار إلى أن التزايد السكاني في دول جنوب الصحراء سيشكل خلال العقود القادمة تحدياً لدول شمال أفريقيا التي تعتبر دول عبور للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا.

وبينما تشهد دول شمال القارة الأفريقية ركوداً ديموغرافياً وتراجعاً في نسبة الولادات، ستعرف دول جنوب الصحراء انفجاراً سكانياً هائلاً، ويتوقع أن يبلغ عدد سكان مجموعة دول الساحل الخمس وهي بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، الذي يتجاوز 80 مليون نسمة حالياً، 200 مليون نسمة بحلول عام 2050، وهو ما سيطرح تحديات بالجملة على دول شمال القارة السمراء.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير