ملخص
في غزة، تحولت الأمومة من مجرد رعاية إلى وحدة إدارة أزمات وطوارئ مستمرة، حيث تحاول الأمهات خلق توازن مستحيل بين حماية أطفالهن جسدياً واحتواء رعبهم نفسياً، بينما يفتقدن هن أنفسهن لأبسط مقومات الأمان.
مع حلول الليل يبدأ الخلود إلى النوم، إلا أن الأمر ليس كذلك في قطاع غزة، فهو بالنسبة إلى الأم خلود ليس وقتاً للنوم، بل "نوبة الحراسة" الطويلة، إذ تجلس بظهر مستند إلى عمود الخيمة الخشبي، تضع أطفالها الثلاثة في حضنها، عيناها تتحركان كرادار حسي، ترمش ببطء شديد لأنها تخشى أن تفقد جزءاً من الثانية في الغفلة.
أصابع يد خلود اليمنى متشنجة حول قميص طفلها الأصغر، ليس قبضة حب وإنما قبضة أمان ميكانيكية، إذا تحرك الطفل، يرسل جهازها العصبي فوراً نبضة كهربائية لقلبها ليستيقظ، في هذه اللحظة، يكون جهازها العصبي فقد قدرته على التمييز بين الأصوات العادية وأصوات الخطر.
مشاهد مفزعة
بينما يغط الأطفال في نوم متقطع، تصبح أذن الأم ميكروفوناً فائق الحساسية، حفيف الريح في قماش الخيمة لا يمر كصوت طبيعي، يترجمه دماغها فوراً كخطوات تقترب، وصرخة قطة في البعيد تجعل جسدها يتصلب في جزء من الثانية.
صحيح أن غزة تعيش حالاً من وقف إطلاق النار لكن الخروقات كثيرة والقصف في كل مكان، وتعتقد الأم خلود أنها ستموت برفقة أطفالها إما بقذيفة تخترق خيمتها أو رصاصة يطلقها الجنود المتمركزون خلف الخط الأصفر، وإن لم يكن الموت بهذه الصورة فهي تعتقد أن الأمراض الخطيرة المنتشرة بسبب القوارض التي تتسلل لخيمتها تحمل معها الموت.
المشاهد المفزعة التي عاشتها خلود في الحرب الإسرائيلية على غزة جعلت مخاوفها لا تنقطع ليلاً ولا نهاراً، وباتت تعيش الاستنفار الكيميائي فالأدرينالين يتدفق في عروقها وهي جالسة مكانها، مما يجعل عضلات رقبتها مشدودة كأوتار حديدية لا تلين، وحالتها تنطبق على المعاناة النفسية التي تعيشها الأمهات في القطاع.
آثار مترتبة
تقرر خلود أن تغمض عينيها لدقائق من شدة الإنهاك، لكن الجهاز العصبي لا يتيح لها الراحة، بمجرد أن تبدأ في الدخول في بداية النوم، يبدأ جسدها بالانتفاض بصورة متكررة، دماغها يرسل إشارة تحذير "ممنوع الاسترخاء، الخطر موجود وقد يقترب من أطفالك".
تعيش الأم صدمة مستمرة لأن الانفجار الذي حدث بالأمس لا يزال صداه يسكن أعصابها، وتوقع الانفجار القادم يجعل منطقة "اللوزة الدماغية" عندها في حال اشتعال دائم، وتقول خلود "لا أشعر بالهدوء حتى في الصمت، لأن الصمت في غزة له صوت مرعب يشي بشيء سيسقط".
عندما يبزغ الفجر، تشعر الأم خلود بثقل الجبال في أطرافها، وهذا هو الإنهاك العصبي، لأن جهازها العصبي الباراسمبثاوي المسؤول عن الترميم والراحة تم إيقافه قسراً طوال الليل لمصلحة حراسة البقاء، يستيقظ جسدها وهو يعاني آلاماً في المفاصل وصداعاً نصفياً حاداً وضبابية في الرؤية.
حراسة دائمة
تعيش الأمهات في غزة حال حراسة دائمة لأطفالهن، فهن يعشن صدمة مستمرة لا تتيح للجهاز العصبي الراحة أو الهدوء وبخاصة أنهن يعاصرن ظروف الأزمات والضغوط المستمرة، ويعرف هذا علمياً باليقظة المفرطة وهي حال تجعل الجهاز العصبي في استنفار دائم.
يقول أستاذ الطب النفسي فضل هين "تحولت الأم في غزة إلى حارسة استنزفت كل وقودها العصبي لتؤمن لأطفالها بضع ساعات من النوم، بينما ظل جهازها العصبي يحترق ببطء في غرفة انتظار الموت".
ويضيف الطبيب النفسي "سلسلة انفعالات تحدث للجهاز العصبي عند الأمهات، أولها وضع ’الكر والفر‘ المستمر حيث يعيش الدماغ في حال تأهب وكأن هناك خطراً وشيكاً يهدد الأطفال في كل لحظة، مما يمنع تفعيل الجهاز العصبي الباراسمبثاوي المسؤول عن الراحة والترميم".
ويوضح هين أنه في هذه الحال "يتم استنزاف الأدرينالين والكورتيزول، واستمرار تدفق هرمونات التوتر دون توقف يؤدي إلى الاحتراق النفسي، مما يجعل الأم تشعر بالإرهاق الجسدي حتى دون بذل مجهود بدني، ويتسبب غياب الأمان البيولوجي في منع راحة الجهاز العصبي، إذ يحتاج الدماغ إلى إشارات قوية تدل على الأمان، وفي حال الصدمة المستمرة تغيب هذه الإشارات، فيبقى التوتر محبوساً داخل الجسد".
صدمة مستمرة
اليقظة المفرطة ليست وحدها ما تعانيه الأمهات، فهن يعشن حالاً من الصدمة المستمرة، والحراسة الدائمة ليست مجرد قلق، بل هي آلية بقاء تستهلك الروح والجسد، يشير هين إلى أن هذا الوضع يفوق في قسوته اضطراب ما بعد الصدمة، لأن الحدث الصادم لا ينتهي بل يتكرر يومياً وبصور مختلفة، مما يجعل الجهاز العصبي في وضعية النجاة القصوى بصورة دائمة.
ويبين الطبيب النفسي أنه في حالة أمهات غزة، لا يمكن الفصل بين اليقظة المفرطة والصدمة المستمرة، فهما وجهان لعملة واحدة حيث تؤدي الصدمة المستمرة بالضرورة إلى يقظة مفرطة مزمنة، وهذه وسيلة بقاء غريزية حيث تشعر الأم أنها إذا غفلت أو استرخت قد تفقد أطفالها.
يوضح هين أن النساء في غزة يعشن صدمة مستمرة تجبر أجسادهن على البقاء في حال يقظة مفرطة، مؤكداً أن اليقظة هنا ليست مرضاً نفسياً بقدر ما هي آلية دفاع منطقية تجاه واقع غير منطقي، حيث يضحي الجهاز العصبي بالراحة والهدوء النفسي في سبيل الحفاظ على حياة الأبناء.
الأم هند في وضع الاستعداد
في غزة، تحولت الأمومة من مجرد رعاية إلى وحدة إدارة أزمات وطوارئ مستمرة، حيث تحاول الأمهات خلق توازن مستحيل بين حماية أطفالهن جسدياً واحتواء رعبهم نفسياً، بينما يفتقدن هن أنفسهن لأبسط مقومات الأمان.
في لحظة هدوء حذر داخل الخيمة، تنام الأم هند إلى جانب صغارها، جهازها العصبي ليس ساكناً بل في وضعية الاستعداد للضغط، تماماً مثل زنبرك مضغوط لأقصى حد ينتظر لمسة واحدة ليفلت، فجأة حدث صوت مفاجئ ارتطام قوي أو يبدو أنه دوي انفجار بعيد، لا يمر الصوت عبر مراكز التفكير في الدماغ، بل يذهب مباشرة إلى اللوزة الدماغية حيث مركز الإنذار المبكر.
وقبل أن تدرك الأم ماهية الصوت، يطلق دماغها شحنة كهربائية فورية عبر الحبل الشوكي، جسدها يقوم بما يسمى استجابة الفزع، عضلات ظهرها تقوست فجأة وكتفاها ارتفعا نحو أذنيها في حركة لا إرادية لحماية الرقبة.
بصورة آلية وقهرية، يرمي جسدها نفسه فوق أطفالها، هذه ليست حركة فكرت فيها، بل هي حراسة غريزية تفعلها الأعصاب قبل العقل، في هذه اللحظة، يتوقف التنفس عندها تماماً لتسمع بقية تفاصيل الخطر.
يضخ قلب هند كمية هائلة من الدم في نبضة واحدة عنيفة تشعر بها في حلقها، يفرز جسدها الأدرينالين بكميات سامة، عيناها تتسعان بصورة مخيفة لامتصاص أكبر قدر من الضوء، وأطرافها تصبح باردة جداً لأن الدم انسحب من الجلد ليوجه إلى العضلات الكبيرة للهرب.
في الحالة العادية، بعد التأكد من أن الصوت ليس خطراً، يعود الإنسان للهدوء خلال دقائق، لكن عند هند يظل جسدها يرتجف لربع ساعة، هذا الارتجاف هو محاولة الجهاز العصبي تصريف الطاقة الهائلة التي لم تستخدم.
هذه القفزة العصبية تستهلك من الطاقة ما يعادل جري ماراثون كامل في ثانية واحدة، تكرارها عشرات المرات يومياً هو ما يجعل الجهاز العصبي مهترئاً وغير قادر على الهدوء.
تقول هند "أشعر أن أعصابي عبارة عن أسلاك كهرباء عارية ومكشوفة، أي نسمة هواء أو صوت بسيط يجعلني أنتفض، لست أنا من يقود جسدي، بل الخوف هو من يمسك المقود".
تصف أم أخرى صراعها مع النوم، وتقول نادية "أنا لا أنام، أنا أحرس، حتى عندما أغلق عيني، أذني تظل واقفة مثل الرادار، أخاف أن أنام بعمق فأخون أطفالي ولا أسمع صوت الخطر قبل فوات الأوان، النوم بالنسبة إلي صار خيانة، حياتي كلها صارت انتبه واحذر ولا تبتعد، نسيت كيف أكون أماً تلاعب أطفالها".
عوامل وأسباب ما تعيشه الأمهات
كثيرة هي العوامل الكارثية التي جعلت من حياة الأمهات معركة بقاء مستمرة، ومن أبرز هذه الأسباب، العدوان العسكري المستمر، والحصار المشدد وانهيار المنظومة الصحية، وكذلك النزوح المتكرر وغياب الأمان، وفقدان المعيل والخصوصية.
هذه الظروف ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي واقع مفروض يسلب الأم حقها في رعاية طفلها بسلام ويضع جهازها العصبي في استنفار دائم لصد شبح الموت والجوع، والأرقام الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة تعكس حجم الثقل النفسي والبيولوجي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تشير الأرقام إلى أن 75 في المئة من الأمهات يعانين اليقظة المفرطة وغياب الهدوء، مما يعني أن الجهاز العصبي لا يصل أبداً لمرحلة الراحة، و90 في المئة أبلغن عن شعور دائم بالخوف والقلق والتوتر، وهي الحالة التي تبقي هرمونات التوتر في أعلى مستوياتها.
ومع عيش 96 في المئة من أطفال غزة في حال توقع دائم للموت، يضع هذا الأم في وضعية الحارس الذي لا يغفل لحظة واحدة لمحاولة تأمينهم، وبالمجمل تظهر بيانات الأمم المتحدة للمرأة أن 22 ألف أرملة أصبحن الحارسات الوحيدات لأسرهن، مما ضاعف الضغط على جهازهن العصبي بمرتين.
معركة داخلية
يقول مدير جمعية "عايشة لحماية المرأة والطفل" إلياس الجلدة "يؤدي الاستنفار الدائم واليقظة المفرطة إلى إنهاك جسد الأم بصورة عميقة ومباشرة، مما يحول الجسد إلى ساحة معركة داخلية، وينتج من ذلك آثار جسدية طويلة المدى، أبرزها إنهاك القلب والجهاز الدوري، واضطرابات الجهاز الهضمي والتمثيل الغذائي، وانهيار الجهاز المناعي، وخلل في الوظائف الحيوية للمرأة، وآلام الجسد المزمنة، وخطر الوفاة المبكرة".
ويضيف مدير الجمعية "عندما تعيش الأم في حال حراسة دائمة ويقظة مفرطة، ينتقل هذا التوتر بيولوجياً ونفسياً إلى الطفل عبر ما يعرف بالارتباط القلق، وهذا الارتباط ليس مجرد علاقة عاطفية، بل هو عملية صياغة لمستقبل الطفل النفسي والجسدي".
يشرح الجلدة "بما أن الأم هي المرآة التي يرى الطفل من خلالها العالم، فإن قلقها الدائم يرسل إشارة لدماغ الطفل بأن العالم مكان غير آمن قطعياً، ويؤثر ذلك في نمو دماغ الطفل مما يجعله مستقبلاً يعاني ردات فعل مبالغاً فيها تجاه الضغوط العادية، ويصعب عليه الوصول لحال الاستقرار العاطفي".
يوضح الجلدة أنه بسبب الحراسة الدائمة قد تنشأ علاقة اعتمادية شديدة بين الطرفين، يجد الطفل صعوبة في الانفصال عن الأم أو استكشاف العالم وحده مستقبلاً، حيث يترسخ لديه شعور بأن الابتعاد عن الحارس يعني الهلاك، وحينها ينمو الطفل بقدرة محدودة على التعاطف أو التعبير عن المشاعر، كطريقة لحماية نفسه من الألم الذي لا يطاق.
مشاريع علاجية
تعمل كثير من المؤسسات الدولية بالتعاون مع الجمعيات المحلية على دعم الأمهات لمواجهة آثار الصدمة المستمرة والإنهاك الجسدي والنفسي، حيث تتعاون هيئة الأمم المتحدة للمرأة، مع برنامج غزة للصحة النفسية وعدد من المنظمات الأخرى على تطبيق نهج الرعاية الملمّة بالصدمة.
تقول المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة سيما بحوث "النساء في غزة يواجهن حرباً على صحتهن حيث تعاني أكثر من 75 في المئة منهن من الاكتئاب والقلق المزمن نتيجة فقدان الخصوصية والنزوح المتكرر، حالياً نوفر لهن المساحات الآمنة وخيم الدعم، حيث تقدم دعماً نفسياً واجتماعياً متكاملاً للأمهات وأطفالهن، بهدف استعادة الروتين اليومي والشعور بالأمان".
وتضيف المديرة التنفيذية "نقدم برامج دعم الأم والطفل معاً حيث نوفر مساحات صديقة للأم والطفل مما ينعكس مباشرة على قدرتها على رعاية وتغذية طفلها، وهناك لقاءات توعوية تساعد الأم على فهم سلوكيات طفلها الناتجة من الخوف، وتدربها على تمارين تنفس بسيطة لممارستها مع أطفالها لتخفيف حدة القلق".
وتوضح بحوث أنهم يطبقون تقنيات التفريغ والعلاج الجماعي بالدراما والرسم، ويوفرون خدمات الاستشارة الهاتفية لتقديم الدعم للأمهات اللواتي يصعب عليهن التنقل بسبب الأوضاع الأمنية، مشيرة إلى أن هذه الجهود تحاول ترميم الجهاز العصبي للأم عبر منحها لحظات من الهدوء والتحقق من مشاعرها، مما يعزز قدرتها على مواصلة دورها كحارس لأطفالها.