ملخص
تحل الذكرى المئوية لميلاد مارلين مونرو وسط إعادة قراءة لسيرتها بوصفها نجمة عاشت خوفاً عميقاً من إرث عائلي مثقل بالأمراض النفسية، ومن صدمات الطفولة والاعتداء والإدمان والبحث الدائم عن عائلة وأمان. تكشف رسائل آخر محلليها النفسيين وجهاً أقل شهرة لمونرو، يتجاوز صورتها كنجمة هوليوودية فاتنة، إلى شخصية سبقت زمنها في الحديث عن الصحة النفسية ودعم من يعانون آلاماً مشابهة.
الشهر المقبل، تكون 100 عام قد مضت على ولادة مارلين مونرو، وهي مناسبة تستعاد فيها سيرتها عبر معرض كبير في المعرض الوطني للبورتريه في لندن، وموسم سينمائي ينظمه معهد الفيلم البريطاني، إلى جانب صدور عدد من الكتب، بينها كتابي "أريد أن تحبني - مارلين مونرو، حياة في 100 لقطة".
ومن بين هذه "اللقطات" الـ100، التي تقدم مشاهد خاطفة من حياة النجمة الشهيرة، يبرز جانب غالباً ما يغفل في سيرتها: دعمها للأشخاص الذين عانوا، مثلها، مشكلات في صحتهم النفسية.
وحظي هذا الإرث الخفي أخيراً بالتكريم مع إطلاق برنامج "مارلين مونرو للصحة النفسية في مجال الفنون" في مستشفى ماونت سيناي في نيويورك.
وتقول لوري هول، التي تبرعت بـ100 ألف دولار للمساعدة في تأسيس البرنامج، الهادف إلى دعم العاملين في الفنون الأدائية ممن يواجهون صعوبات تتعلق بسلامتهم النفسية: "لا تزال مارلين مونرو واحدة من أكثر الشخصيات شهرة وسوء فهم في التاريخ الحديث".
وكانت هذه قضية قريبة من قلب مارلين. ففي آخر مقابلة أجرتها مع مجلة "لايف"، تحدثت مونرو عن الشهرة بوصفها أمراً متقلباً، وقالت: "إنها مثل الكافيار". فالقليل منه لذيذ، لكنها أضافت أن تناوله "كل يوم لعين" يصبح أكثر مما يحتمل. وقالت، متأملة شهرتها العالمية واحتمال ابتعادها يوماً عن الأضواء: "إنها ليست شيئاً أعول عليه". ثم أضافت: "وأستطيع أن أقول: يا إلهي، لقد كانت الشهرة زمناً مؤلماً".
كان اهتمام مارلين بقضايا الصحة النفسية شديد الارتباط بتاريخها العائلي. فقد عانى جدها لأمها، أوتيس، شللاً عاماً ناجماً عن الزهري العصبي، وتوفي داخل مؤسسة علاجية عام 1909 عن 43 سنة. أما جدتها لأمها، ديلا، فكانت تعاني "ذهان الهوس الاكتئابي"، وهي حال خطرة أدت إلى محاولتها خنق مارلين الرضيعة، التي كانت تعرف آنذاك باسم نورما جين، في مهدها.
وبعد تلك الحادثة، أدخلت ديلا إلى مؤسسة علاجية، وتوفيت في مستشفى حكومي بولاية كاليفورنيا عام 1927. أما غلاديس، ابنة أوتيس وديلا ووالدة مارلين، فأظهرت هي الأخرى علامات مرض نفسي، وشخصت بالفصام. وبعد 12 يوماً فقط من ولادتها ابنتها في يونيو (حزيران) 1926، أودعت غلاديس ابنتها، التي ولدت خارج الزواج، في رعاية عائلة حاضنة.
ولأعوام، اعتقدت مارلين أنها ورثت المرض النفسي، وأن لعنة ما تلاحق سلالتها العائلية. وقالت: "ظللت فترة طويلة خائفة من أن أكتشف أنني مثل أمي، وأن ينتهي بي الأمر في مصحة للمجانين". وأضافت: "أتساءل، حين أنهار، إن كان السبب أنني لست قوية بما يكفي، مثلها".
وفي سن الثامنة، حين كانت نورما جين تعيش مع إحدى العائلات التي تولت رعايتها، تعرضت لاعتداء جنسي على يد رجل كان يقيم في المنزل نفسه. وكتبت لاحقاً في مذكراتها: "عندما طوقني بذراعيه، ركلت وقاومت بكل ما أوتيت من قوة، لكنني لم أستطع إصدار أي صوت. كان أقوى مني ولم يتركني. ظل يهمس لي أن أكون فتاة مطيعة".
وخلص متخصصون درسوا حال مونرو إلى وجود صلة واضحة بين تجربة الاعتداء الجنسي التي تعرضت لها في طفولتها وصعوباتها العاطفية اللاحقة. وكتبت باميلا كلاين وزوزانا أدلر في مقال نشر عام 1986: "كانت النتيجة طفلة في جسد امرأة"، مشيرتين إلى أنها كانت تظهر "قدراً من البراءة من خلال حاجتها إلى أداء دور المرأة الفاتنة، في مسار طويل ومؤلم لمحاولة استيعاب ما تعرضت له من اعتداء، وفهم صورتها عن الرجال".
كتب الدكتور غرينسون: "كانت مارلين بئراً بلا قاع، لم يكن في الإمكان ملؤها، بسبب كل تلك الهوّات العميقة التي خلّفها فيها غياب العائلة"
وكان من بين النتائج الأخرى للصدمات التي عاشتها في طفولتها اعتمادها المتزايد على العقاقير. وعلى رغم أنها لجأت، على ما يبدو، إلى مسكنات الألم والحبوب المنومة في البداية للتعامل مع بطانة الرحم المهاجرة، وهي حال مزمنة تنمو فيها خلايا شبيهة بخلايا بطانة الرحم خارج الرحم، فإن إغراء الأدوية كان يخفف أيضاً من ضيقها النفسي. وفي خضم التداعيات التي خلفتها زيجاتها الثلاث، من حبيب المراهقة جيم دوغيرتي، ونجم البيسبول جو ديماجيو، والكاتب المسرحي آرثر ميلر، إلى جانب علاقاتها العاطفية المتعددة، لجأت مارلين إلى الأدوية الموصوفة لتخفيف ألمها.
وفي رسالة غير منشورة، كتب آخر محلليها النفسيين، الطبيب المقيم في لوس أنجليس الدكتور رالف غرينسون، أن اعتماد النجمة على الحبوب المنومة "كان طريقتها للهرب من بؤس الحياة". وفي الرسالة نفسها، التي كتبها غرينسون بعد وفاة مارلين، خلص إلى أن "مارلين كانت بئراً بلا قاع، لم يكن في الإمكان ملؤها، بسبب كل تلك الهوات العميقة التي تركها غياب العائلة في داخلها".
ظلت مارلين تبحث دائماً عن سبيل لفهم مصدر مشكلاتها. وخضعت للمرة الأولى للتحليل النفسي عام 1951، وشجعها على التعامل معه بجدية مدربها في التمثيل في نيويورك، لي ستراسبرغ، أحد أبرز المروجين لأسلوب "المثود" في التمثيل، وهو منهج يقوم على تعميق تقمص الممثل للشخصية واستدعاء مشاعره الخاصة لمنح الأداء قدراً أكبر من الصدق.
وفي صيف عام 1956، حين كانت مارلين في إنجلترا لتصوير فيلم "الأمير وفتاة الاستعراض"، خضعت لأسبوع من العلاج النفسي مع آنا فرويد، ابنة سيغموند فرويد، في منزلها بمنطقة هامستيد شمال لندن، وهو المنزل الذي أصبح اليوم متحف فرويد.
وأخبرت مارلين آنا فرويد أنها قرأت للمرة الأولى كتاب فرويد الكلاسيكي "تفسير الأحلام" عندما كانت في الـ21 من عمرها. وبعد الجلسات، شخصت آنا فرويد حال مارلين بأنها "عدم استقرار عاطفي، واندفاع مبالغ فيه... وميل إلى الاكتئاب عند التعرض للرفض [إضافة إلى] نزعات ارتيابية ذات عناصر فصامية". واعتقد طبيب آخر من أطبائها أن النجمة كانت تعاني اضطراباً ثنائي القطب.
ومنذ عام 1960، بدأت مارلين ترى الدكتور غرينسون، أحياناً في جلسات يومية. لكن حين لم تستجب للتحليل التقليدي، القائم على جلسات مدتها 50 دقيقة على أريكة التحليل وحدود علاجية صارمة، لجأ الطبيب إلى نهج أقل تقليدية. فبعد الجلسات التي كانت تعقد في منزله، شجعها على قضاء الوقت مع زوجته وولديه البالغين. وقالت مسؤولة علاقاتها العامة بات نيوكوم: "كانت مارلين تبحث دائماً عن عائلة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحلول ديسمبر (كانون الأول) 1961، ووفقاً للدكتور غرينسون، كانت مارلين تظهر كل علامات ما وصفه بـ"حالة إدمان حدية ذات نزعات ارتيابية". وبلغ قلقه على حالتها النفسية، بعدما تحدثت عن اعتزال السينما وحتى الانتحار، حداً دفعه إلى وضع ممرضات في شقتها فترة لمراقبتها ليلاً ونهاراً. وكانت مارلين قد أصبحت معتمدة على أدوية تمنحها، على حد تعبيرها، شعوراً غريباً يشبه العودة إلى الرحم والاحتواء. وخلال الشهرين الأخيرين من حياتها، وصف لها 830 وحدة من الأدوية، وهي كمية تكفي لقتل شخص مرات عدة.
وفي الرابع من أغسطس (آب) 1962، توفيت مارلين نتيجة جرعة زائدة من النيمبوتال وهيدرات الكلورال. وخلص الطبيب الشرعي إلى أنها على الأرجح حالة انتحار، لكن كثيرين آخرين يعتقدون أنها كانت وفاة عرضية، فيما يذهب بعضهم إلى حد الزعم بأنها قتلت. كانت تبلغ من العمر 36 سنة. وكتب غرينسون إلى آنا فرويد: "لم أستطع هزيمة كل القوى التدميرية التي أثارتها فيها التجارب المروعة في حياتها الماضية، بل وحتى في حياتها الحاضرة".
ومنذ وفاة مونرو قبل أكثر من ستة عقود، تعلمنا كثيراً عن الضيق النفسي ومن طريقة الحديث عنه. وبينما كانت تعمل داخل حدود منظومة الاستوديوهات، وهي منظومة سعت إلى التحكم في كل جانب من حياة النجوم، كانت تتحدث علناً عن قضايا "مزعجة" مثل الصحة النفسية وصدمة الاعتداء الجنسي في الطفولة.
وعام 1959، طلبت مونرو من محاميها البحث في منظمات "تقدم مساعدة نفسية للأطفال"، إذ كانت تفكر في إنشاء مؤسسة خاصة بها. وعلى رغم أن تلك الهبة، التي يرجح أنها كانت ستذهب إلى مؤسسة آنا فرويد في نيويورك، لم تتحقق في حياتها، فإن مارلين تركت ربع تركتها لمحللتها النفسية في نيويورك، الدكتورة ماريان كريس، التي تركت بدورها ذلك النصيب لمركز آنا فرويد لدراسة الأطفال وعلاجهم نفسياً في لندن.
وعلى رغم أن كثيرين اختزلوا مونرو في صورة "الشقراء الساذجة" أو الممثلة الهوليوودية العابرة، فإنني أرى ضرورة النظر إليها باعتبارها شخصية حديثة على نحو لافت، ومتمردة بهدوء. لذلك، ونحن نستعيد موهبتها التمثيلية وجمالها المتوهج، حان الوقت أيضاً للاعتراف بهذا الإرث المهم. وكما تقول لوري هول، راعية برنامج مارلين مونرو للصحة النفسية في مجال الفنون: "لا يمكنني التفكير في طريقة أفضل للاحتفال بعيد ميلادها الـ100 من تحقيق هذه الأمنية".
صدر كتاب "أريد أن تحبني - مارلين مونرو، حياة في 100 لقطة" عن دار سايمون أند شاستر.
© The Independent