ملخص
عندما يعلو صوت القصف في ليل غزة، تبدأ عيادات التعافي الفطرية بالعمل… من قلب الخيام تقود الجدات معركة صامتة لحماية الجهاز العصبي لأحفادهن بحكايات تراثية وتلامس جسدي، وأهازيج تتحول إلى "عزل صوتي إيجابي" يهزم تروما الحرب.
عندما يسدل الليل ستاره الأسود الثقيل وتبدأ طائرات الاستطلاع الإسرائيلية بالتحليق المكثف في سماء غزة، تدق ساعة الأمان في خيمة الجدة نادية، لا تحتاج إلى مناداة الصغار، فهم يتحركون بنظام فطري تدفعهم غريزة البحث عن الحنان، يتجمع الأطفال حولها فهم يعرفون أن الوقت حان لسماع حكايات المساء التي ترويها جدتهم.
الصغار جداً يلتصقون بحضنها، بينما يلتف الأكبر سناً في حلقات متداخلة يمسكون بأطراف ثوبها المطرز وعباءتها، هذا التلاحم الجسدي الكثيف يصنع خط دفاع نفسي أول، يذيب برودة الخوف ويشعر كل طفل بأنه ليس وحده في وجه ليل غزة المرعب.
عيادة التعافي الفطرية
تبدأ نادية حكايتها بطقس ثابت يترقبه الأطفال بشغف، تمسح بكفها المتعبة والمتشققة على رأس أقرب طفل إليها، وتأخذ نفساً عميقاً، هادئاً ومصطنعاً، لتوحي لهم بالسكينة المطلقة، ثم بصوت رتيب منخفض تقول تعويذتها الليلية بلغتها العامية "كان يا ما كان، في قديم الزمان، ولا يحلا (يحلو) الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام... يا أولادي، الأرض هادي إلنا (هذه لنا)، والليل إلو (له) صاحب". بهذه الكلمات البسيطة، تفصل الأطفال عن الواقع المحيط وتفتح لهم بوابة سحرية نحو عالم الخرافة والتراث القصصي، إذ الخير ينتصر دائماً.
تعد حكايات الجدات في عتمة ليل القطاع أقوى حصن لحماية الأطفال النفسية، فهي ليست وسيلة للتسلية بل أداة علاجية فاعلة تعيد ترميم مشاعر الأمان المسلوبة وتساعد عقول الصغار على تصفية الرعب اليومي. ونادية مبدعة في تذكر القصص الخيالية ورائعة في ربطها بواقع غزة.
بصوتها الحنون، ويديها اللتين تتحركان لتمثل بعض المشاهد، تقص نادية على أحفادها حكاية "جبينة" وهي قصة تحمل معاني رمزية عن الصبر والفرج بعد العتمة، وتدور حول طفلة جميلة بيضاء تضيع من عائلتها وتتعرض لظلم من امرأة شريرة تجبرها على رعي الأغنام في البرد والظلام، لكن "جبينة" تحافظ على أملها وتناجي الطيور والنجوم، وفي النهاية ينكشف الحق وتعود إلى حضن عائلتها بكرامة وأمان.
حكايات فيها عبر
يتغير الجو داخل الخيمة تماماً بمجرد أن تنطلق الجدة في سرد حكاياتها، تتسع عيون الأطفال الشاخصة نحو وجهها المستنير بضوء شمعة ضئيلة ينصت الصغار لتقلبات صوتها، يتفاعلون مع كل حركة من يديها.
تروي الجدة أحداث حكاية "جبينة" التي ترمز للصبر على المظالم والشدائد، وتنتهي دائماً بفرج قريب وعودة الحق لأصحابه، وتعلم الأطفال أن المعاناة الحالية التي يعيشونها في غزة مثل البرد والنزوح في الخيمة والجوع تعد مرحلة موقتة وستنتهي حتماً، وتغرس في وجدانهم إيماناً عميقاً بأن الفرج القريب مقبل، وأن العودة إلى عيش حياة جميلة ممكنة.
عندما تصف الجدة، البطلة الشجاعة وهي تواجه الصعاب تحبس الأنفاس الصغيرة، وعندما تروي كيف نجت بذكائها تنطلق ابتسامات خجولة تضيء الوجوه المتعبة، وخلال اللحظات التي يعلو فيها صوت انفجار بعيد، يضغط الأطفال بأيديهم على ثوبها، فترد عليهم بابتسامة وثبات انفعالي عجيب، وتدمج الصوت في الحكاية قائلة إن "هذا صوت طبول الفرح بنصر البطل" فيتنفس الصغار الصعداء مستمدين شجاعتهم من عينيها.
لحظة النوم
مع اقتراب الحكاية من نهايتها السعيدة، تبدأ الجدة بالانتقال التدريجي نحو طقس النوم. تخفض صوتها أكثر فأكثر حتى يصبح أقرب إلى الهمس، وتبدأ بهز الأطفال الصغار برفق شديد، وتتحول الحكاية إلى أهزوجة هدهدة (لالا) تراثية عذبة، تغنيها بنبرة منومة ومنتظمة.
"ناموا يا صغاري ناموا… ليل الخوف رح يزول (سيزول)، وبكرا تشرق شمسنا… والبيوت تفتح بالقبول"، تكرر هذه الكلمات بانتظام كالإيقاع الطبيعي لضربات القلب، وتمسح على عيون الطفولة التي أثقلها التعب والخوف، حتى ترتخي الأجسام الصغيرة واحداً تلو الآخر، ينام الأحفاد الستة تحت دثار كلمات الجدة مستبدلين كوابيس الحرب بصور خضراء من وحي الحكاية.
طريقة تقليدية
في غزة، عادت الجدات إلى الطرق القديمة البدائية في العلاج النفسي لأحفادهن والتخفيف عليهم من ويلات الحرب، واستخدمن الحكايات الشعبية والتراثية وسيلة تمنح الأطفال الأمان وتحميهم من تداعيات الخوف والظلام، وبهذا تتحول حكايات الجدات وأغانيهن من مجرد وسيلة للتسلية إلى أداة نجاة حقيقية.
تقول الجدة نادية "عندما وجدت أحفادي ينامون مذعورين وعلامات الصدمة بدأت تظهر عليهم، وبخاصة أنهم فقدوا وسائل الترفيه، وتحول ليلهم إلى روتين قاسٍ، جمعتهم لأروي لهم حكايات مذهلة تساعدهم في تجاوز حياة غزة القاسية".
في الواقع، الجدة نادية على حق، إذ يعيش أطفال غزة أزمة صحة نفسية حادة وغير مسبوقة، وتؤكد المنظمات الدولية أن جيلاً كاملاً تحت خطر الإصابة بصدمات نفسية دائمة تؤثر في النمو العقلي والسلوكي نتيجة التعرض المستمر للعنف والنزوح المتكرر.
بيانات الصحة النفسية
بحسب بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، فإن أكثر من مليون طفل داخل غزة في حاجة ماسة الآن إلى خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي، إذ يعيش 96 في المئة منهم بشعور دائم بأن الموت وشيك، وتظهر على 90 في المئة منهم علامات التوتر الحاد والقلق والسلوك العدواني، ويعاني نحو 79 في المئة من الأطفال الكوابيس المستمرة ونوبات الهلع أثناء النوم، و61 في المئة من فئة يعانون اضطراب ما بعد الصدمة.
يقول مدير الاتصالات في "يونيسيف فلسطين" جوناثان كريكس واصفاً هذه المأساة "التقيت أطفالاً في غزة لم يتمكنوا حتى من نطق أسمائهم بسبب الصدمة، هؤلاء الأطفال يعيشون في حال صدمة مستمرة، إذ لا يقتصر الأمر على فقدانهم منازلهم وحياتهم الطبيعية، بل فقدوا أيضاً السند الوحيد الذي كان يمكن أن يقدم لهم الطمأنينة".
يؤكد كريكس أن حجم الكارثة النفسية تخطى كل التوقعات، مضيفاً أن "أعراضاً تظهر على الأطفال مثل مستويات عالية للغاية من القلق المستمر وفقدان الشهية، ولا يستطيعون النوم أو يمرون بنوبات اهتياج عاطفي أو يفزعون في كل مرة يسمعون فيها صوت القصف".
من جانبه، يقول مدير منظمة "إنقاذ الطفل" في الأراضي الفلسطينية المحتلة جيسون لي إن "الأطفال والعائلات يعيشون مجدداً مشاهد الخوف والفقدان بعد أسابيع قليلة من التفاؤل الحذر. لا يمكن أن يصبح هذا الوضع هو الوضع الطبيعي الجديد، إن وقف إطلاق النار الدائم يجب أن يعني الأمان والتعافي للأطفال، وليس استمرار المعاناة".
تبريرات إسرائيل
لا تصدر السلطات الإسرائيلية ردوداً مباشرة على "الواقع النفسي" لأطفال غزة، بينما يحمل سفير تل أبيب لدى الأمم المتحدة داني دانون النظام التعليمي مسؤولية الصدمات.
ويقول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إيفي ديفرين إن "إسرائيل تبذل كل ما في وسعها لإبعاد المدنيين من الأذى، لكن ’حماس‘ تستخدم الأطفال في غزة كدروع بشرية، وهي مسؤولة بصورة كاملة عن أي معاناة إنسانية تحدث في القطاع".
ويضيف أن "التركيز في هذه الحرب هو على إلحاق الضرر والدمار بالعدو، وليس على الدقة. نحن نطلب من المدنيين الانتقال إلى مناطق آمنة لحمايتهم، لقد خصصنا مناطق إنسانية توفر مساحات آمنة للمدنيين والأطفال بعيداً من العمليات العسكرية. إذا كانت المنظمات الدولية قلقة حقاً في شأن الرفاهية النفسية والجسدية للأطفال في غزة، فعليهم توجيه الضغط والنقد إلى ’حماس‘".
بعيداً من التبريرات، لا تستطيع وكالات الأمم المتحدة مواجهة خوف الأطفال، إذ تؤكد أن خطط التعافي النفسي والجسدي تواجه عقبة التمويل، إذ تحتاج "يونيسيف" وحدها بصورة عاجلة إلى نحو 485 مليون دولار إضافية لتمويل نداء العمل الإنساني من أجل أطفال غزة وسد العجز القائم لتشغيل تلك البرامج الحيوية.
خط الدفاع النفسي
وبسبب أزمة التمويل تعجز المنظمات الدولية عن تنفيذ أنشطة تفريغ نفسي للأطفال، ومن هنا تحولت حكايات الجدات إلى خط الدفاع النفسي الأخير لحماية الطفولة، إذ وثقت المنظمات الإنسانية نماذج حية لجدات استخدمن الحكايات والأهازيج التراثية لترميم ما دمرته الحرب الشرسة في نفوس أحفادهن.
الجدة هيام مقداد ترعى أحفادها الذين يتنقلون حفاة الأقدام بين الركام لجلب المياه والمساعدات بعدما نسي معظمهم معنى المدرسة واللعب، وتستخدم "سرديات الذاكرة وإعادة البناء" أثناء النزوح والعمل اليومي الشاق.
ترافق الجدة هيام أحفادها بين أزقة الدمار حاملين الدلاء، وتحول مسيرهم إلى حكاية ممتدة عن "العصفورة الخضراء" التي تعيد بناء عشها بعد كل عاصفة، يساعد هذا الأسلوب الأطفال على تقبل مشهد الركام دون الاستسلام لتروما الدمار، ويربط حركتهم اليومية بهدف البقاء بدلاً من قلق الفقد الشديد.
وأيضاً الجدة سلوى التي ودعت خمسة من أبنائها في الحرب، ووجدت نفسها مسؤولة عن جيش من الأحفاد أصغرهم رضيع لم يتجاوز عمره شهرين، وتستخدم القصص والتلامس الجسدي مع أغاني الهدهدة والـ"لالا" التراثية بصوت منخفض لتهدئتهم، وتحيط الأطفال بجسدها عند سماع التحليق المكثف للطائرات المسيرة وتبدأ بالغناء الفلكلوري والدعاء بصوت رتيب وثابت، هذا الثبات الانفعالي المصطنع من الجدة يرسل إشارات عصبية فورية لأدمغة الأطفال بأن "الحامي" غير خائف، مما يمنع تحول الخوف اللحظي إلى اضطراب ما بعد الصدمة المزمن.
قصص الجدة سميحة
تعيش الجدة سميحة مع 12 حفيداً بعدما قتل الآباء في الحرب الإسرائيلية على غزة، وابتكرت طقساً ليلياً يدعى "حلقة النجوم"، إذ تجمع الأطفال داخل الخيمة المعتمة، وتبدأ بسرد حكاية "نص نصيص" والتأكيد أن عتمة الليل تتبعها شمس النهار. وعند كل صوت انفجار، تطلب من الأطفال التنافس في تخمين الكلمة المقبلة من الأغنية التراثية، مما يجبر أدمغتهم على التركيز السمعي مع نبرة صوتها، حامياً إياهم من نوبات الهلع الفجائية.
يجلس الأطفال الـ12 متلاحمين كأصابع الكف الواحدة، تلتصق أكتافهم الصغيرة بعباءة الجدة سميحة التي تفوح منها رائحة الطمأنينة والأرض، تبتسم في وجوههم وتدعوهم بصوتها الدافئ الرخيم "تعالوا… حان وقت حلقة النجوم".
عينا الجدة تلمعان ببريق يضيء عتمة الخيمة، تبدأ بسرد حكاية "نص نصيص" وتقول فيها "كان يا ما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، حتى كان الرمان نوار، واللبن في الأجران دوار، كان في زمان ولد صغير واسمه نص نصيص، هذا الولد كان حجمه قد نص كف اليد، بس كان ذكي وشاطر وعقله يوزن بلد، في يوم من الأيام، طلعت أمه على السوق، وقالت له يا نص نصيص، إياك تفتح الباب لأي أحد، الدنيا برة (في الخارج) مش أمان والغول بيلف في الحارة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تعلو نبرة الجدة سميحة كلما اشتد عواء القذائف في الخارج، لتنسج فوق رؤوس أحفادها سقفاً من السكينة لا تخرقه شظايا الفزع وتكمل "ما كذب نص نصيص خبر، سكر الباب بالقفل وقعد يدق في الهون يطحن قمح، مر شوية وقت، وإجا (أتى) الغول وقف ورا (خلف) الباب، وصار يقلد صوت الأم بنبرة ناعمة يا نص نصيص يا حبيبي، افتح الباب لأمك، جبتلك معاي حلاوة وتفاح".
"نص نصيص عرف فوراً إنه الغول من صوته الخشن والمبحوح، ومن شكل رجليه الكبار اللي مبينة (الظاهرة) من تحت شق الباب، وصاح من جوة (الداخل) وقال ’مش رح أفتحلك (لن أفتح لك)، صوتك خشن ورجليك كبار، أنت الغول العيار‘".
"الغول انغاظ كتير وعصب وراح دفش (دفع) الباب بكل قوته لحد ما كسر القفل ودخل البيت وهو بيصرخ، اليوم رح آكلك يا نص نصيص، نص نصيص من كتر ما هو صغير وذكي، نط (قفز) بسرعة واستخبى في جرة الزيت، الغول قعد يدور ويدور في البيت، قلب الفراش وفتش ورا الخزانة وما لقاه، فطلع وهو زعلان ويتحلف له".
وفجأة، عندما يهتز المكان إثر انفجار قريب، لا تترك الجدة سميحة الفرصة لقلوبهم الغضة أن ترتجف، وتشير بإصبعها إليهم "من يكمل الكلمة المقبلة؟" في تلك اللحظة، تتحول المنافسة إلى طوق نجاة، وتتسابق أنفاس الصغار لملء الفراغ بالكلمات التراثية العذبة، بدلاً من صرخات الرعب.
تكمل الجدة القصة "لما رجعت الأم وشافت الباب مكسور، صارت تصرخ وتبكي، راحت عليك يا حبيبي يا نص نصيص، أكلك الغول". "طلع نص نصيص من جرة الزيت وهو بيضحك ومغطى بالزيت، وقال لها ’أنا هان (هنا) يا أمي، الغول كبير بجسمه بس عقله صغير، وأنا غلبته بذكائي‘".
"حضنته أمه وفرحت فيه، وعرفت إنه الشطارة والذكاء بتنجي صاحبها من أكبر الأخطار، وعاشوا في أمان وسلام. وتوتة توتة، خلصت الحتوتة، حلوة ولا فتوتة؟"
ترياق
في خيمة سميحة يتحول السرد الفطري إلى حصن، وتتحول الحكاية التراثية إلى ترياق يعيد ضبط دقات القلوب المتسارعة، إذ تعمل على تحويل مصادر الرعب الحقيقية مثل أصوات القصف والتهديدات الخارجية إلى كائن خيالي يمكن هزيمته، وتعطي الطفل شعوراً بالسيطرة.
يقول أستاذ علم النفس والباحث في الصدمات النفسية بغزة ساجي الشوا "تستخدم الجدات فصول هذه الحكايات كتقنية إسعاف نفسي أولي، فالطفل عندما يسمع القصة يحدث لديه تفريغ انفعالي غير مباشر، ويرى معاناته مجسدة في شخصية خيالية، مما يخفف من وطأة الكبت الداخلي والتوتر، ويدرك أنه ليس الوحيد الذي يعاني هذه القسوة".
ويضيف الشوا "عندما تصل الجدة في السرد إلى الجزء الذي تغني فيه، تطلب من الأطفال مشاركتها الغناء بصوت جماعي منخفض، هذا الغناء الجماعي الرتيب يعد تقنية ممتازة لتخفيف التوتر العضلي ويكسر لديهم العجز المكتسب ويزرع الأمل التكيفي".
ويوضح الشوا أن "الطفل يتعلم من أبطال القصص كيفية التكيف مع الأزمات ومواجهة الصعاب، ويستبدل صور الدمار بمشاهد من وحي الحكاية، مما يحمي خلايا الدماغ من إجهاد التوتر".
سرد تفاعلي
لا يقتصر الدعم النفسي على مضمون القصة بل يمتد إلى أسلوب السرد التفاعلي الذي تعتمده الجدات فطرياً، إذ يتبعن أسلوب العزل الصوتي الإيجابي، وبخاصة عندما يعلو صوت القصف في الخارج، حينها ترفع الجدة نبرة صوتها بسجع الحكاية وأغاني الهدهدة التراثية مثل "يا ريتني (ليتني) عصفورة طيارة... لأحمي صغاري من الغارة"، مما يشتت انتباه الدماغ عن أصوات الخطر.
وأيضاً تلجأ الجدات إلى التلامس الجسدي العلاجي، وكذلك التنفيس عن المشاعر بالنهايات السعيدة. تصر الجدة دائماً على أن ينتهي الشر ويسود السلام في ختام القصة، مما يسمح للأطفال بالنوم تحت تأثير الخيال الإيجابي بدلاً من الصور الكابوسية.
يقول المتخصص النفسي الميداني جاسر صلاح المتخصص في علاج صدمات الأطفال بغزة "تجلس الجدة ويتحلق الأطفال حولها أو في حضنها، هذا الالتصاق الجسدي يفرز هرمون الأوكسيتوسين الذي يخفض مستويات هرمون الإجهاد الكورتيزول فوراً ويهدئ ضربات القلب المتسارعة".
يوضح أهمية السرد التفاعلي كأداة للتفريغ النفسي الداخلي قائلاً "في ظل غياب المدارس والمساحات الآمنة، تحولت خيام الجدات إلى عيادات تعافٍ مجتمعية، هذا الأسلوب الفطري نجح في خلق مظلة أمان موقتة للأطفال، إلا أنهم يشددون على أن هذا الجهد الفطري يجب أن تدعمه تدخلات طبية مهنية مستدامة".
أداة علاجية
يجمع باحثو الصحة النفسية على أن الأسلوب الفطري الذي تتبعه الجدات في خيام غزة يمثل أداة علاجية متقدمة ومثبتة علمياً، تتقاطع مع أحدث نظريات العلاج النفسي السلوكي في أوقات الكوارث. ويقول مدير عام برنامج غزة للصحة النفسية المجتمعية ياسر أبو جامع إن "جلوس الجدة ومشاركة حكاياتها التراثية في خيمة مظلمة وسط القصف هو أرقى صورة من صور التنظيم الانفعالي المشترك، فالجدة هنا تعيد ضبط التوازن البيولوجي لأحفادها، نبرة صوتها الثابتة تحتضن فزعهم، ولمساتها الدافئة تخبر أجهزتهم العصبية المذعورة أن الأمان لا يزال ممكناً على رغم الانفجارات".
ويضيف أن "حكايات التراث ليست للتسلية، بل هي تطبيق عملي غير مباشر للعلاج السردي المدمج، وعملية دمج الواقع الأليم داخل حكاية خيالية تساعد عقل الطفل على إدراك الحدث دون أن تصدم خلاياه العصبية بالواقع المباشر الفج، وإصرار الجدات على النهايات السعيدة الحتمية يعيد تدريب عقل الطفل على توقع الأمان والنجاة، وهو خط الدفاع الأول ضد اليأس والسلوك الانتحاري بين اليافعين".
في ورقة بحثية حول علم النفس العصبي في أوقات الحروب بعنوان "المرونة النفسية المجتمعية في فلسطين"، يجري التأكيد أن التفاف الأطفال جسدياً حول الجدة يُحدث ما يسمى التنظيم المشترك للجهاز العصبي، إذ ينخفض هرمون الأدرينالين وتبطأ دقات القلب وتتوقف نوبة الهلع قبل استفحالها في الدماغ الإدراكي.
ويشير أبو جامع إلى أن "الجدات يستدعين الرموز الجمعية التراثية كنوع من الإسعاف الأولي، ويعملن على تعزيز المناعة النفسية من خلال ربط الطفل بقصص أجداده الذين نجوا من أزمات وحروب سابقة، مما يمنحه شعوراً بالامتداد والقوة، بدلاً من شعور العجز والضعف الفردي المطلق".